21 - 03 - 2026

مدن النار والأفكار: حين رسمت بيروت والقاهرة والإسكندرية خرائط العالم البديل

مدن النار والأفكار: حين رسمت بيروت والقاهرة والإسكندرية خرائط العالم البديل

في زمنٍ كانت فيه الخرائط تُرسم بالمدافع، كانت هناك خرائط أخرى تُرسم بالكلمات.. خرائط خفية لا تُرى، لكنها تعيد تشكيل العالم من جذوره. من هذا الأفق، يأتي كتاب "شرق المتوسط وتكوين التيار الراديكالي العالمي" ترجمة دعاء نبيل إمبابي، أحد أهم الإصدارات  التي قدّمها المركز القومي للترجمة، ليعيد فتح ملفٍ ظل طويلًا في الهامش، رغم أنه كان في قلب التحولات الكبرى.

في هذا العمل، تأخذنا الباحثة إلهام خوري مقدسي إلى فضاءٍ نابضٍ بالحركة، حيث لم تكن بيروت والقاهرة والإسكندرية مجرد مدن متجاورة على خريطة، بل كانت عقدًا حيوية في شبكةٍ فكرية عابرة للحدود، تتشكل فيها وتنتقل عبرها الأفكار الراديكالية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

يتناول الكتاب تشكّل هذه الأفكار ونشرها داخل تلك المدن وبينها، مركزًا على الاشتراكية والفوضوية، وعلى الترجمات المتعددة التي حملت هاتين الأيديولوجيتين إلى سياقات جديدة، حيث لم تكن الترجمة مجرد نقلٍ لغوي، بل كانت إعادة خلقٍ للفكرة ذاتها، بما يتلاءم مع واقعٍ اجتماعي وسياسي مختلف.

لكن قصة الراديكالية هنا لا تُروى بوصفها حكاية محلية أو منفصلة؛ بل كجزء من سردية أوسع بكثير. إذ يكشف الكتاب عن اتصالٍ عميق بين الصور المختلفة للأفكار والأنشطة في هذه المدن، وبين شبكات اجتماعية وثقافية ممتدة، أسهمت في بناء ما يمكن وصفه بـ"جغرافيا تنافسية" أو مسار راديكالي خاص، يربط بين بيروت والقاهرة والإسكندرية. هذا الترابط لم يكن مجرد تزامن، بل كان محركًا أساسيًا لتشابهٍ لافت في الصيغ المختلفة للأفكار، وفي طبيعة المشروعات والأنشطة الاحتجاجية اليسارية التي نشأت في تلك البيئات.

ومن خلال هذه القراءة، تتجاوز الدراسة الأطر التقليدية التي حكمت أجيالًا من الكتابات حول القومية في المنطقة. فبدلًا من تقديم القومية بوصفها الأيديولوجية المهيمنة والمكتملة خلال تلك المرحلة، يفتح الكتاب نافذة على تعددية فكرية أكثر تعقيدًا، حيث تتجاور وتتصارع وتتشابك أفكار وممارسات متعددة، انتشرت في شرق المتوسط، ووجدت في المدن الثلاث مسرحًا حيًا لتجلياتها.

ربما لم تكن الأفكار يومًا بلا وطن، لكنها أيضًا لم تعرف حدودًا. فكل فكرةٍ تُترجم، تُولد من جديد.. وكل مدينةٍ تستقبلها، تترك فيها أثرًا لا يُمحى. وبين ما قيل وما تُرجم وما انتقل خفيةً بين الموانئ، يتشكل تاريخٌ آخر.. تاريخٌ لا يُكتب بالحبر وحده، بل بحركة العقول وهي تعبر العالم، باحثةً عن معنى.. أو ربما، عن ثورة.