منذ انشاء دولة الكيان المؤقت، وقادتها يشعرون بأن دولتهم غير قابلة للاستمرار بحدودها وحجمها الجغرافي المعروف. فهذا الحجم لا يوفر العمق الجغرافي الاستراتيجي الكافي حتى لمجرد اجراء المناورات الجوية. فهذا العمق يبلغ، في بعض المناطق، ما لا يزيد عن 22 كيلو مترا. لذلك كان هدف توسيع حدود دولتهم ماثلا دائما في أذهانهم، فتم ضم الجولان والقدس والدور آت على الضفة الغربية وغزة ومن بعدها مناطق في سوريا ولبنان.. الخ، كلما سنحت الفرصة. ويبدو أن هذه الفرصة قد سنحت بقوة غير مسبوقة مع تولي ترامب السلطة في أمريكا، سواء في رئاسته الأولى، أو الثانية. حيث جرى الإعلان رسميا على لسان قادة العدو الصهيوني والأمريكي، على السواء، عن ما يسمونه "بإسرائيل الكبرى". و"الشرق الأوسط الجديد". حيث بات واضحا أن المستهدف هو، على التحديد، تمدد النفوذ الصهيوني ليشمل المساحة الممتدة من غرب الفرات الى شرق النيل. أو على الأقل إعادة هندسة الوجود الديموجرافي والجغرافي فيها، على النحو الذي يتناسب مع مصالح وأمن دولة الكيان.
ولعل هذا، تحديدا، هو ما جعل العدو يبادر بالهجوم المشترك مع أمريكا على ايران. وأصبحت هذه المعركة بمثابة البرزخ الذي سيفضي، في حال نجاح مهمة القضاء على النظام الإيراني وتدمير مقدراته العسكرية والنووية، الى التفرغ لتحقيق هذا الحلم الأسطوري (الأمني) القديم. بيد أن الصمود الإيراني والأداء البطولي لقواتها، حول الحرب من نمط "الضربة الخاطفة"، كما كان مخططا لها الى نمط "حرب الاستنزاف الطويلة". وهو ما بات يشكل خطرا داهما على الوجود الأمريكي في الخليج، وعلى دولة الكيان التي تعد أصغر، من الناحية الجيوبوليتيكية المختنقة التي تمت الإشارة اليها.
وهنا ظهرت جليا ملامح هذا المأزق الوجودي الذي ينذر بخطر الانتهاء والزوال. ويمكن تحديد مكونات وعناصر هذا الخطر في النقاط التالية، وفي ضوء ما أسفرت عنه المواجهات حتى قرب نهاية الأسبوع الرابع من الحرب:
- أن ضيق مساحة دولة الكيان وتواجد الأهداف الحيوية على نحو متقارب وكثيف في مساحات صغيرة نسبيا، جعل من الصعب تمويهها أو نثرها في مناطق بعيدة. مما جعل عمليات الاستهداف والتدمير مؤثرة بقوة.
- أن هذا الصغر الشديد في حجم الدولة، من الناحيتين الجغرافية والسكانية، جعل هذه الأهداف قليلة العدد ، وأن تدميرها كليا، أو حتى جزئيا، يجعل الخسارة كبيرة ومن الصعب تعويضها بالتحميل على مرافق مماثلة. والمثال الأقرب لتوضيح ذلك، أن العدو يمتلك 4 محطات لانتاج الطاقة الكهربائية، فقط. بينما تمتلك ايران ما يقارب 135 محطة. فاذا خسر الكيان واحدة فسيكون قد خسر ربع قدراته الكهربائية، أما اذا خسرت ايران 10 محطات، بالمقابل، فلن تكون قد خسرت سوى 13 % من قدراتها. وبالتالي فان قدرة ايران على احتمال الخسائر ومواصلة القتال أكبر بعشرات المرات من قدرة العدو.
- أن الدولة الايرانية هي التي تقوم بانتاج صواريخها الهجومية وتمتلك الكفاءات والعقول والمواد الخام وكل المدخلات الصناعية. وهو ما يجعلها قادرة على مواصلة الحرب لمدة طويلة وبكلفة مادية محدودة. أما بالنسبة للعدو فانه يقابل الصواريخ الإيرانية الرخيصة بأعداد مضاعفة من صواريخ الدفاع الجوي ذات الكلفة المادية الباهظة وصعبة التعويض بما يؤثر بالسلب على استمرار قدراته الدفاعية. ولعل هذا السبب بالتحديد، هو ما جعل الصواريخ الإيرانية تتجول بحرية أكبر، وبدون دفاعات مضادة ناجعة، في المرحلة الراهنة من الحرب، على خلاف مع ما كان عليه الأمر في بداياتها.
