يا رسول الله، لقد كنت أنت الصلة الحية والرابطة الوثيقة بيننا وبين تلك العلوم التي نشأت في رحاب الإسلام بعد بعثتك المباركة. فأنت في الحقيقة الجسر الذي وصل بين العرب والعجم، والواسطة التي ملأت ذلك الفراغ الواسع، فجمعت بين العرب والعجم، وبين المشرق والمغرب حتى امتزجوا امتزاجا بديعا، وصاروا كأنهم جسد واحد وروح واحدة. وما أعظم فضلك في إذكاء هذه الملكات العقلية، وإيقاظ هذه الطاقات الفكرية، وما أجل إحسانك إلى هذه الثروة العلمية التي ازدهرت في ظل رسالتك، وإلى خصوبة العقل الإنساني حين أطلقته من عقال الجمود، وإلى ما أبدعه المسلمون من آثار علمية وحضارية زاهرة. يا رسول الله، لولا بعثتك لما بقيت هذه اللغة العربية على ما نراها عليه اليوم من حياة وازدهار، ولربما لقيت ما لقيته لغات كثيرة طواها النسيان وأكل عليها الدهر وشرب. ولولا أن القرآن الكريم - ذلك الكتاب الخالد - كان لها حصنا منيعا وحارسا أمينا لتعرضت مع توالي العصور إلى التبدل والتحريف حتى تتغير ملامحها وتطمس معالمها، وربما تحولت إلى لغة أخرى غير التي نعرفها، ولابتلعتها الألفاظ الدخيلة واللهجات المحلية، كما وقع لغيرها من اللغات حتى تفقد صفاءها وأصالتها، وتضيع خصائصها الأولى، ويذهب رونقها الذي حفظه لها القرآن، فبقيت حية نابضة، موصولة بمصدرها الأول، محفوظة في لفظها ومعناها عبر القرون. إنه من فيض وجودك المبارك، وبركة الشريعة الإسلامية، وأثر هذا الكتاب المقدس الذي أنزل عليك، أن حفظت هذه اللغة من غوائل الفناء وعوادي الدهر، وصانتها من الضياع والاندثار، وجعل لها في قلوب المسلمين منزلة العزة والمحبة حتى غدت لغة يأسر حبها القلوب في مشارق الأرض ومغاربها. وببركة هدايتك وتوجيهك شاء الله تعالى لهذه اللغة أن تظل حية نابضة بالحياة، وأن يكتب لها البقاء والدوام، ويكفل لها أسباب الرقي والازدهار عبر العصور. ولذلك فإن كل من ينطق بهذه اللغة أو يكتب بها، أو يبلغ بفضلها منزلة رفيعة، أو يدعو إلى تعلمها ونشرها، إنما هو مدين لك بفضل لا ينكر، وإحسان لا يمكن أن يتنصل منه أو يتجرد عنه. وكنت أصغي إلى كلماتهم المفعمة بروح الامتنان والاعتراف بالحقيقة أصغي إليها في تأمل عميق حتى إذا ببصري يقع فجأة على باب عبد العزيز، حيث لاح لي وفد جديد يدخل منه، وقد بدت على وجوههم وهيئاتهم سمات أمم شتى وألوان حضارات مختلفة. وكان في تلك الجماعة طائفة من أعاظم سلاطين الدنيا، وأشهر ملوك التاريخ، وأبرز القادة والحكام الذين نقشوا أسماءهم في صفحات الزمان.
وكان في تلك الجماعة هارون الرشيد، والوليد بن عبد الملك، وملكشاه السلجوقي، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمود الغزنوي، والظاهر بيبرس، وسليمان القانوني، وأورنغزيب عالمغير. وقد تركوا حرسهم وخدمهم عند باب المسجد، ودخلوا في سكينة ووقار، مطأطئي الرؤوس، وقد تجلت على وجوههم معاني التواضع والانكسار، يسيرون بخطى هادئة، ويتبادلون حديثا خافتا تغمره هيبة المكان وجلال المقام. وأخذت ملامح تلك الشخصيات العظيمة وأصداء إنجازاتها التاريخية ترتسم أمام ناظري، وكأن صفحات التاريخ قد انكشفت فجأة بين يدي. فتراءى لي ذلك العالم الواسع الممتد الذي دانت له ممالكهم، وارتفعت فيه رايات سلطانهم، حيث كان أمرهم نافذا، وسلطانهم مهيبا، وذكرهم يتردد في أقطار الأرض شرقا وغربا.
ثم مرت بخاطري صورة تلك الإمبراطوريات الشاسعة التي شيدوها، وذلك النفوذ العظيم الذي بسطوه على دول قوية، وسلطانات راسخة، وملوك عتاة. وكان فيهم أيضا ذلك الملك الذي لما نظر إلى قطعة من السحاب تمضي في السماء قال كلمته المشهورة: أمطري حيث شئت، فإن خراجك سيعود إلي.
