14 - 03 - 2026

سلاح "شريان النفط": كيف حوّلت إيران مضيق هرمز إلى أداة ردع أمام التفوق العسكري الغربي؟

سلاح

كشفت ثلاثة مصادر إقليمية مطلعة على التخطيط الإيراني أن الجمهورية الإسلامية، وقبل وقت طويل من تعرضها للهجوم من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت قد ابتكرت سلاحها الخاص يتمثل في احتجاز شريان الحياة الرئيسي للنفط العالمي كرهينة لتعويض التفوق العسكري لخصومها. 

فمنذ عقود، تلوّح إيران بأنه في حال دُفعت نحو المواجهة، فإنها ستعمل على تقييد حركة الناقلات في مضيق هرمز؛ تلك النقطة الحاكمة التي يعد فيها خصومها الأكثر عرضة للخطر، نظراً لأن أي اضطراب هناك يتردد صداه فوراً في أسواق الطاقة العالمية. 

وأوضحت المصادر أنه مع وقوع شريان التصدير الرئيسي في الخليج تحت التهديد المباشر، حوّلت طهران أكبر أصل اقتصادي للمنطقة إلى أقوى أداة ردع لديها. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة، فإن نحو خمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال يمر عادة عبر هذا المضيق الحيوي، الذي تسيطر إيران على ساحله الشمالي وتغلقه فعلياً الآن؛ حيث انخفضت حركة المرور عبره بنسبة 97% منذ اندلاع الحرب ضد إيران في 28 فبراير. 

وعلى الرغم من استخدام إيران تكتيكات مماثلة في "حرب الناقلات" خلال النزاع الإيراني العراقي (1980-1988)، إلا أنها تمتلك اليوم أدوات أكثر فتكاً، تشمل ترسانات ضخمة من الصواريخ الرخيصة والطائرات المسيرة القادرة على تهديد الملاحة عبر مساحات شاسعة. 

وقد أظهرت هجماتها هذا الشهر مدى السرعة التي يمكن بها لطهران تعطيل الحركة في المضيق دون الحاجة إلى تلغيمه بكثافة. 

"ترامب سيرمش أولاً" إذا احتُجز الاقتصاد العالمي 

وفي هذا الصدد، قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: "إيران تتفوق عليها القوة العسكرية للخصوم، ولا سبيل أمامها لهزيمتهم في مواجهة مباشرة"، وأضاف أنه تحسباً لمزيد من الضربات الأمريكية الإسرائيلية بعد حرب الـ 12 يوماً في يونيو الماضي، درست طهران كيفية توسيع نطاق أي صراع "زماناً ومكاناً". وتابع واعظ: "إذا احتجزت إيران الاقتصاد العالمي رهينة، فإن ترامب سيرمش أولاً". 

وأفادت المصادر الإقليمية، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، بأن الحرس الثوري الإيراني قد استعد منذ فترة طويلة لمواجهة مع إسرائيل وواشنطن، وأشارت إلى أن خطة الحرس، التي تهدف لحماية نظام الحكم المستمر منذ 47 عاماً، قد فُعّلت في 28 فبراير، عقب مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في اليوم الأول من النزاع. 

تحويل المواجهة المسلحة إلى صدمة اقتصادية 

ويعتمد جوهر الاستراتيجية الإيرانية على الاعتراف بحدود قدراتها العسكرية التقليدية مقابل القوى المتفوقة؛ لذا يسعى المخططون في طهران بدلاً من ذلك إلى الضغط على تدفقات النفط مع شن هجمات غير متماثلة على الأصول الأمريكية المنتشرة في المنطقة. 

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى خلق ضغوط اقتصادية — داخلياً وخارجياً — على الرئيس دونالد ترامب لإجباره على وقف الحرب. 

وقال مايكل آيزنشتات من معهد واشنطن: "هذه حرب غير متماثلة بامتياز، تحقق فيها إيران تأثيرات هائلة، بل وعالمية، من خلال عدد قليل من الهجمات التي تفرض تكاليف باهظة". 

