11 - 03 - 2026

عندما تتحدث "القبضة".. الكلمات تفقد قيمتها

عندما تتحدث

- من مقولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى أزمة النظام العالمي

في نشرات الأخبار الدولية اليوم، ثمّة كلمات تتآكل قيمتها بهدوء.

"السيادة"، تلك الكلمة التي كانت راية نضال شعوب المستعمرات، والمبدأ المقدس في ميثاق الأمم المتحدة، باتت اليوم، أمام "القبضات الحديدية"، هشة كورقة قابلة للتمزيق في أي لحظة.

"الحوار"، الذي كان الطريق الأول لحل النزاعات، والعلامة الفارقة التي تميز المجتمعات المتحضرة عن غابات البدائية، تحوّل في كثير من الأحيان إلى مناورة لكسب الوقت، أو مجرد لفتة "صبر" يظهرها الأقوياء قبل أن يضربوا.

"السلام"، تلك الكلمة التي ترددت في الأدعية لآلاف السنين، باتت مجرد خلفية باهتة في نشرات الأخبار، كلما تكرر ذكرها، كانت أبعدعن الواقع.

عندما تفقد هذه الكلمات، التي تحمل ثقل الحضارة الإنسانية، بريقها الواحد تلو الآخر، وعندما يعجز "المنطق" عن الإقناع، يبدأ صوت "القبضة". من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ومن القوقاز إلى القرن الأفريقي، النار تشتعل في أكثر من زاوية من هذا الكوكب، ويبدو العالم وكأنه يمر بـ"انحدار تطوري" مرعب: عودة إلى غاب بدائي يحكمه منطق "البقاء للأقوى".

هذا هو تحديداً ما حذّر منه وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، أمس في مؤتمره الصحفي، بكلمات واضحة وقوية: "صلابة القبضة لاتعني صلابة المنطق، والعالم لا يمكنه العودة إلى قانون الغاب". إنها ليست مجرد عبارة دبلوماسية عابرة، بل تصيب جوهر الجرح الأعمق في عصرنا: صرح النظام العالمي، الذي بنته الحضارة الإنسانية على مدى آلاف السنين، ها هو يُسوّى بالأرض بجرافات القوى الغاشمة.

من "طاولة المفاوضات" إلى "ساحات القتل"، أين كرامة الدبلوماسية؟

استشهد الوزير الصيني أمس بحكمة صينية قديمة: "الجيش سلاح فتاك، لا يمكن استخدامه إلا بعد تفكر عميق". لكن ما نراه على الساحة الدولية اليوم هو تنكر تام لمبدأ "التفكر" و"الروية".

بالعودة إلى الماضي القريب، سواء في عمليات السلام المضنية، أو في مفاوضات منع الانتشار النووي المعقدة، كانت الأطراف على الأقل لا تزال تجلس إلى طاولة الحوار. ولكن ما هو الواقع اليوم؟ لقد أصبح التجاهل الجماعي لقرارات المحاكم الدولية هو القاعدة، وأصبح أسلوب "التفاوض والقتال" أو "التفاوض كغطاء للقتال" هو السائد. فبينما لايزال الدبلوماسيون يتناقشون في جنيف، تتساقط القنابل على أراضي دول أخرى.

هذه الممارسات دمرت بشكل كامل مصداقية النظام الدبلوماسي الحديث. عندما يمكن تجاهل المخاوف الأمنية المشروعة لدولة ما، وعندما يمكن إلغاء حقوق شعب كامل كانت موضوع تفاوض وكأنها ورقة مساومة قابلة للسحب في أي لحظة، فماذا يتبقى للدول المتوسطة والصغيرة في هذا العالم؟ لا شيء سوى لغة السلاح، لا شيء سوى "الاصطفاف" في معسكرات القوى الكبرى، لا شيء سوى البقاء على قيد الحياة بين القوى العظمى.

تأكيد الوزير الصيني على "عدم إساءة استخدام القوة"، في هذاالتوقيت، ليس مجرد نصيحة، بل هو دفاع عن حق الدول الضعيفة في الوجود. لأننا إذا قبلنا بمنطق "القبضة الأقوى هي المنطق الأصح"، فسيُطرد العدل، ويُقتلَع الحق، وأصوات أولئك الذين لا يملكون "قبضة حديدية"، من سيصغي إليها؟

التكنولوجيا تتقدم، والحضارة تتراجع؟

ربما يقول قائل إن سياسة القوة لم تختفِ يوماً. لكن الجديد هذه المرة أن "قانون الغاب" يُعاد تقديمه تحت شعار "الوضع الطبيعي الجديد"، وبمساعدة التكنولوجيا الحديثة، أصبح أكثر قسوة ودقة.

