25 - 03 - 2026

قراءة في كتاب د. خالد غازي "الصحافة وخرائط التغيير": مواقع التواصل مصدر للمعلومات المزيفة

قراءة في كتاب د. خالد غازي

- الطباعة مهدت الطريق لحركات الإصلاح الديني في أوروبا، ونشر الوعي عبر الصحافة
- الإذاعة جزء من  الإعلام بالكلمة، وقادرة على التأثير في الرأي العام
- دخول التلفزيون إلى الوطن العربي، كان بمثابة ثورة إعلامية، خلقت مساحة تنويرية كبرى
- الأفلامُ الوثائقيةُ  تعريفَ لأولوياتِ الوعيِ الجمعيِّ،  وتنتج ضغطًا مجتمعيًّا نحوَ تبني سياساتٍ وقائية
- من أبرز سمات العصر الرقمي تحوُّلُ التفاعل بين الإعلام والجمهور إلى نموذجٍ ثنائيِ الاتجاه
- مواقع التواصل الاجتماعي صحافة غير منضبطة، ومصدرًا للأخبار المغلوطة والمعلومات المزيفة
- لا يمكن بناء المستقبل  وإقناع الشعوب بدعم برامج التنمية الشاملة، إلا عبر الإعلام الوطني المتخصص.

صدر للدكتور خالد غازي كتاب "الصحافة وخرائط التغيير"سردية الاتصال بين الثورة المعرفية والتقنية، عن وكالة الصحافة العربية (ناشرون) والكتاب يقع في 359 صفحة من القاطع الكبير، ويرصد مسار الصحافة منذ عصر الطباعة، ثم الكلمة المسموعة من خلال الإذاعة، ثم التلفزيون، ثم الانترنت والذكاء الاصطناعي. وفي ظلّ التسارع المذهل للتحوّلات التكنولوجية المعاصرة، قد يرى البعض أن تاريخ الصحافة مجرد أرشيف منسيّ أو حكاياتٍ عن أدواتٍ بدائيةٍ فقدت أهميتها في عصر الهيمنة الرقمية. غير أن قراءة التاريخ الإعلامي لا تمثل ترفًا معرفيًا، بل تُشكّل مفتاحًا أساسيًا لفكّ تعقيدات الواقع واستبصار آفاق التطوّر، وقد استعرضت الكتاب عدة محاور في مجال تطور الصحافة منها:

أولا: الطباعة والصحافة: وفرت الطباعة تقنيةٍ سريعةٍ لإنتاج المطبوعات، وأسهمت في إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والثقافية، عبر خلق فضاءٍ تواصليٍّ جديدٍ قائمٍ على التفاعل بين النص والمجتمع. فقبل ظهور المطبعة، كانت الأخبارُ تنتقل عبر قنواتٍ تقليديةٍ بطيئةٍ ومكلفةٍ، مثل الرسل الشفهيين أو المخطوطات اليدوية، والتي كانت حكرًا على النخب الدينية والسياسية. لكن مع انتشار الطباعة منذ منتصف القرن الخامس عشر، تحوَّلت المعلوماتُ إلى سلعةٍ قابلةٍ للتداول السريع والواسع، مما فتح البابَ أمامَ ولادةِ ثقافةٍ إعلاميةٍ جديدةٍ. ويرجع الفضل في اختراع الطباعة بالحروف المتحركة، إلى الألماني "يوحنا جوتنبرج"، الذي يُعتبر أحد أبرز الشخصيات التي غيرت مسار التاريخ الإنساني. وقد أصبحت الصحفُ المطبوعةُ وسيطًا فعَّالًا لنقل آراء الكتَّاب والمفكرين، مما ساهم في تشكيل فضاءٍ عموميٍّ مفتوحٍ للحوار السياسي والاجتماعي. ومثَّل اختراع الطباعة تحولًا جوهريًّا في البنية الفكرية والاجتماعية الأوروبية، حيث تجاوز دوره كتقنيةٍ ماديةٍ ليصير أداةً فاعلةً في تفكيك الجمود المعرفي الذي ميّز العصور الوسطى.

