بعد مرور أسبوعين على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، بات جليًا أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، تتجاوز حدود الضربات المحدودة إلى نمط من الحرب متعددة المستويات والجبهات. فقد تحولت الضربات الأولى التي استهدفت العمق الإيراني واغتالت قيادات بارزة، إلى نقطة انطلاق لسلسلة من العمليات المتبادلة، شملت استهداف قواعد عسكرية ومصالح استراتيجية، في ظل تصعيد مستمر يعكس غياب أفق التسوية في المدى القريب. وفي هذا السياق المتوتر، تبدو روسيا لاعبا حاضرا سياسيا، وغائبا عسكريا، الأمر الذي يعكس طبيعة الحسابات المعقدة التي تحكم سلوكها في هذه الأزمة، خاصة مع استمرار الحرب وتبين ملامحها تدريجيا.
فمع دخول الحرب أسبوعها الثالث، تقلصت بشكل كبير فرص احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية، حيث تتوسع دائرة الاشتباك ويرتفع سقف الأهداف لدى كلا الطرفين؛ الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بما يضع القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها روسيا أمام معادلة صعبة تتمثل في كيف يمكن التعامل مع صراع يتصاعد بوتيرة سريعة، دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة أو فقدان النفوذ في المنطقة، لاسيما وأن موسكو قد حافظت منذ اندلاع الحرب على موقف ثابت نسبيًا تمثل في الإدانة السياسية للهجمات والتأكيد على دعمها لإيران والدعوة إلى وقف إطلاق النار. لكن هذا الدعم ظل في إطاره الدبلوماسي، دون ترجمة إلى تدخل عسكري مباشر، حتى مع استمرار الضربات واتساع نطاقها، وهو ما يعود لجملة القيود الاستراتيجية، في مقدمتها استمرار الحرب في أوكرانيا، التي تستنزف القدرات الروسية، وتفرض على موسكو ترتيب أولوياتها بعناية. كما أن أي انخراط عسكري مباشر في الشرق الأوسط قد يفتح جبهة جديدة مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو تحرص موسكو على تجنبه في المرحلة الحالية.
بشكلٍ عام، لا يمكن إنكار أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد منح روسيا بعض المكاسب غير المباشرة، أبرزها تراجع التركيز الغربي على أوكرانيا، وهو ما يوفر لموسكو هامش حركة أكبر في تلك الساحة، كما ساهمت الحرب في رفع أسعار النفط، ما يدعم الاقتصاد الروسي في مواجهة العقوبات. لكن في المقابل، فإن إضعاف إيران، في حال استمر النزيف العسكري والسياسي يمثل خسارة استراتيجية لروسيا باعتبارها أحد أهم شركائها في المنطقة وعنصرًا فاعلًا في موازنة النفوذ الغربي. وهنا تبرز المفارقة؛ روسيا تستفيد من استمرار الحرب على المدى القصير، لكنها قد تخسر على المدى المتوسط إذا تراجعت مكانة إيران الإقليمية.
كما أنه مع استمرار الحرب بدأت حدود الشراكة بين موسكو وطهران تتكشف بشكل أوضح؛ فرغم التنسيق القائم والتعاون العسكري السابق، فإن غياب الالتزامات الدفاعية المشتركة يجعل هذه العلاقة أقرب إلى شراكة مرنة وليست تحالفًا صلبًا. وقد انعكس ذلك في طبيعة الدعم الروسي الذي لم يتجاوز حتى الآن حدود الدعم السياسي، وبعض أشكال التعاون غير المباشر. وهو ما يثير تساؤلات داخل إيران حول مدى استعداد موسكو للوقوف إلى جانبها في أوقات الأزمات الكبرى. وإن كانت طهران تدرك في الوقت نفسه أن خياراتها محدودة وأن روسيا تظل شريكًا مهمًا، حتى وإن كان دعمها أقل من التوقعات.
إن نظرة أوسع على السياسة الروسية في الشرق الأوسط تكشف حرصها على امتلاك علاقات متوازنة مع الأطراف المتنافسة بالمنطقة، وهو ما يشكل أحد مصادر قوتها لكن ذلك يعني أيضًا أحد القيود عليها؛ فروسيا ترتبط بعلاقات متنامية مع دول الخليج، كما تحتفظ بقنوات اتصال فعالة مع إسرائيل. وفي ظل الحرب الجارية يصبح أي انحياز كامل إلى إيران بمثابة مخاطرة قد تؤثر سلبا على هذه العلاقات، وهو ما لا يبدو أن موسكو مستعدة لتحمله، خاصة في ظل سعيها لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
ومع دخول الحرب مرحلة الاستنزاف، لا يتوقع أن تتخلى روسيا عن نهجها الحالي والذي يقوم على الدعم السياسي لإيران مع عدم الانخراط المباشر في الحرب، بل إن موسكو قد تسعى في مرحلة لاحقة إلى لعب دور الوسيط، إذا ما توفرت ظروف مناسبة لتهدئة الصراع. وفي المقابل، ستواصل إيران السعي للحصول على دعم عسكري وتقني أكبر، وهو ما قد يضع موسكو أمام اختبار صعب بين تلبية احتياجات حليفها، والحفاظ على توازناتها الإقليمية.
الغاية إذًا أن الحرب الجارية تكشف عن جوهر الاستراتيجية الروسية، القائمة على البراجماتية الحذرة، وتجنب الانخراط المباشر في صراعات عالية الكلفة؛ فموسكو تسعى إلى الحفاظ على نفوذها ودعم حلفائها، لكنها في الوقت ذاته تدرك حدود قدرتها، وتتعامل مع الأزمة باعتبارها ساحة لإدارة التوازنات لا لحسمها. وبينما تتواصل العمليات العسكرية المتبادلة ويتسع نطاق الحرب وتتعدد مستوياتها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستظل روسيا قادرة على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، أم أن تطورات الميدان قد تفرض عليها خيارات أكثر حدة في المرحلة المقبلة؟
------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد






