قد يرى البعض أنه من المبكر الحديث عن أوضاع ما بعد نهاية الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران. ولكن من المحتم أن تنتهي الحرب، كما تنتهي الحروب، اما بالهزيمة الساحقة لأحد الطرفين وإما بانسحاب وتخلي أحد الأطراف عن المواجهة. والجهة الوحيدة المرشحة لللانسحاب من المواجهة هي الولايات المتحدة وإسرائيل. لأن إيران ليس لديها هذا الترف فالانسحاب والإقرار بالهزيمة سيعني نهاية إيران على المستوى الفيزيقي والبنيوي. ولذلك فستقاتل ايران حتى آخر رجل وحتى أخر قطرة دماء. ثم أن هناك قوى عظمى ستتضرر مصالحها بقوة إذا انهارت إيران. ولذلك فلن يتخلوا عنها مهما كانت الأثمان والتضحيات. وأقصد بهذه القوى الصين وروسيا وباكستان وغيرها كثير.
إذن لن تنتهي هذه الحرب بحسب المعطيات المتاحة، إلا بهزيمة أمريكا والصهاينة وقد فصلت وشرحت هذه المعطيات والأسباب في مقالات سابقة.
ولو حدث ذلك على النحو الذي أتوقعه فسيكون من الصحيح تسمية هذه الحرب باسم "حرب النهايات". لأن على إثرها ستكتب النهاية لكثير من الأوضاع العالمية والإقليمية المعروفة،
فستحدث تحولات تاريخية كبرى في المنطقة والعالم. وستتحقق الاستفادة الاستراتيجية الكبرى لكثير من القوى، وأولها روسيا والصين، كما قلت. حيث سيقتسمون النفوذ العالمي الذي كان حكرا على أمريكا والغرب. ولذلك فانهما ستستميتان، كما قلت، في دعم صمود إيران. وهذا هو الرهان الذي يأتي بعد الرهان الأكبر على صلابة وقوة الجسد الايراني.
فإذا تم وقف اطلاق النار (وأظنه لن يتأخر كثيرا، نظرا للتضرر البالغ الذي يصيب المعتدين وأولهم إسرائيل وأمريكا. فلربما تستغرق الحرب عدة أيام أو أسابيع، في أسوأ الأحوال). وإذا توقفت الحرب ولم تسقط إيران وبقي برنامجها النووي وقوتها وجاهزيتها الصاروخية فستبدأ الانهيارات المتوالية في النظام العالمي القديم الموروث عن الحرب العالمية الثانية كما نعرفه، حيث سيحدث ما أتوقعه على النحو التالي:
- نهاية الوجود الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط. بعد تدمير كامل القواعد الأمريكية في المنطقة، وبخاصة الخليج. وبعد فقدان أمريكا لثقة ممالك الخليج وتراجع موثوقيتها أمام العالم. وربما تتغير هذه الممالك بحد ذاتها لأسباب داخلية أو بتأثير خارجي.
- وسيترتب على نهاية الوجود الأمريكي في الخليج انتهاء حقبة البترودولار. وربما يصبح اليوان هو عملة المعاملات الدولية وبخاصة فيما يتعلق بالسوق النفطي.
- وهو ما سيؤدي إلى تراجع القدرات الاقتصادية الأمريكية الى مستويات متدنية للغاية. وستبدأ رحلة سقوط أمريكا بوصفها قوة عظمى. ومع تراجع القدرات الاقتصادية الأمريكية ستتراجع قدراتها العسكرية ولن يصبح أمامها أية امكانية لمواصلة الانتشار على هذا النحو الشاسع في خريطة العالم.
- بتراجع القدرات الاقتصادية الأمريكية فلربما تتفجر التناقضات داخل الجسد الأمريكي ذاته، بما قد يؤثر على تماسك دولة الاتحاد ويهدد بقاءها.
- ومع تراجع وانهيار القوة الأمريكية، سيتفكك حلف الناتو، وقد أخذت بوادر تفككه تترى أمام عيوننا الآن. وهو ما سيؤدي الى تراجع الغرب، برمته، بوصفه كتلة اقتصادية وصناعية وعسكرية ومركزا حضاريا وثقافيا عالميا.
- بنهاية أمريكا والغرب ستنحسر موجة العولمة الرأسمالية ذات النزوع الإمبريالي، وسينفتح أفق حضاري وأخلاقي وانساني جديد أمام شعوب العالم كافة.
وهزيمة أمريكا واسرائيل ستكون بلا أدنى شك في صالح كل بلدان الشرق الأوسط وعلى رأسهم الفلسطينيون، حيث من المتوقع حدوث ما يلي:
- نهاية مشروع الشرق الأوسط الجديد على النحو الذي أرادته أمريكا وإسرائيل ودول الغرب الاستعماري. وكذلك نهاية مشروع الديانة الابراهيمية ونهج التطبيع والانبطاح أمام المخططات الاسرائيلية. لأن إسرائيل نفسها لن تبقى كما هي عليه الآن ولا أريد المجازفة بالقول بأنه سيتم القضاء عليها تماما. ولكنها في كل الأحوال لن تبقى بعنفوانها الحالي. وربما نشهد على أثر كل ذلك قيام الدولة الفلسطينية المنتظرة.
- لن تبقى خريطة الخليج القائمة الآن على حالها، باستثناء السعودية وعمان. فلربما تحدث اندماجات أو انهيارات داخل البيوت الحاكمة، وأولهم بيت آل زايد.
- ستحدث تغيرات دراماتيكية كبرى في لبنان، وربما لن يبقى على وضعه الحالي، من حيث طبيعة السلطة وتركيبتها.
- سيقوم نظام أمن اقليمي جديد مرتكزا على قوائم أربع وهي: إيران ومصر والسعودية وتركيا، لملء الفراغ الأمني الذي سيحدثه انسحاب الولايات المتحدة.
---------------------------
بقلم: د. صلاح السروي