1- الصراع بين الكنيسة والطباعة:  زحزحت الطباعة مركزية السلطة الكنسية، التي حصرت تداول الأفكار في نطاق النخب. وفي هذا السياق، أسهمت الطباعة في تمهيد الطريق لحركات الإصلاح الديني، ولا سيما حركة مارتن لوثر، التي اعتمدت على النص المطبوع كوسيلةٍ ثوريةٍ لإعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسة الدينية والجمهور. وعندما نشر لوثر أطروحاته الـ95 عام 1517، وجدت أفكاره في الطباعة ناقلًا فعّالاً حوَّلها من خطابٍ محليٍّ إلى ظاهرةٍ قاريةٍ، ومع الوقت بدأ رواج الأفكار الإصلاحية. وهكذا، تجاوز دور الطباعة كونه ناقلًا للنصوص إلى كونه أداةً لتمكينٍ فكريٍّ وروحيٍّ، أعادت تعريفَ مفهوم السلطة في المجتمع الأوروبي. وردًّا على ذلك، اعتمدت الكنيسةُ آلياتٍ قمعيةً لحماية هيمنتها، مثل إصدار "قائمة الكتب المحظورة" التي حظرت نصوصَ الإصلاحيين والفلسفات المناوئة للعقيدة الكاثوليكية، بينما نشطت محاكمُ التفتيش في ملاحقة الناشرين ومصادرة المطبوعات "المنحرفة". إلا أن هذه الإجراءاتَ لم تُبطئ التحوُّلَ الجذريَّ، بل كشفت عن إدراك المؤسسة الدينية بفقدان قبضتها على العقول.

2- الطباعة في العالمين العربي والإسلامي: دخلت الطباعةِ إلى الدولةِ العثمانيةِ في نهايةِ القرنِ الخامسَ عشرَ، بوصول المطبعةِ الأولى إلى إسطنبولَ عامَ 1493م على يدِ  اليهودي "إسحق جرسون"،  وعندما رأت السلطةِ العثمانيةِ أن فيها تهديدًا مُحتملًا للنسيجِ الاجتماعيِّ الهشِّ، القائمِ على التراتبيةِ الدينيةِ والثقافيةِ، أصدرَ السلطانُ "بايزيد الثاني" عامِ 1485م، مرسومًا يُقيِّدُ استخدامَ الطباعةِ على الطائفةِ اليهوديةِ، وقد أعادَ السلطانُ سليم الأول تأكيدَ الحظرِ عامَ 1515م، ليُرسيَ سابقةً تاريخيةً جعلتِ الطباعةَ حبيسةَ الإطارِ اليهوديِّ، دونَ أن تُسهمَ في تحريكِ عجلةِ التحديثِ.

وبعد أكثر من قرنين،  قاد "إبراهيم متفرقة" المعروفُ "بسعيد أفندي"، ابنِ السفيرِ العثمانيِّ في باريسَ، حملةً فكريةً لإقناعِ النخبةِ الحاكمةِ بضرورةِ تبنيها. وبعدَ نقاشاتٍ مكثفةٍ مع علماءَ الدينِ، أصدرَ السلطانُ "أحمد الثالث" عامَ 1727م فرمانًا يُجيزُ استخدامَ الطباعةِ، مستندًا إلى فتوى من شيخ الإسلام "عبد الله أفندي" تُبيحُها لنشرِ الكتبِ العلميةِ كالطبِّ والرياضياتِ، مع تحفُّظٍ واضحٍ على طباعةِ النصوصِ الدينيةِ الإسلاميةِ حفاظًا على قدسيةِ الخطِّ العربي.

وحول دخول الطباعة إلى العالم العربي، قامت لبنان بأول محاولة عربية لدخول عصر الطباعة عام 1610،  ثم تلتها سوريا 1706، ثم عرفتها مصر بصفة مؤقته 1798 مع دخول الحملة الفرنسية، وتم إنشاء أول مطبعة دائمة عام 1821 بأمر محمد علي لتحديث الدولة. ودخلت  العراق 1830، ودخلت الجزائر 1830، ثم فلسطين1846، وعرفتها تونس 1860، ودخلت المغرب 1864، واليمن 1877، والسودان 1899، السعودية 1924م.

