20 - 03 - 2026

أصحاب المعاشات.. انتظار العدالة التي تأخرت

أصحاب المعاشات.. انتظار العدالة التي تأخرت

في كل بيت مصري تقريبًا قصة صامتة لا يسمعها أحد، قصة رجل أو امرأة أفنيا أعمارهم في العمل، استيقظوا قبل شروق الشمس لعشرات السنين، ودخلوا المصانع والحقول والمكاتب حاملين على أكتافهم مسؤولية بناء هذا الوطن. كانوا يؤمنون أن التعب لا يضيع، وأن نهاية الطريق ستكون حياة كريمة تحفظ لهم إنسانيتهم بعد سنوات العطاء.

لكن الحقيقة المؤلمة اليوم أن ملايين من أصحاب المعاشات يعيشون واقعًا قاسيًا لا يليق بتاريخهم ولا بتضحياتهم. معاشات هزيلة لا تكفي دواءً لمريض، ولا طعامًا لأسرة، ولا حياةً تليق بمن أعطوا الوطن عمرهم كله.

إن أصحاب المعاشات في مصر ليسوا مجرد أرقام في دفاتر الدولة، بل هم ذاكرة العمل والإنتاج في هذا البلد. هم الذين شيدوا المصانع، وزرعوا الأرض، وحافظوا على مؤسسات الدولة قائمة في أصعب الظروف. ومع ذلك، نجد كثيرًا منهم اليوم يقفون في طوابير الصيدليات حائرين بين ثمن الدواء وثمن الطعام، أو يجلسون في بيوتهم يحسبون معاشًا ضئيلًا يتآكل كل يوم أمام موجات الغلاء التي لا ترحم.

كم من أبٍ أفنى عمره في العمل ثم وجد نفسه عاجزًا عن شراء علاج لزوجته؟

وكم من أمٍ خدمت الدولة سنوات طويلة ثم أصبحت تخشى المرض لأنها لا تملك ثمن الدواء؟

وكم من أسرة كاملة تعيش اليوم على معاش لا يكفي الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟

إن هذه ليست مبالغة ولا كلمات إنشائية، بل واقع يعيشه الملايين في صمت مؤلم. صمت لا يعني الرضا، بل يعكس كرامة جيلٍ تربى على الصبر، لكنه في داخله يحمل وجعًا كبيرًا.

والسؤال الذي يطرحه الضمير قبل أن يطرحه أصحاب المعاشات:

أين العدالة الاجتماعية التي نص عليها الدستور؟

وأين ذهبت حقوق اقتُطعت من أجور العمال والموظفين لعشرات السنين؟

إن أموال التأمينات لم تكن يومًا منحة من أحد، ولم تكن صدقة تقدمها الدولة، بل كانت اقتطاعات حقيقية من أجور العمال والموظفين، دفعوها من قوت يومهم وثقتهم في أن الدولة ستصونها وتردها إليهم يوم تضعف القدرة ويثقل العمر.

لقد رحل عن عالمنا المناضل الكبير البدري فرغلي، الرجل الذي حمل قضية أصحاب المعاشات سنوات طويلة، ودافع عنها بشجاعة نادرة. كان صوتًا صادقًا لا يخشى قول الحق، وظل يذكّر الجميع بأن كرامة أصحاب المعاشات ليست مطلبًا فئويًا، بل قضية عدالة وإنصاف. رحل الرجل، لكن القضية لم ترحل، بل بقيت حيّة في ضمير الوطن.

بعد غيابه شعر كثير من أصحاب المعاشات أن صوتهم أصبح أضعف، وأن معاناتهم لم تعد تجد من يرفعها عاليًا في وجه الظلم واللامبالاة. ومع ذلك، ما زال الأمل قائمًا في أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت.

ومن هنا يأتي النداء الصادق إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي:

إن أصحاب المعاشات في مصر لا يطلبون المستحيل، ولا يسعون إلى امتيازات خاصة، بل يطلبون حقهم الطبيعي في حياة كريمة. يطلبون أن يُعاد النظر في قيمة المعاشات بما يتناسب مع الغلاء الحقيقي الذي يلتهم دخولهم كل يوم. ويطلبون أن تُصان أموال التأمينات التي دفعوها طوال سنوات العمل، وأن تُدار بشفافية كاملة لصالح أصحابها.

كما أن مطلب ربط الحد الأدنى للمعاش بالحد الأدنى للأجور لم يعد رفاهية، بل ضرورة اجتماعية حتى لا يعيش من خدم الوطن لعقود طويلة تحت خط الفقر في نهاية عمره.

إن أصحاب المعاشات كذلك في حاجة إلى نظام صحي حقيقي يضمن لهم العلاج والدواء بكرامة. فمن غير المقبول أن يقف رجل تجاوز السبعين أمام الصيدلية عاجزًا عن شراء دوائه، أو أن تضطر امرأة مسنة إلى الاختيار بين علاجها وطعامها.

إن قوة الدول لا تُقاس فقط بالمشروعات الكبرى والطرق والكباري، بل تُقاس قبل كل شيء بمدى وفائها لمن أفنوا أعمارهم في خدمتها. فالأمم العادلة هي التي تكرم أبناءها في شيخوختهم كما استفادت من عطائهم في شبابهم.

أصحاب المعاشات ليسوا عبئًا على الوطن، بل هم أحد أعمدته الأخلاقية والتاريخية. هم آباؤنا وأمهاتنا، وهم الذين زرعوا الأرض، وأداروا المصانع، وحافظوا على استقرار المؤسسات لعشرات السنين. وما ينعم به المجتمع اليوم من بنية ومؤسسات هو ثمرة تعبهم وكفاحهم.

إن ما يطلبه أصحاب المعاشات اليوم ليس أكثر من الإنصاف. يريدون أن يشعروا بأن الوطن الذي خدموه أربعين عامًا لم ينسهم، ولم يتركهم وحدهم في نهاية الطريق.

هذه الكلمات ليست مجرد مقال، بل صرخة ضمير من أجل ملايين المصريين الذين يستحقون حياة أكثر كرامة وعدلًا. صرخة تقول إن كرامة أصحاب المعاشات ليست قضية مالية فقط، بل قضية إنسانية وأخلاقية تمس صورة العدالة في أي دولة.

ويبقى الأمل معقودًا على أن يأتي اليوم الذي يرى فيه أصحاب المعاشات قرارًا يعيد إليهم حقوقهم، ويرفع عنهم هذا الظلم الطويل، حتى يشعر كل من خدم هذا الوطن أن عرقه لم يذهب هدرًا، وأن مصر التي أعطاها عمره لم تتركه في نهاية العمر وحيدًا.

فحين يشعر صاحب المعاش بالعدل… يشعر الوطن كله بالكرامة.
-----------------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي

مقالات اخرى للكاتب

الأم… حين تكون الحياة نفسها