هل يمكن أن يأتي يومٌ تُغمر فيه الإسكندرية بالمياه، وتغدو أثرًا من آثار الزمن؟ هذه المدينة التي حملت اسم الإسكندر الأكبر (356–323 ق.م)، وكانت مسرحًا لتاريخ كليوباترا السابعة (69–30 ق.م)، وخلّدها قسطنطين كفافيس (1863–1933) حتى استحق لقب "شاعر الإسكندرية". جعلها لورانس داريل بطلة رباعيته، ورآها فورستر ملتقى حضارات، وحوّلها إدوارد الخراط إلى فضاء للذاكرة والرمز. وهكذا بدت عندهم جميعًا أكثر من مجرد مكان: روحًا لا تفنى، ومستقبلًا لا يجوز التفريط فيه.
في منتصف القرن التاسع عشر، لم يتجاوز عدد سكان الإسكندرية مائتي ألف نسمة، كان نصفهم تقريبًا من الجاليات الأجنبية، فصارت بتعددها الثقافي وانفتاحها العالمي نموذجًا مبكرًا للمدينة الكوزموبوليتانية. في ذلك الوقت، كان الشاعر اليوناني كفافيس منهمكًا في عمله، زاهدًا في نشر أعماله، مكتفيًا بما يقدمه للصحف، ولم يهتم بنشر دواوين إلا في أواخر حياته، حين جمع بعض قصائده ونشرها في ديوان، خلد فيه الإسكندرية وجعلها رمزًا يسكنه كما يسكنها. ولعل أشهر نصوصه "قصيدة المدينة" التي يقول فيها: "إنك لا تستطيع الهرب منها، لأنها تسكن داخلك".
لم تكن الإسكندرية مجرد خلفية للأدب، بل كانت مسرحًا حيًا للحكايات كلها. في قلبها، وقبالة بحرها الهادر صيفًا وشتاءً، يقف فندق ويندسور متكئًا على تاريخ يتجاوز المائة وعشرين عامًا، وعلى مقربة منه فندق سيسل شاهدًا على زمن كانت فيه المدينة ملتقى الأدباء والمسافرين والسياسيين ومسرحًا لروايات الكتّاب. في أروقته ومقاهيه دارت حكايات لا تقل ثراءً عن الروايات التي كُتبت عنه، حضر في عالم نجيب محفوظ وفتحي غانم بوصفه واحدًا من تلك الأمكنة التي تختزن روح المدينة وتناقضاتها.
غير بعيد عن البحر يقف تمثال سعد زغلول، كحارس لذاكرة وطنية امتزج فيها التاريخ بالرمز. هناك تحديدًا وضع محفوظ خاتمة روايته السمان والخريف وبطله عيسى الدباغ جالسًا قرب التمثال، يتأمل البحر والمدينة وقد تغيرت ملامحهما. كان المشهد أكثر من نهاية لرواية؛ كان لحظة تأمل في مصير الإنسان حين تتبدل الأزمنة، وحين يجد نفسه غريبًا في المدينة التي عرفها يومًا.
وخلف التمثال، يُثبت مقهى ديليس Delieces قدرته على مواجهة الزمن بمتغيراته لأكثر من مائة عام محافظًا على روح البحر المتوسط، تتجاور فيه رائحة القهوة مع نسيم البحر، وتختلط أحاديث الزوار بلغات ولهجات مختلفة. هناك يمكن أن يشعر المرء أن الإسكندرية ما تزال تحتفظ بشيء من زمنها الكوزموبوليتاني، حين كانت المقاهي صالونات ثقافية غير معلنة، وحين كانت المدينة قادرة على أن تجمع في مساء واحد شاعرًا ويونانيًا وبحارًا ومفكرًا على طاولة واحدة.
لكن البحر الذي منح الإسكندرية جمالها وانفتاحها، ظل في الوقت نفسه قدرها وامتحانها. كشف تقرير نشره البنك الدولي في أغسطس الماضي تحت عنوان "تبنّي التغيير وتشكيله: التنمية البشرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مرحلة التطور"، عن ارتفاع مستوى المخاطر في المناطق الساحلية جراء ارتفاع منسوب البحر، بما يهدد مدنًا وأحياءً. فالإسكندرية الممتدة على شريط ساحلي منخفض، تبدو من أكثر مدن المتوسط حساسية لارتفاع مستوى البحر وتغير المناخ.
واقع يفرض على الإسكندرية أن تكون اليوم نموذجًا للتخطيط المستدام ومختبرًا لتجارب التكيف مع المناخ. ليس فقط عبر مشروعات حماية الشواطئ، بل أيضًا من خلال تخطيط عمراني رشيد، وتعاون علمي دولي، وتبادل للبيانات ونظم إنذار مبكر قادرة على تقليل المخاطر.
فالإسكندرية ليست حجارة مبانيها وحدها، بل تلك الروح التي تسكن نصوص كفافيس، وداريل، وحكايات محفوظ، وفتحي غانم، ولوحات خالد هنو، وتماثيل محمود فتحي، وذكريات رواد المقاهي القديمة. وإذا كان البحر قد صنع شخصيتها عبر القرون، فإن إرادة أهلها قادرة على أن تصنع مستقبلها.
--------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]