3- مولد  فكرة  الرقابة على الصحف: عندما شهدت أوروبا طفرة في تداول المعرفة والأفكار على نطاق غير مسبوق، لم يمر هذا الانتشار السريع للأفكار المكتوبة دون تدخل من السلطات الدينية والسياسية، والتي سارعت إلى فرض أنظمة رقابة صارمة للسيطرة على المحتوى المنشور. وأصبحت الرقابة أداة أساسية لتوجيه الرأي العام وحماية المصالح القائمة، وساهمت بشكل كبير في تشكيل محتوى الصحف والكتب المطبوعة.

أ- الرقابة الدينية: وتهدف إلى حماية العقيدة والسلطة الروحية، ولم تكن الرقابةُ حكرًا على الكنيسةِ الكاثوليكيةِ، بل امتدَّت إلى مؤسساتٍ دينيةٍ أخرى سعتْ إلى حمايةِ هيمنتِها في مواجهةِ التعدديةِ الفكرية. ففي إنجلترا، على سبيل المثال، فرضتِ الكنيسةُ الأنجليكانيةُ رقابةً دقيقةً على المطبوعاتِ، في سياقِ صراعِها مع التياراتِ البروتستانتيةِ المتنافسةِ. ورغمَ أن الهدفَ المعلَنَ كان "احتواءَ النزاعاتِ الدينية"، إلا أن هذه الإجراءاتَ كشفتْ عن قلقِ السلطاتِ الدينيةِ من فقدانِ السيطرةِ على الرأيِ العام، في ظلِّ تحوُّلِ الطباعةِ إلى أداةٍ لتفكيكِ الاحتكارِ التقليديِّ للمعرفة..

ب- الرقابة السياسية:  فقد كانت بهدف السيطرة على الفكر المجتمعي في أوروبا، والقلقُ من تأثير الطباعةِ لنشرِ الأفكارِ الثوريةِ وتقويضِ الاستقرارِ السياسي،  في فرنسا، مثلًا، خضعتِ المطبوعاتُ لرقابةٍ دقيقةٍ من قِبلِ الدولةِ، حيث اشترطتِ السلطاتُ الملكيةُ الحصولَ على تراخيصَ خاصةٍ لطباعةِ أيِّ كتابٍ أو صحيفةٍ. وكانت أيُّ كتاباتٍ تُوصفُ بـ"المعاديةِ للنظام" أو الداعيةِ إلى تغييرٍ سياسيٍّ تُمنعُ فورًا.

أما في الإمبراطوريةِ العثمانيةِ، فقد تأخرَ اعتمادُ الطباعةِ حتى القرنِ الثامنَ عشرَ، وهو ما يُفسِّره المؤرخُ "شكري هاني أوغلو"،  بأنه نتاجُ صراعٍ مركَّبٍ بين النخبِ الإصلاحيةِ والقوى المحافظةِ.

ج- الرقابة الثقافية والاجتماعية: شكَّلت الرقابةُ الثقافيةُ والاجتماعيةُ عاملًا محوريًّا في توجيه المحتوى المطبوع عبر فرضِ حدودٍ صارمةٍ على الأفكارِ التي اعتُبرتْ مُنافيةً للقيمِ المهيمنة. ففي سياقاتٍ تاريخيةٍ متعددةٍ، مُنعتِ الأعمالُ الأدبيةُ والفلسفيةُ التي ناقشتْ قضايا حساسةً مثل الجنسانيةِ أو المساواةِ الاجتماعية، بحجةِ الحفاظِ على "النظامِ الأخلاقي". لكنَّ هذه الإجراءاتَ، رغمَ زعمِها حمايةَ التماسكِ المجتمعي، أدتْ إلى إضعافِ الحوارِ حولَ قضايا جوهريةٍ، كالتحررِ الفردي والعدالةِ الطبقية، مما أعاقَ تفاعلَ المجتمعاتِ مع التحولاتِ الفكريةِ الحديثة.

.وخلاصة القول أن الإجراءاتُ الرقابيةُ لم تكن قادرةً على كبحِ التطورِ الجوهريِّ للطباعة، فظهرتْ أساليبُ تعبيريةٌ مبتكرةٌ تعتمدُ على الاستعارةِ والانزياحِ اللغوي، كما انتشرتْ شبكاتُ نشرٍ سريةٍ تتحدى الرقابةَ عبرَ توزيعِ نصوصٍ محظورةٍ خارجَ الأطرِ القانونية.

