09 - 04 - 2026

العدوان الإسرائيلي الأمريكي علي إيران (1) هندسة الخراب.. الفتنة.. والخنجر السيليكوني وصناعة "العدو البديل"

العدوان الإسرائيلي الأمريكي علي إيران (1) هندسة الخراب.. الفتنة.. والخنجر السيليكوني وصناعة

يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: "السلطة ليست ملكية، بل هي استراتيجية". وفي عالمنا العربي، لم تعد السلطة الاستعمارية تكتفي باحتلال الأرض، بل انتقلت إلى "هندسة الهوية". .

وما نشهده اليوم ليس فوضى عفوية، بل هو "هندسة خراب" ممنهجة خططت له واشنطن وتل أبيب.. والهدف "تفكيك الكتلة التاريخية" للمنطقة العربية والإسلامية. بعد أن أدرك العقل الاستراتيجي في واشنطن وتل أبيب أن بقاء إسرائيل كعدو أوحد للعرب يمثل "عامل توحيد" خطير ضد محتل سيؤدي إلى زواله، فكان لا بد من "تخليق" عدو بديل ليسأل العرب عن العدو الأصلي، عدو يشترك مع المنطقة في الجغرافيا والتاريخ والدين، لكنه يختلف في "المذهب" و"القومية". هكذا تم بعث "الغول الإيراني" من جديد، لا كدولة إقليمية ذات أصول حضارية لها مصالحها، بل كخطر وجودي يتم تقديمه في الوعي الجمعي العربي على خطر الاحتلال الصهيوني.

وهكذا تم صناعة "العدو البديل" وإزاحة البوصلة.

والحكاية بدأت منذ عام 1979 عام الثوره الإسلامية، من وقتها بدأت الماكينة الإعلامية والبحثية الغربية في "شيطنة" الجار الإيراني بطريقة تهدف إلى إخافة العواصم العربية على وجه العموم والعواصم الخليجية على وجه الخصوص.. و الهدف لم يكن حماية العرب من العدو الجديد، بل خلق حالة من "الإستقطاب الحاد" تضطر فيها العواصم العربية للارتماء في الأحضان الأمريكية طلباً للحماية.. هذه الإزاحة في البوصلة لم تكن سياسية فقط، بل كانت "كي أو محاولة طمس وعي" جماعي؛ حيث تم استدعاء كل الصراعات التاريخية قديمها وحديثها.. من مرج دابق إلى القادسية، وصبها في قوالب معاصرة لتغذية الكراهية.. والهدف تحول "المحتل" الصهيوني إلى "حليف ضروري"، وتحول "الجار"المسلم  إلى "عدو وجودي"، في أكبر عملية تزييف للوعي في العصر الحديث.

وبدأت مرحلة التطبيق بتفكيك النسيج الاجتماعي عبر "التناقضات الوهمية"..

وتعتمد هندسة الخراب على مبدأ "التفتيت من الداخل" من جهة.

... واستخدام التكنولوجيا كفزاعة وآلة للتدمير وليست وسيله للتقدم.. الاستعمار القديم كان يواجه جيوشاً، أما الاستعمار التكنولوجي الجديد فيواجه "هويات" ليقتلع من الجذور، بزرع "التناقضات الوهمية" داخل كل مجتمع عربي منها:

* الفتنة المذهبية: تم النفخ في رماد الخلاف "السني - الشيعي" وتحويله من تباين فقهي تاريخي إلى وقود لحروب بالوكالة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان.

* التمزيق العرقي والقومي: إثارة النعرات بين الأكراد والعرب، وبين الأمازيغ والعرب في المغرب العربي، وبين الأفارقة والعرب في السودان... الخ...

و الهدف هو تحويل الدولة الوطنية إلى "كانتونات" عرقية متناحرة لا تملك من أمرها شيئاً.

* الاستقطاب الفكري: خلق صراع صفري بين "الإسلاميين والليبراليين" وبين "المحافظين والحداثيين"، بحيث تنشغل كل فئة بمحاولة إلغاء الأخرى، مما يجعل المجتمع في حالة "شلل وطني" دائم.

واستلهام التاريخ واستدعاؤه قد يعيننا على الفهم...

مرآة الأندلس: ملوك الطوائف في القرن الحادي والعشرين:

إن المشهد الراهن يعيدنا قسراً إلى "سقوط الأندلس". فكما كان ملوك الطوائف يستقوون بملك قشتالة "ألفونسو" ضد إخوانهم في الدين والدم، نرى اليوم استقواءً البعض بـ "البيت الأبيض" ضد الجار الإقليمي. وكما وصف ابن عمار حالهم قديماً:

> أَلقابُ مَملَكَةٍ في غَيرِ مَوضِعِها .. كَالهرِّ يَحكي اِنتِفاخاً صَولَةَ الأَسَدِ

وللحديث بقية
-----------------------------
بقلم يسري السيد

مقالات اخرى للكاتب

سقوط