- ان استمرار الحرب، مع الخسائر المهولة الناتجة عنها، يخلق حالة من "انعدام الأمن". وتلك الحالة، تحديدا، يكمن فيها مقتل دولة الكيان. فبسببها تهرب رؤس الأموال والشركات والكفاءات والسكان. وهو ما يجعل دولة الكيان غير قابلة للحياة.
- لقد أسفرت هذه الحرب عن حقيقة مفجعة لدولة العدو، ألا وهي انتهاء احتكار التفوق التكنولوجي والنوعي لسلاحها. فايران تمتلك الآن كل ما يجعل هذا التفوق غير مجد، من الناحية العسكرية. وقد شرحت هذا الأمر في مقالات سابقة. فأسقطت الطائرات، ودمرت الرادارات، وأصبحت سماء العدو مكشوفة، وأهدافه الحيوية مستباحة أمام الصواريخ الإيرانية. فأضحت "مراكز القيادة"، والملاجئ والمعاهد البحثية، ومصانع ومخازن السلاح والذخيرة، ومقار الحكومة، والكنيست.. الخ. كل ذلك تحول الى أماكن عارية أمام الاستهدافات الإيرانية.
- أفضى كل ذلك الى درجة هائلة من الاستنزاف الاقتصادي، وهذا الاستنزاف مرشح للتفاقم كلما طال أمد الحرب. وهي ستطول، لأن ايران لن تقبل أن تتوقف دون الجام الأمريكيين والصهاينة عن مهاجمتها مرة أخرى.
- أن ايران تمتلك أوراق قوة كبيرة، بعضها تستخدمه الآن وتطور في نوعيته، والبعض الآخر لم تستخدمه بعد. فهي أضحت تمتلك القدرة على التحكم في مضيق هرمز، وبالتالي التحكم في حركة أسواق النفط والمال العالمية. كما أنها قادرة على شن هجمات من جبهات متعددة، مثل جنوب لبنان والعراق واليمن. وهو ما يشتت الدفاعات الأمريكية والصهيونية ويجعلها غير ناجعة.
أما الأوراق التي لم تستخدمها، بعد، فانها تتمثل في قدرتها على اغلاق باب المندب واستكمال استفحال الأزمة الاقتصادية العالمية، فضلا عن تفعيل جبهة اليمن. وهي جبهة ثبتت نجاعتها، في الماضي.
ويضاف الى كل تلك الكوارث التي أصابت دولة الكيان، انها قد فقدت معظم التعاطف الدولي الذي كانت تتمتع به في السابق، بداية من ظهور جرائمها في حرب غزة. وزاد هذا الفقدان للتعاطف، بعد ما بادرت هي وأمريكا بالعدوان على ايران. وهو ما جعل ايران تبرز بوصفها الأحق بالتعاطف، في نظر الرأي العام العالمي والإقليمي. بينما زادت عزلة دولة الكيان ومعها أمريكا، بحيث يمكن ملاحظة حالات الهجوم المعنوي والمادي على الإسرائيليين في عواصم أوربية عديدة .
لقد أدخلت كل تلك العوامل دولة الكيان في منطقة الموت بالاختناق، والعجز المتفاقم عن مواصلة القتال. ولتعويض هذه الأوضاع الكارثية، وفي محاولة للملمة كرامته العسكرية المبعثرة وإعادة الاعتبار لنظريته الأمنية المهترئة، فانني أتوقع أن يسعى العدو الى تحقيق اختراق من نوع ما. وبخاصة، في الجبهة الأضعف، ألا وهي الجبهة اللبنانية. بحيث يتمكن من سحق قوات حزب الله والوصول الى شمال الليطاني، ان لم يكن أبعد، اذا استطاع. ولعل ذلك التوقع يدعمه الإعلان عن حشد ما يقارب 450 ألف جندي من القوات الاحتياطية. وهذا العدد يمثل أقصى ما يمكن حشده لدى العدو. وبالتأكيد فان الهدف، مع هذا الحشد العسكري الكبير، لا يمكن أن يكون مقصورا على مهاجمة بعض القرى الحدودية.
فهل سيستطيع حزب الله احباط هذا الهدف ويواصل مقاومته الباسلة في صد العدوان؟؟ لو نجح الحزب في ذلك فستكون دولة الكيان قد استنفدت كل مقومات وجودها، وستكون نهايتها قد أزفت.
------------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