ثانيًا: الإعلام عبر البث الإذاعي بالكلمة:  لقد  أصبحت الإذاعة جزءًا من الإعلام بالكلمة، وقادرة على التأثير على الرأي العام، بجانب الطباعة، وتطورت الإذاعة لتصبح أداةً حيويةً في نشر المعرفة وإدارة الأزمات، خاصة خلال الحروب التي شهدها القرن العشرين، حيث تحولت إلى مصدرٍ رئيسي للمعلومات السريعة والموثوقة. ولم يقتصر دورها على نقل الأحداث، بل ساهمت في تشكيل الوعي العام عبر برامجَ ثقافيةٍ وحملاتٍ توعوية.

 في الجانب السياسي، تحوَّل الراديو إلى سلاحٍ فعَّالٍ في تشكيل الرأي العام، حيث استخدمته الأنظمةُ لبثّ الخطاب الرسمي خلال المنعطفات التاريخية، كالحروب أو الانتخابات. فمن خلال إدارة المحتوى الإذاعي، تمكَّنت الحكوماتُ من صياغةِ سردياتٍ وطنيةٍ تعزز الشرعيةَ السياسية، وتوجِّه الرأيَ العام نحو تبني سياساتٍ محددة. هذه الديناميكيةُ أكسبت الراديو مكانةً استثنائيةً كوسيطٍ بين السلطة والمجتمع، وكشفَت عن قدرة التكنولوجيا الاتصالية على التأثير في البنى الاجتماعية والسياسية بعمق.

1-  الخطوات العلمية التي سبقت مولد الإذاعة: ارتبط ظهور البث الإذاعي باكتشاف موجات الراديو مطلع القرن العشرين، ويمكن استعراض  الخطوات التي سبقت البث الإذاعي تاريخًا عبر جهود العلماء، ومنها قيام  العالم البريطاني "جيمس كلارك ماكسويل" بتقديم نظرية شاملة عن الموجات الكهرومغناطيسية عام 1864، وقد نجح  الفيزيائي الألماني "هاينريش هيرتز" في توليد الموجات الكهرومغناطيسية وقياس خصائصها، وهذا ساعد الإيطالي "غوليلمو  ماركوني" في تطوير أول جهاز لاسلكي قادر على إرسال إشارات عبر الهواء باستخدام الموجات الكهرومغناطيسية عام 1895، وفي عام 1901 استطاع إرسالَ أول إشارة لاسلكية عابرة للمحيط الأطلسي من إنجلترا إلى كندا أما "ريجنالد فيسندن،" فقد نقلَ التكنولوجيا اللاسلكية إلى مرحلةٍ نوعيةٍ عام 1906، حين نجحَ في بثِّ أول إشارةٍ صوتيةٍ عبر الأمواج الراديوية.

2- مولد البث الإذاعي في العالم:. في عام 1920، مثَّل إطلاق أول محطة إذاعية تجارية في الولايات المتحدة الأمريكية حدثًا مفصليًّا، إذ وفَّر للمستمعين – ولأول مرة – فرصةَ الوصول المباشر إلى الأخبار، والموسيقى، والبرامج الترفيهية والتعليمية دون حاجةٍ إلى الوسائط المطبوعة التقليدية.

3- الإعلام  الإذاعي في الدول العربية: يمكن استعراض بداية البث  الإذاعي في الدول  العربية،  حسب العرض الاتي:

أ- وادي النيل والقرن الإفريقي: دخلت الإذاعة  إلى مصر 1934، في عهد الملك فؤاد الأول، وكانت أول إذاعة عربية تحت اسم "راديو القاهرة"، وفي السودان ظهرت "إذاعة أم درمان" 1940م، وفي الصومال بدأت خلال الاستعمار الإيطالي1943، وثم تأسيس إذاعة وطنية بعد الاستقلال في 1960، وفي  جيبوتي بدأت الإذاعة تحت الاستعمار الفرنسي 1964م.

