وسط مياه الخليج، لم تعد ملامح التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مجرد استعراض للقوة أو مناورات عسكرية عابرة، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى مواجهة مفتوحة تتشابك فيها الجبهات العسكرية والسياسية، وتلقي بظلالها على استقرار الشرق الأوسط بأكمله، أخذ التصعيد شكلاً أكثر حدة بعد الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع داخل إيران، في عملية عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع المباشر في المنطقة، ومنذ ذلك الحين تتواصل الضربات المتبادلة، بينما تتحرك الأساطيل والقواعد العسكرية في سباق واضح لإظهار القدرة والردع.
إيران من جانبها أعلنت الانتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة تقوم على الضربات المتتالية، أطلقت موجات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع في إسرائيل، بينما امتدت بعض الضربات إلى قواعد عسكرية ومواقع مرتبطة بالقوات الأميركية في المنطقة، كما شهدت الجبهة الشمالية لإسرائيل هجمات صاروخية ومسيرات بالتوازي مع عمليات عسكرية متصاعدة، ما يشير إلى أن المواجهة لم تعد محدودة بنطاق جغرافي واحد، وفي قلب هذا التصعيد، وجدت دول الخليج نفسها في موقع شديد الحساسية، فمع وجود قواعد عسكرية أميركية داخل بعض هذه الدول، أصبحت تلك القواعد جزءاً من مسرح العمليات العسكرية، الأمر الذي فتح الباب أمام ردود إيرانية تطال أراضي هذه الدول نفسها، فقد شهدت بالفعل بعض المناطق الخليجية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة في سياق الرد الإيراني على العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية.
هذا الوضع خلق معادلة معقدة للغاية؛ إذ وجدت دول الخليج نفسها منخرطة في مواجهة إقليمية واسعة، ليس بالضرورة لأنها اختارت الدخول في الصراع، بل بسبب استخدام أراضيها كمنطلق لعمليات عسكرية، وبذلك تتحول المنطقة تدريجياً إلى ساحة اشتباك مفتوحة، رغم أن كثيراً من دولها تفضل البقاء بعيداً عن معركة يُفترض ألا يكون لها فيها ناقة ولا جمل، ما أثار القلق الدولي هو اقتراب المواجهة من أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي؛ مضيق هرمز، فالهجمات على السفن أو التهديد بإغلاق المضيق يؤديان إلى اضطراب كبير في إمدادات الطاقة العالمية، ما يدفع الأسواق الدولية إلى حالة من التوتر الحاد، ويجعل الصراع الإقليمي قضية عالمية بامتياز.
وفي الوقت نفسه، تشير التحليلات السياسية إلى أن الاستراتيجية الأميركية تقوم على الجمع بين الردع العسكري والضغط السياسي، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً ولو بشكل محدود، فواشنطن تدرك أن الحرب الشاملة مع إيران ستكون مكلفة ومعقدة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تقليص نفوذ طهران الإقليمي وتقليم أظافرها النووية، ومنعها من تغيير موازين القوة في الشرق الأوسط، أما إيران، فتسعى إلى الرد بأسلوب يعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء الإقليميين خاصة الحوثيين في اليمن، في محاولة لخلق ضغط متزامن على عدة جبهات، بما يربك خصومها ويجعل كلفة المواجهة مرتفعة.
وسط هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال الأهم:
هل يستطيع العالم الحفاظ على توازن دقيق بين القوة والدبلوماسية، أم أن الشرق الأوسط يتجه سريعاً نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود المنطقة؟
التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى كثيراً ما تبدأ بخطأ صغير في الحسابات، وبينما تراقب شعوب المنطقة بقلق ما يجري، يظل مستقبل الشرق الأوسط مرهوناً بقدرة القوى الكبرى على إدارة هذا الصراع دون أن يتحول إلى حرب عالمية ثالثة شاملة تعيد رسم خريطة المنطقة لعقود قادمة.
--------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






