23 - 03 - 2026

الدور الحضاري للإسلام في مكافحة الفقر: قراءة في التجربة البنغلاديشية

الدور الحضاري للإسلام في مكافحة الفقر: قراءة في التجربة البنغلاديشية

مبادئ الإسلام وإطاره في مكافحة الفقر:

تعد بنغلاديش بلدا ذا أغلبية مسلمة حيث لا يختزل الإسلام فيه في حدود الشعائر التعبدية أو الطقوس الروحية، بل يتجلى بوصفه نظاما حضاريا متكاملا ينظم شؤون الحياة كافة، ويهدي مسيرة الفرد والمجتمع والدولة في أبعادها الاقتصادية والأخلاقية. وفي سياق مكافحة الفقر يقدم الإسلام رؤية عميقة تتسم بالواقعية والإنسانية والتوازن، إذ لا يقف عند حدود المعالجات الظرفية القائمة على الإحسان العابر، بل يتجاوزها إلى تأسيس بنية اقتصادية عادلة تعالج جذور الفقر وتعيد صياغة علاقات الثروة على أسس من الإنصاف والتكافل.

ومن المرتكزات الكبرى في التصور الإسلامي أن الثروة في جوهرها ملك لله تعالى، وأن الإنسان ليس إلا خليفة مستأمنا عليها، يتصرف فيها وفق مقتضيات العدل والمسؤولية. ومن هنا تنبثق فلسفة أخلاقية تحاصر النزعة الفردية الجامحة، وتوقظ في ضمير الغني شعور الرقابة والمساءلة كما تقرر في الوقت ذاته حق الفقير في نصيب معلوم من هذه الثروة. وقد جاء التوجيه القرآني حاسما في هذا الباب حين أكد ضرورة ألا تكون الأموال دولة بين فئة محدودة من الأغنياء، وهو ما يشكل الأساس المتين للحد من التفاوت الاقتصادي، وبناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية والتوازن الإنساني.

إن قلب هذا البناء الحضاري المتكامل يتجلى في فريضة الزكاة، تلك الركيزة العظمى التي أقام عليها الإسلام ميزان العدل الاجتماعي. فالزكاة ليست مجرد تبرع عابر أو إحسان طارئ، بل هي التزام شرعي محكم، يلزم الأغنياء بإخراج نصيب معلوم من أموالهم، يعاد ضخه في شرايين المجتمع ليبلغ الفقراء والمساكين والمحرومين. وهي في حقيقتها نظام رباني دقيق يجسد مفهوم الأمن الاجتماعي في أبهى صوره، فإذا أديت كما أمر بها، وأحسن تدبيرها وتوزيعها، أضحت أداة فعالة في تقويض دعائم الفقر، وتقليص فجوات التفاوت بين الطبقات.

وإلى جانب الزكاة تنبثق منظومة إنسانية رحبة من الصدقات والإنفاق والفطرة، تزكي النفوس، وتنمي في القلوب معاني الرحمة والإيثار، وتشيد جسور التضامن بين أفراد المجتمع. فالإسلام لا يرضى أن ينغلق الإنسان في دائرة ذاته، بل يربيه على البذل والعطاء، ويغرس فيه شعور المسؤولية تجاه الآخرين حتى يغدو المجتمع كالجسد الواحد، تتكافل أعضاؤه وتتعاضد قواه، فينشأ بذلك نسيج اجتماعي متين، قوامه التعاطف والتراحم.

أما الوقف فهو من أروع ما أبدعته الحضارة الإسلامية في ميدان الاقتصاد الاجتماعي، إذ يقوم على حبس الأصل وتسبيل المنفعة ليظل الخير جاريا متدفقا عبر الأزمان. وقد شكل الوقف عبر التاريخ الإسلامي ركيزة أساسية في بناء المدارس والمستشفيات وشق الطرق وتوفير سبل الحياة الكريمة، فكان نموذجا فريدا للتنمية المستدامة، يمد الفقراء والمحتاجين بعطاء لا ينضب، ويصون كرامتهم عبر الأجيال.

وفي بعده الاقتصادي يقدم الإسلام رؤية متميزة تقوم على العدل والمشاركة بعيدا عن هيمنة النظام الربوي الجائر حيث يرسخ مبدأ تقاسم الأرباح والخسائر، ويشجع على الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي المنتج. ومن شأن هذا النهج أن يوسع آفاق المشاركة الاقتصادية، ويتيح الفرص أمام مختلف فئات المجتمع مما يسهم في تحريك عجلة الإنتاج، وخلق فرص العمل، والحد من مظاهر الفقر والحرمان.

ولا يكتمل هذا البناء إلا بإرساء دعائم الأخلاق، إذ يضع الإسلام منظومة صارمة تحظر الفساد والرشوة والغش والاحتكار والاستغلال، وتعلي من شأن النزاهة والعدل والمساءلة. فإذا سادت هذه القيم انحسرت أسباب الفقر، وتلاشت كثير من مظاهره. وهكذا يتجلى الإسلام بوصفه منظومة شاملة تتضافر فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية لتشكل رؤية متكاملة في معالجة الفقر، قائمة على العدل، ومشروعة بالرحمة، ومؤسسة على التكافل الإنساني الرفيع.

واقع بنغلاديش: الإمكانات والإنجازات والتحديات:

لقد تغلغلت هذه المبادئ الإسلامية في أعماق المجتمع البنغلاديشي عبر عقود متعاقبة حتى غدت جزءا لا يتجزأ من نسيجه الحضاري والاجتماعي. ويتجلى ذلك بأوضح صوره في البيئات الريفية حيث تتأصل قيم التعاون، وتترسخ ثقافة البذل والعطاء، وتتنامى معاني التكافل الاجتماعي في حياة الناس اليومية. فالوقوف إلى جانب الفقراء، وإغاثة الملهوفين، واستشعار المسؤولية تجاه الضعفاء كلها معان حية تنبض بها الروح المجتمعية، وتشهد على عمق التأثير الإسلامي في تشكيل الوعي الجمعي.