ب- دول المغرب العربي: ظهرت أول إذاعة في الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي 1925، ثم تأسست إذاعة وطنية بعد الاستقلال في 1962، وبدأت "الإذاعة المغربية" بثها خلال الاستعمار الفرنسي 1928م، وفي تونس انطلقت الإذاعة خلال الحماية الفرنسية 1938، ثم تحولت إلى إذاعة وطنية بعد الاستقلال عام 1956، وفي ليبيا تأسست "الإذاعة الليبية" في العهد الملكي 1957،  وانطلقت إذاعة موريتانيا  خلال الحكم الفرنسي عام 1958، ثم أصبحت إذاعة وطنية بعد الاستقلال عام  1960م.

ج - بلاد الشام: ظهرت إذاعة "هنا بغداد" في العهد الملكي في العراق 1936م، وفي لبنان تم تأسيس "إذاعة الشرق الأدنى" خلال الانتداب الفرنسي عام 1938م،  وانطلقت "الإذاعة السورية" عام 1946م،  ثم "إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية" عام 1956م، 

د- دول الخليج واليمن: في  البحرين تأسست أول إذاعة في الخليج تحت الانتداب البريطاني 1940، ثم تطورت بعد الاستقلال في 1971، تم تأسيس "إذاعة جدة" السعودية عام  1949، وأسس الشيخ "عبد الله السالم الصباح" إذاعة الكويت1951، وانطلقت إذاعة  الدوحة في  قطر 1968، وفي الإمارات بدأت  الإذاعة في إمارة أبو ظبي قبل اتحاد الإمارات 1969،  وفي عُمان  تأسست الإذاعة عام 1970، أما إذاعة اليمن بدأت في عدن (جنوب اليمن) خلال الاستعمار البريطاني 1954م .

4- مستقبل الإذاعة: يتفق الباحثون على أن استمرارية الوسائط السمعية كعنصرٍ محوريٍّ في المنظومة الإعلامية تعود لقدرتها الاستثنائية على تجاوز الحواجز المكانية والاقتصادية، لِتصلَ إلى شرائحَ اجتماعيةٍ متنوعةٍ تتراوح بين المناطق الحضرية والمجتمعات الهامشية. وتتعاظم قيمتها في السياقات الطارئة، حيث تتحول إلى مصدرٍ معلوماتيٍّ موثوقٍ يُقدِّم تغطيةً فوريةً تُسهم في تقليل الغموض واتخاذ القرارات الحاسمة، كما تجلّى خلال كوارثَ كإعصار "كاترينا" بالولايات المتحدة، حين مثَّلَ البثُّ الصوتيُّ أداةً محوريةً في توجيه السكان وإنقاذ الأرواح. وتعتمد ديمومة هذه التقنية على مرونتها في التفاعل مع المتغيرات التكنولوجية والاجتماعية؛ فبينما حافظت على دورها التقليدي كناقلٍ للأخبار، انفتحت على صيغٍ حديثةٍ كالبث الرقمي والبودكاست، مما وسَّعَ نطاق تأثيرها ليجتذب جماهيرَ جديدةً، خاصةً من الأجيال الشابة التي تستهلك المحتوى وفق أولوياتها الزمنية. هذه الديناميكية حوّلتها من وسيلة اتصال تقليدية إلى منصةٍ متجددةٍ تتماشى مع متطلبات العصر، دون أن تفقدَ جوهرَها كوسيطٍ جمعيٍّ قادرٍ على خلق تجاربَ مشتركة.

ثالثًا الإعلام عبر التلفزيون والسينما: لقد أتاحت التطوراتُ التكنولوجيةُ المتسارعةُ، مثل تقنيات البث اللاسلكي وتطوير الكاميرات التلفزيونية، فرصةً لنقل الأحداث العالمية بلمسةٍ واقعيةٍ غير مسبوقة. فلم تعدِ المعلومةُ حبيسةَ النصوصِ المطبوعة، بل تحولت إلى صورٍ وصوتياتٍ تتفاعل مع المشاعر وتخترق الحدودَ الجغرافيةَ بسلاسة. هذا الانتقالُ من "قراءة الخبر" إلى "مشاهدته" أو "سماعه" غيّرَ جذريًا طبيعةَ التفاعلِ المجتمعي مع الأحداث، حيثُ بات الجمهورُ شاهدًا فوريًا على الحروب، والثورات، والمناسبات العالمية الكبرى.