استراتيجية "الألم الاقتصادي" وحرب الاستنزاف"

إن الهدف يكمن في إحداث ألم اقتصادي، مما يقوض الدعم الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، ويزيد من حدة الضغوط على واشنطن لإنهائها"، وبدلاً من تركيز قواتها في ميدان معركة واحد، تعمل طهران على تشتيت حملتها العسكرية من خلال موجات من الضربات منخفضة التكلفة بالصواريخ والطائرات المسيرة عبر منطقة الخليج؛ وهي ذات الهجمات التي كانت توكلها سابقاً للقوى الحليفة لها في العراق واليمن وسوريا ولبنان. 

وأوضحت المصادر أن هذا النهج يعكس عقيدة صاغها الحرس الثوري على مدار عقود، تقوم على فرضية مؤداها أن الخصم الأقوى سيحاول "قطع رأس" القيادة الإيرانية وتدمير هيكل القيادة والسيطرة في مستهل أي حرب. 

وأضافت المصادر أن الحرس الثوري يطبق اليوم دروساً استخلصها من سنوات "حرب الظل" مع الولايات المتحدة، ولكن هذه المرة، وبدلاً من الاعتماد الكلي على الوكلاء الإقليميين الذين شكلوا خط دفاعه الأمامي، تتولى طهران تنفيذ هذه القواعد القتالية بنفسها. 

"اعتبار الاماني حقائق" في النهج الأمريكي 

من جانبه، يرى علي واعظ أن الولايات المتحدة دخلت هذه الحرب غير مستعدة، مدفوعة بـ "الكثير من التمني والافتقار إلى استراتيجيات مدروسة بعناية". وأوضح أن واشنطن أخفقت في توقع الهجمات بالمسيرات على دول الخليج، أو اضطراب ممرات الملاحة، أو حتى الحاجة لإجلاء مواطنيها؛ وهي نواقص تعكس، حسب قوله، فشلاً في استيعاب مخاطر الطائرات المسيرة في الحروب الحديثة. 

وعلى النقيض من ذلك، لا تزال عقيدة إيران "الفسيفسائية" اللامركزية، التي توزع مهام القيادة والسيطرة للصمود في وجه محاولات الاغتيال واستهداف القيادات، قائمة وتعمل تحت مركز تنسيق واحد، فبرغم مقتل خامنئي، أكد مصدران أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف (القائد السابق في الحرس الثوري) وعلي لاريجاني (رئيس مجلس الأمن القومي) يواصلان توجيه المجهود الحربي من طهران. 

حدود القوة الأمريكية ورهان البقاء 

ويقول واعظ إنه في حين تستطيع الولايات المتحدة إضعاف إيران بشكل كبير، فإن الحسم العسكري الكامل يتطلب غزواً برياً يستلزم ما يصل إلى مليون جندي للعمل في تضاريس وعرة؛ وهو التزام أظهرت واشنطن أنها "لا تملك القدرة أو الرغبة في تحمله". 

أما الرئيس ترامب، الذي وعد ذات يوم بإبقاء الولايات المتحدة بعيداً عن التدخلات العسكرية "الغباء"، فإنه يخوض الآن ما يراه خبراء عديدون "حرب خيار" مفتوحة الأمد، قد تتحول إلى أكبر حملة عسكرية منذ حربي العراق وأفغانستان. 

ويختتم واعظ بالقول إن هدف إيران المباشر هو البقاء، أما هدفها الأبعد فهو إجبار واشنطن على التسليم بأن سياسات الإكراه، سواء عبر القوة العسكرية أو الضغط الاقتصادي أو العزل الدبلوماسي، لا تجدي نفعاً. وبينما يظل تعلم مثل هذا الدرس أمراً غير مؤكد، فإن طهران، عبر تحويل أهم ممر للطاقة في العالم إلى سلاح وتوسيع رقعة المعركة بعيداً عن حدودها، تراهن على قدرتها على الصمود لفترة أطول من عدو يفوقها قوة بكثير.
-------------------------------
رويترز