وفي مواسم البركات، ولا سيما في شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه القيم في أبهى صورها، حيث يسارع الناس إلى أداء الزكاة وزكاة الفطر، وتوزع لحوم الأضاحي في عيد الأضحى على الفقراء والمحتاجين، فتغدو هذه الشعائر جسورا للرحمة، ووسائل لإحياء روح المشاركة والتراحم. وإلى جانب ذلك تنهض المؤسسات الخيرية، والمبادرات المنبثقة من المساجد، والمنظمات الإسلامية بدور متواصل على مدار العام، فتعنى برعاية الأيتام، وتوفير التعليم المجاني، ومنح الطلاب المحتاجين فرصا للعلم فضلا عن تقديم الخدمات الطبية مما يترك أثرا إيجابيا عميقا في بنية المجتمع.

كما أن تطور المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية ذات التوجه الإسلامي قد أضفى بعدا جديدا على جهود مكافحة الفقر في بنغلاديش. فمن خلال صيغ التمويل الخالية من الربا، ودعم المشاريع الصغيرة، والاستثمار في القطاعات الإنتاجية، تسهم هذه المؤسسات في تمكين الفئات الفقيرة، وتحويلها من دائرة الاحتياج إلى آفاق الاعتماد على الذات. ويبرز التمويل الأصغر الإسلامي بوصفه نموذجا رائدا في هذا السياق، لا سيما في المناطق الريفية حيث أسهم في تحسين مستويات الدخل، ورفع جودة الحياة لدى الشرائح الهشة.

غير أن هذه الآفاق الواعدة لا تخلو من تحديات عميقة، إذ لا تزال منظومة الزكاة في بنغلاديش في جانب كبير منها، تفتقر إلى الإطار المؤسسي المنظم، وتدار في صورة متفرقة ومجزأة، مما يحول دون استثمار طاقاتها الكامنة على الوجه الأمثل. وكثيرا ما تنحصر أموال الزكاة في معالجات آنية محدودة الأثر دون أن تدمج في مشاريع تنموية بعيدة المدى، قادرة على إحداث تحول حقيقي في بنية الفقر وتقليص جذوره. وهكذا تبقى الحاجة ملحة إلى إعادة صياغة هذه الجهود في إطار مؤسسي متكامل، يجمع بين روح الشريعة ومتطلبات العصر، ويحول الإمكانات الكامنة إلى واقع تنموي ملموس.

وتظل مسألة إدارة أموال الأوقاف من أعقد الإشكالات وأكثرها إلحاحا، إذ إن ضعف الرقابة، وغياب الرؤية التخطيطية المحكمة، قد أفضيا إلى تعطل طاقات هائلة من هذه الثروات، وتركها حبيسة الجمود، بعيدة عن أداء رسالتها الحضارية. ولو أعيد تنظيم هذه الموارد وفق أسس علمية حديثة تقوم على الكفاءة والشفافية، لأمكن أن تتحول إلى رافعة تنموية كبرى، تحدث أثرا بالغا في ميادين التعليم والصحة وتوليد فرص العمل، فتسهم في انتشال فئات واسعة من براثن الفقر والعوز.

كما يعد غياب السياسات المتكاملة إطارا ناظما لجهود مكافحة الفقر تحديا بنيويا لا يستهان به، إذ تتوزع المبادرات بين جهات متعددة تعمل في جزر معزولة دون تنسيق جامع أو رؤية موحدة مما يفضي إلى تشتت الطاقات، وتضاؤل الأثر، وتعذر بلوغ الغايات المنشودة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة مقاربة شمولية توحد الجهود، وتحسن توجيه الموارد، وتضفي على العمل الخيري طابعا مؤسسيا فاعلا.

ويزداد المشهد تعقيدا بتفشي الفساد، واعتلال منظومة الحوكمة، وهما من أبرز المعوقات التي تقوض مسارات التنمية، وتبدد فرص الحد من الفقر. فحين تساء إدارة الموارد، وتهدر الإمكانات، وتختل موازين العدالة في توزيع الثروات، يتعذر تحقيق التنمية المنشودة. غير أن استحضار مبادئ العدالة والنزاهة التي يقوم عليها التصور الإسلامي، وتفعيلها في البنى المؤسسية كفيل بإعادة الاعتبار لقيم الشفافية، وترسيخ دعائم الإنصاف، وتهيئة بيئة أكثر توازنا واستقرارا.

وفي أفق المستقبل تلوح أمام بنغلاديش آفاق رحبة لإعادة توظيف هذه المبادئ الإسلامية في إطار معاصر من خلال مواءمتها مع أدوات العصر وتقنياته الحديثة. فإرساء منظومة رقمية متكاملة لإدارة الزكاة، وتحديث آليات استثمار الأوقاف، وتعزيز البحث العلمي في الاقتصاد الإسلامي، ونشر الوعي المجتمعي بثقافة التكافل كلها مسارات واعدة، قادرة على إحداث تحول نوعي في مقاربة الفقر، ونقلها من دائرة المعالجة الجزئية إلى فضاء الحلول الاستراتيجية المستدامة.

-----------------------------------------

بقلم : أحمد شوقي عفيفي

مقالات اخرى للكاتب

الدور الحضاري للإسلام في مكافحة الفقر: قراءة في التجربة البنغلاديشية