وبدأ التليفزيون يتشكل كوسيلة إعلامية جماهيرية، وفي عام 1936، خطت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) خطوة تاريخية بإطلاق أول خدمة بث تليفزيوني منتظم في العالم من محطة "ألكسندرا بالاس"  في لندن. كان هذا الإنجاز بمثابة قفزة عميقة في عالم الاتصالات البصرية.

أما دخول التلفزيون إلى الوطن العربي، فقد كان بمثابة ثورة إعلامية، خلقت مساحة تنويرية كبرى، وبدأ ذلك  بإنشاء التلفزيون العراقي عام 1956 "، ثم  تلفزيون الجزائر عام 1956 أثناء الاحتلال الفرنسي، ودخل الكويت عام 1957 م،  ثملبنان عام  1959، كان أول بث تلفزيوني في مصر وسوريا عام 1960، والمغرب عام 1962، والسعودية عام 1965، وتونس عام 1966، والإمارات عام 1969، والبحرين عام 1973 . 

1-تأثير التلفزيون في الإعلام: فعلاوة على كون التلفزيون منصة إعلامية تنقل الأخبار، يُعيد تعريفَ الهوية الجمعية عبر تحويل المناسبات الوطنية أو الرياضية إلى طقوسٍ بصريةٍ تُوحِّد المشاهدين في فضاءٍ عاطفيٍّ مشترك. فالبث المباشر لنهائيات كأس العالم أو الاحتفالات الوطنية يُنتج لحظاتٍ استثنائيةً من "التضامن العاطفي"، حيث تذوب الفروقُ الطبقيةُ والسياسيةُ مؤقتًا في بوتقةِ الفرح أو الحزن الجماعي. لكن هذه الوحدةَ الوهميةَ تخدم – في العمق – أيديولوجياتٍ قوميةً أو استهلاكية، كما يتجلى في استغلال هذه الأحداث لترويج منتجاتٍ أو تعبئةٍ سياسية. 

لا تنتهي تأثيرات التليفزيون عند لحظة المشاهدة، بل تتراكم في الذاكرة الفردية والجمعية كطبقاتٍ عاطفيةٍ تُشكّل إطارًا مرجعيًّا لتقييم الأحداث اللاحقة. وهذا التأثير التراكمي يخلق "ذاكرةً مُصطنعةً" تُقدّم تفسيرًا عاطفيًّا للتاريخ، غالبًا ما يتجاهل التعقيدات السياسية لصالح الرواية البصرية المبسطة.

أما الأعمالُ الدراميةُ فتتحول إلى مختبراتٍ رمزيةٍ تُعيدُ إنتاجَ الهُوياتِ عبرَ نماذجَ سلوكيةٍ مُتكررة. وتُعيدُ الأفلامُ الوثائقيةُ  تعريفَ أولوياتِ الوعيِ الجمعيِّ عبرَ تسليطِ الضوءِ على قضايا هامشيةٍ ، مما يخلقُ ضغطًا مجتمعيًّا نحوَ تبني سياساتٍ وقائية. 

2- السينما وتشكيل الوعي: لا تقتصر وظيفة السينما – شأنها شأن التليفزيون – على نقل المحتوى، بل تتجاوزه إلى هندسةِ تصورات الجمهور عبر التلاعب باللغة البصرية، التي تجمع بين الإضاءة، الزوايا، والتركيبات الرمزية لصياغة خطابٍ موجه. وتشترك السينما والتليفزيون في كونهما أرشيفًا بصريًّا للذاكرة الجمعية، حيث تُحفَظ الأحداث التاريخية والتحولات الاجتماعية عبر الصورة.

شهدت العلاقة بين السينما والصحافة تفاعلاً حيويا وترابطًا عميقًا، حيث لم تكتفِ الصحافة بدورها كمرآة تعكس أخبار السينما، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في توجيه انتباه الجمهور نحو الأفلام، مساهمةً في تحديد مصيرها التجاري عبر النقد البناء أو الترويج الاستراتيجي. في المقابل، استلهمت السينما من الصحافة لتقدم تصويرًا متنوعًا للصحفيين، تارة كرموز للبحث عن الحقيقة وتارة كشخصيات معقدة تجسد الصراعات الأخلاقية، مما أثر في إعادة تشكيل صورة هذه المهنة في أذهان المتلقين.