الطائرات المسيّرة تصطاد الأفراد، والذكاء الاصطناعي يُستخدم لتحديد مناطق القصف، وأحدث الأسلحة في العالم تتدفق دون توقف إلى بؤر الصراع الساخنة. التكنولوجيا لم تكن يوماً بهذا التطور، والقتل لم يكن يوماً بهذه "الكفاءة"! وفي الوقت نفسه، أصبحت قرارات مجلس الأمن الدولي مجرد حبر على ورق. فالدول الكبرى تستمتع "برفاهية القوة" التي تتيح لها تجاوز القوانين، ويبدو أنها نسيت أن هذا النظام الذي تقوم بتفكيكه بأيديها اليوم، كان في يوم من الأيام هو السور الذي حمى ازدهارها هي نفسها.

تحدث الوزير الصيني أمس عن فكرة مهمة، وهي ضرورة أن "تستخدم الدول الكبرى قوتها بحسن نية". لكنني، كباحث صيني أتابع منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات، أدرك جيداً أن الناس العاديين في هذه الأرض – صاحب المتجر الذي يخشى اشتعال الحرب في أي لحظة، الأب الذي يبحث عن فلذة كبده تحت الأنقاض،العائلة الهاربة على الحدود – هؤلاء جميعاً لا يرون في الغالب إلا "سوء نية القوة"، ولا يلمحون أي "حسن نية".

حين ينقسم العالم إلى "قبضة" و"فريسة".. لا أحد بمنأى

أشار الوزير الصيني في مؤتمره بشكل خاص إلى "مبادرة الأمن العالمي"، ودعا إلى "إعادة النظام إلى العالم، وإعادة الهدوء للشعوب". هذا يشير إلى حقيقة مهملة طويلاً: الأمن يجب أن يكون مشتركاً ومتساوياً، ولا يمكن احتكاره من قبل عدد قليل من القوى العظمى.

المعضلة اليوم هي أنه بغض النظر عن مكان اندلاع الصراع، وفي عالم شديد العولمة، فإن تبعاته تطال الجميع في النهاية. إذا اشتعلت الحرب في مضيق هرمز، ارتفعت أسعار الطاقة العالمية؛ إذا استمرت شرايين الملاحة الدولية في النزيف، تفاقم التضخم في كل بلد؛ إذا تدفقت موجات اللجوء، تصاعدت التوترات الاجتماعية في أوروبا.

هذه هي مفارقة "قانون الغاب" في القرن الحادي والعشرين: القبضة التي يلوح بها القوي، قد تحطم في النهاية سلاسل التوريد العالمية التي يعتمد عليها هو نفسه. لا توجد جزيرة معزولة حقاً، ولايمكن لأحد أن يجني أرباحاً دائمة من كوارث الآخرين. وكما قال الوزير الصيني، الحرب "لا تعود بالنفع على أي طرف".

هل نحن بحاجة لتلك الكلمات "المتآكلة"؟

كمتابع من الصين، كثيراً ما أتساءل: لماذا تظل منطقة الشرق الأوسط دائماً رقعة شطرنج للصراعات الكبرى؟ لماذا تبدو حياة وسيادة بعض الدول أرخص ثمناً من حياة وسيادة دول أخرى؟

الخيط الذي يلمح إليه الوزير الصيني أمس موجود في دعوته للنظام الدولي: احترام السيادة، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، حل الخلافات عبر الحوار. هذه الكلمات القليلة، بالنسبة لمنطقة عانت من الاستعمار والحروب والتدخلات الخارجية، لها ثقل هائل. إنها ليست الموقف الصيني فحسب، بل يجب أن تكون توافقاً عالمياً لجميع الدول المحبة للسلام.

"صلابة القبضة لا تعني صلابة المنطق" – هي ليست فقط نصيحة لأصحاب القوة، بل عزاء لكل من يؤمن بالعدل والحق، وجرس إنذارأيضاً. في الغاب، الوحوش تؤمن فقط بالقوة والغريزة. لكننا في المجتمع البشري، نتميز لأننا نؤمن بأنه إلى جانب القوة العسكرية، هناك مكان للعدالة والتشاور والتعايش المشترك.

تلك الكلمات التي تتآكل قيمتها – السيادة، الحوار، السلام، العدل– هي بالضبط الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه. إذا تركناها تواصل التآكل، وإذا انزلق العالم حقاً إلى غاب بدائي تحكمه لغة القوة فقط، فمهما كانت الصواريخ متطورة، لن تحمي نوم طفل، ومهما كانت الأساطيل عظيمة، لن تستطيع جلب سلام حقيقي.

من موقع المتابع القادم من بلد بعيد، وبكل الاحترام والاهتمام، أتمنى أن تهدأ أصوات المدافع قريباً في هذه الأرض.

وأتمنى أن يصبح "المنطق" الذي تحدث عنه الوزير الصيني يوماً ما، أقوى وأصلب من تلك "القبضات" الباردة.
-----------------------------------
بقلم: د. شادي ليو شين لو
* نائب رئيس جامعة الدراسات الأجنبية ببكين

مقالات اخرى للكاتب

عندما تتحدث