11 - 03 - 2026

المازني .. حين تضحك الحكمة من الحياة

المازني .. حين تضحك الحكمة من الحياة

ليس كل من كتب كثيرًا صار أديبًا، ولا كل من أكثر الكلام أصاب المعنى؛ فالأدب الحق قليل الكلمات، عميق النظرة، طويل البقاء. ولهذا ظل اسم إبراهيم عبد القادر المازني حاضرًا في الأدب العربي؛ لأنه لم يكن يكتب ليكثر الكلام، بل ليكشف ما في الحياة من مفارقات خفية لا يراها الناس إلا إذا نظروا إليها بابتسامة.

في كل عصر يكثر الكتّاب، حتى ليخيَّل إلى القارئ أن الأقلام قد صارت من ضرورات الحياة، يحملها الناس كما يحملون ساعاتهم ومفاتيحهم، ويستعملونها حيثما سنحت فرصة الكلام. غير أن كثرة الأقلام لا تعني بالضرورة كثرة الأدب؛ فالكلمات -  كما نعلم - يسيرة على من أحب الكلام، عسيرة على من أحب الحقيقة.

وهنا يبرز المازني، لا بوصفه كاتب مقالة فحسب، بل بوصفه أديبًا عرف كيف ينظر إلى الحياة من زاوية مختلفة؛ زاوية ترى المفارقة حيث يظن الناس الجدّ، وتبتسم حيث يظن الآخرون أن العبوس هو الطريق الوحيد إلى الحكمة.

لم يكن المازني من أولئك الكتّاب الذين يتعاملون مع اللغة كما يتعامل التاجر مع البضاعة؛ يكثر منها ليكثر الربح . بل كان يكتب قليلًا ويقول كثيرًا . وكان يرى الإنسان كائنًا غريب الطباع:  يرفع الفضيلة شعارًا، ثم يتعب إذا طلبت منه الفضيلة شيئًا من الجهد. ولهذا جاءت مقالاته -  كما في  «صندوق الدنيا » و"حصاد الهشيم"-  كأنها مرآة هادئة يضعها الكاتب أمام المجتمع، فيرى القارئ فيها شيئًا من نفسه قبل أن يرى فيها الآخرين.

وكان المازني بارعًا في التقاط المفارقات الصغيرة التي تمتلئ بها حياة الناس. فهو يلمح إلى الرجل الذي يشكو ضيق الوقت،  ثم يقضي ساعاته في أمور لا يذكرها إذا سُئل عمّا فعل في يومه . ويكتب عن مجتمع يكثر فيه الكلام عن الفضيلة، حتى يخال القارئ أن الفضيلة قد أصبحت خطبة طويلة لا سلوكًا يوميًا . وهنا تظهر سخرية المازني الهادئة؛ فهي لا ترفع صوتها ولا تتكلف القسوة، بل تكتفي بابتسامة خفيفة تجعل القارئ يكتشف التناقض بنفسه.

غير أن صورة المازني لا تكتمل إذا وقفنا عند سخريته وحدها؛ فخلف تلك الابتسامة الساخرة كان يقيم تأمل عميق في معنى الحياة نفسها . ويتجلى ذلك بوضوح في كتابه « قصة حياة»، حيث يراجع أحلام شبابه الأدبية بصدق نادر . فقد كان يظن في أول الطريق أن الشعر قادر على أن يصنع عالمًا كاملًا، ثم يعود بعد سنوات لينظر إلى تلك الأحلام نظرة هادئة لا تخلو من المفارقة، فيقول معاتبًا نفسه:

«غالبَت نفسي فزعمت لها أن هذه شهوة فنية، ولكني لا أصدق.»

وفي تلك الصفحات يبدو المازني كأنه يقف على مسافة من الدنيا كلها، يتأملها كما يتأمل المرء عرضًا مسرحيًا أوشك أن تنطفئ أضواؤه. فهو يدرك أن ضجيج الحياة وأحلامها ليس إلا فصلًا عابرًا، وأن الإنسان - مهما اشتد تعلقه بها - لا يملك في النهاية إلا أن يودعها في هدوء.

ولعل أجمل ما يكشف هذه الروح عند المازني أنه ظل محتفظًا بسخريته حتى عند الحديث عن النهاية نفسها . ففي «قصة حياة» يتخيل الزائر الذي يقف على قبره، فيخاطبه بتلك المفارقة الساخرة التي تجمع بين الدعابة والتأمل:

أَيُّهَا الزَّائِرُ قَبْرِي، اتْلُ مَا خُطَّ أَمَامَكْ،

هَا هُنَا صَارَتْ عِظَامِي… لَيْتَهَا كَانَتْ عِظَامَكْ.

وقد تبدو هذه الأبيات قاسية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها ليست سوى تذكير هادئ بحقيقة يعرفها الجميع ويتغافلون عنها؛ فالموت ليس حكاية تخصّ من سبقنا إليه، بل هو الطريق نفسه الذي يسير فيه الأحياء، والفرق بين الزائر وصاحب القبر ليس إلا زمنًا قصيرًا.

ولهذا لم يكن المازني كاتب مفارقات فحسب، بل كان صاحب نظرة إنسانية عميقة إلى الحياة . فهو يرى الإنسان كما هو:  خليطًا من الحكمة والوهم، ومن الطموح والتناقض، فيبتسم له بدل أن يدينه.

وهكذا يبقى إبراهيم عبد القادر المازني حاضرًا في الأدب العربي، لا بكثرة ما كتب، بل بصدق ما قال؛ فقد ضحك قليلًا، وجعل القارئ يضحك أكثر- ولكن على نفسه.

ولعل سر هذا البقاء أن المازني لم يكن يكتب عن الحياة من بعيد، بل من قلبها؛ يرى تناقضاتها الصغيرة ويكشفها بابتسامة لا تخلو من حكمة.  فإذا طوينا صفحة حياته بقيت ابتسامته بين السطور، تذكّر القارئ بأن الحياة - على ما فيها من صخب -  أخفّ مما نظن، وأن الإنسان إذا نظر إليها من مسافة كافية استطاع أن يفهمها…  وربما استطاع أن يبتسم لها أيضًا.
---------------------------------
بقلم: د. سعيد العويم 
* كاتب وأكاديمي اماراتي

مقالات اخرى للكاتب

المازني .. حين تضحك الحكمة من الحياة