رابعًا: الإنترنت والإعلام الرقمي: لقد شهدت تقنيات الإنترنت انطلاقة غير مسبوقة مع انخفاض أسعار أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الاتصال، مما جعل الوصول إلى الشبكة العالمية أكثر سهولة. ولم يكن دخول الإنترنت إلى العالم العربي بمعزل عن التطورات العالمية في تقنيات الاتصال، حيث شهد العقد الأخير في نهاية الألفية الثانية بداية دخول عصر العالم الرقي إلى الدول العربية، وبدأت مصر استخدام الإنترنت عام 1993م، ثم البحرين والأمارات عام 1995، ودخل إلى  الأردن و لبنان والكويت وتونس عام 1996، وفي قطر عام 1997م، والسودان والجزائر 1998، والسعودية وعمان والمغرب عام  1999م، والعراق وسوريا عام  2000م. 

1-سمات العصر الرقمي: من أبرز سمات العصر الرقمي تحوُّلُ التفاعل بين الإعلام والجمهور إلى نموذجٍ ثنائيِ الاتجاه. لم يعد الجمهورُ مجردَ مستقبلٍ سلبي، بل تحول إلى مشاركٍ فاعلٍ يمتلك القدرةَ على التعليق، والنقد، وحتى إنتاج المحتوى. هذه الديناميكيةُ الجديدةُ أضفت حيويةً على العلاقة، لكنها رفعت مستوى التعقيد، حيث باتت المؤسساتُ الإعلاميةُ تواجه مساءلةً فوريةً من الجمهور في الوقت الحقيقي. في المقابل، أدى استخدامُ خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى تخصيص المحتوى وفقًا لاهتمامات المستخدمين، مما غيَّر جذريًّا أنماطَ الاستهلاك. ورغم أن هذا التخصيصَ زاد من ارتباط الأفراد بالمحتوى، إلا أنه ساهم في تكريس ظاهرة "الانعزال المعلوماتي"، التي تحصر الأفرادَ في فقاعاتٍ تكرر آراءهم المسبقة، مما يُقلص فرصَ التعرُّض لوجهات النظر المتنوعة، ويُضعف القدرةَ على تكوين رؤيةٍ متوازنةٍ للأحداث. ولم يعد الجمهور مجرد مُستهلكٍ للمعلومات، بل فاعلٌ تأويلي يُشارك في إنتاج الدلالات وإعادة توزيع السلطة الرمزية، في مشهدٍ يطمس الحدودَ التقليدية بين الحقيقة والتمثيل، ويستدعي مراجعةً جذريةً لأسس الميثاق الأخلاقي الذي يحكم العمل الإعلامي.

2 -الراديو والتلفزيون والتحول الرقمي: تتمثَّلُ إحدى ركائز استمرارية الراديو في انخفاض نفقات تشغيله مقارنةً بوسائل الإعلام المرئية أو الرقمية، ما يجعله خيارًا مثاليًّا للمشاريع المجتمعية ذات التمويل المحدود. وفي ظل التحولات التكنولوجية، نجح في استيعاب أشكالٍ رقميةٍ كـالبثّ الصوتي حسب الطلب، مما وسَّعَ جمهوره ليشملَ شرائحَ شبابيةً تفضِّل الوصولَ إلى المحتوى في أي وقتٍ ومن أي مكانٍ، عبر هواتفهم الذكية أو الأجهزة القابلة للارتداء. وهذا التطور لم يُهمّش الدورَ التقليديَّ للراديو، بل أضاف إليه بُعدًا تفاعليًّا، كالسماح للمستمعين بإيقاف البثّ أو إعادة الاستماع، وهو ما يفسر الارتفاعَ الحادَّ في نسبة مستهلكي البودكاست عالميًّا، والتي قفزت بنحو 30% بين عامي 2018 و2023 (وفقًا لتقرير رويترز). تُظهر البيانات أن 75 مليون أمريكي يستمعون أسبوعيًّا للبودكاست في 2023، مقابل 44 مليونًا في 2018، مما يُبرِزُ تحوُّلَ الراديو إلى وسيطٍ هجينٍ يدمج بين البثّ المباشر والمحتوى المُخزَّن.

كذلك ساهمَ التلفزيون عبر البث الرقمي في تشكيلِ فضاءٍ ثقافيٍّ جامع، مُحوِّلًا الشاشةَ إلى نافذةٍ تطلُّ على العالمِ عبرَ نقلِ الأحداثِ الكبرى. وهذا الانزياحُ جعلَ منَ النظامِ الاتصاليِّ أحدَ أركانِ الإعلامِ الحديثِ، وأداةً فاعلةً في توجيهِ دينامياتِ المجتمعاتِ ثقافيًّا وفكريًّا.

3-مواقع التوصل الاجتماعي وفوضى الإعلام: تُعد مواقع  التواصل الاجتماعي  مجالًا للصحافة الشعبية غير المنضبطة، ومصدرًا للأخبار المغلوطة والمعلومات المزيفة، وتمثل تهديدًا متصاعدًا يزيد من تعقيدات الصحافة العربية، بسبب نشر الشائعات بسرعة مذهلة في ظل غياب أدوات فعالة للتحقق، مما يهز ثقة الجمهور في الإعلام ككل. وكثيرًا ما تُوظف هذه المعلومات المضللة لأهداف سياسية أو اقتصادية، مكونة خطرًا ملموسًا على استقرار المجتمعات، حيث تُستخدم أحيانًا لتأجيج النزاعات الطائفية أو السياسية، مترجمة إلى تداعيات خطيرة على التماسك الاجتماعي. 

وهذا الخطر يستوجب تطوير تقنيات متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لفحص المحتوى والتثبت من صحته، مع تعزيز ثقافة التحقق من المصادر كخطوة أولية للحد من التضليل. فقط عبر هذا التكامل يمكن للصحافة العربية استعادة مكانتها كحامية للحقيقة في عصر تتشابك فيه الحقائق مع الأباطيل.

ومن الأدلة التي تشير إلى عدم الثقة في  مواقع التواصل، أن 68% من الجمهور، يفضلون الأخبارَ الإذاعية عن تلك المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

4- التعامل مع الأخبار المزيفة عبر الانترنت: ويشير المؤلف إلى إن التحديات التي تواجهنا في الوقت الحاضر، هي  ظاهرة الأخبار المزيفة، التي يُنظر إليها غالبًا على أنها نتاج عصر الإنترنت الحديث، ولكنها تمتلك جذورًا تاريخية تمتد إلى القرن السادس عشر، حيث كانت المطابع السرية في أوروبا تُستخدم لنشر منشورات ساخرة تتضمن تزييف تصريحات الملوك بهدف تقويض شرعيتهم وسلطتهم. وفي الولايات المتحدة  كمثال تاريخي، انتشرت عملية الترويج للأخبار المزيفة مع رواج الصحف الحزبية التي كانت تنشر اتهامات كاذبة دون تحفظ، لدرجة أن شخصية بارزة مثل "إبراهام لينكولن" وُصفت في بعض تلك المنشورات بـ"غول يأكل الأطفال". وكانت عملية تصحيح هذه الأكاذيب تحتاج إلى وقتٍ.

أما في العصر الحالي، فإن الخوارزميات قادرة على تضخيم الأكاذيب بوتيرة تفوق أي جهد بشري لاحتوائها، فكما استُخدمت المطبعة لترويج أهداف الاستعمار القديم، يتم استُخدم  الذكاء الاصطناعي لخلق واقعٍ مُزيّفٍ يُحاكي أحلام المروجين، بكتابة مقالات مضللة.

 وكما استفادت البشرية من دروس الماضي لتطوير أنظمة تحريرية أكثر دقة وموثوقية، يمكننا اليوم الاستناد إلى هذه التجارب التاريخية لتصميم آليات ذكية قادرة على حماية الفضاء الإعلامي من التضليل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مبدأ حرية التعبير.

وبعد هذه العرض المختصر، يتضح أننا أمام دراسة تاريخية لتطور الإعلام منذ عصر الطباعة حتى عصر الإنترنت، وأن هذه الدراسة مقترنة بالتحليل، الذي يوضح نقاط القوة، والضعف، أملا في تلافي الأخطاء، ولا يمكن بناء المستقبل وإقناع الشعوب بدعم برامج التنمية الشاملة، إلا عبر الإعلام الوطني المتخصص. 
-------------------------------------------

دراسة وعرض: د. صلاح شعير