وكان فيهم أيضا ذلك السلطان الذي بلغت مملكته من السعة والامتداد حدا أنه لو أراد أسرع الفرسان أن يقطعها من أقصاها إلى أقصاها لما استطاع أن يتم رحلته في أقل من خمسة عشر شهرا. وكان فيهم كذلك أولئك الملوك الذين بسطوا سلطانهم على نصف المعمورة حتى دانت لهم أمم كثيرة، وصارت ملوك الأرض تؤدي إليهم الخراج طوعا أو كرها، خضوعا لهيبتهم وإقرارا بسطوة سلطانهم. ومن بينهم أيضا أولئك القادة الذين كانت بأسهم العسكرية تملأ قلوب أوروبا رهبة وهيبة حتى بلغ من عزة المسلمين في أيامهم أنه إذا دخلوا بعض بلاد أوروبا سكنت أجراس الكنائس، إجلالا لدينهم، ومهابة لقوتهم وسلطانهم.
وخلاصة القول أن في ذلك الجمع طائفة عظيمة من الملوك والسلاطين والفرمانروات الذين ملأ ذكرهم آفاق التاريخ، ودوت أسماؤهم في مشارق الأرض ومغاربها حتى كأن صفحات التاريخ قد اجتمعت في ذلك المشهد المهيب في صورة موكب مهيب من عظمة الملك وسعة السلطان.
وكانوا يتقدمون نحو المسجد النبوي ليؤدوا الصلاة فيه، ويقفوا في رحاب الحضرة النبوية الشريفة مقدمين هدية الصلاة والسلام، يعدون ذلك أعظم شرف ينالونه، وأسمى وسام يتقلدونه، وأجل سعادة يتطلعون إليها. وكانوا يتمنون في أعماق قلوبهم أن تحظى صلاتهم بالقبول، وأن يتقبل منهم هذا السلام الذي يرفعونه في حضرة النبي الكريم ﷺ ورأيتهم يتقدمون بخطوات مرتجفة، وقد استولت الهيبة على قلوبهم، حتى بلغوا موضع الصفة، ذلك المكان الذي كان مأوى فقراء الصحابة وموطن إقامتهم. فتوقفوا هناك لحظات يسيرة، وقد غمرتهم مشاعر الإجلال والحياء، وأخذوا يتأملون ذلك الموضع في صمت وخشوع، تختلط في نفوسهم معاني التعظيم والاحترام بمشاعر الخجل والتواضع. كانوا ينظرون إلى المكان الذي كان يوما مأوى أولئك الفقراء المساكين من أصحاب رسول اللهﷺ، أولئك الذين كانوا يرون أعظم الشرف في أن يصيبهم شيء من غبار أقدامهم، فيجعلونه كحلا لأعينهم.
وعند ذلك الموضع القريب أدوا ركعتي تحية المسجد في خشوع وسكينة، ثم تقدموا في أدب ووقار نحو القبر المبارك. وهناك فاضت قلوبهم بما امتلأت به من مشاعر المحبة والإجلال، فانطلقت ألسنتهم بما أوحى به الإيمان، وما أملاه العلم واليقين، فعرضوا كلماتهم في الحضرة النبوية الشريفة.
غير أنهم راعوا في خطابهم آداب الشريعة، واستحضروا صفاء التوحيد الخالص، فسمعتهم يقولون:
يا رسول الله، لولا بعثتك المباركة، ولولا هذا الجهاد الذي قمت به في سبيل الله، وهذه الدعوة التي انطلقت من بين يديك حتى عمت أرجاء الأرض، وانتشرت في مشارق الدنيا ومغاربها، وفتحت أمامها القلوب قبل البلاد، لما تبدلت حال أسلافنا، ولظلوا قابعين في زوايا العزلة وأعماق المهانة. ولكنهم حين آمنوا بهذا الدين، واهتدوا بنور رسالتك خرجوا من ظلمات الذل إلى آفاق العزة والكرامة، وانتقلوا من حياة الضيق والمهانة إلى حياة واسعة ملؤها العزم والهمة والشجاعة. ثم أقاموا بعد ذلك دولا عظيمة، وشيدوا حضارة زاهرة، وفتحوا بلادا بعيدة حتى غدت أمم كانت تسوقهم من قبل بعصاها، وتتعامل معهم كما تساق القطعان، تؤدي إليهم الخراج. لو لم يقع ذلك التحول المبارك من الجاهلية إلى الإسلام، ولو لم تتحقق تلك الرحلة العظيمة التي نقلتنا من خمول الذكر وضيق الحياة القبلية المحدودة إلى آفاق العالم الرحبة، وهي الرحلة التي تمت ببركة دعوتك لما ارتفع لنا لواء في بقعة من بقاع الأرض، ولما خط لنا ذكر في صفحات التاريخ. ولبقينا نتخبط في تلك الصحارى القاحلة والوديان الضيقة يبطش القوي منا بالضعيف، ويستطيل الكبير على الصغير في مجتمع تسوده الفوضى وتتحكم فيه شريعة الغلبة والقوة. وكانت قوتنا يسيرة هزيلة، وكان مستوى حياتنا في غاية الضعة والانحطاط حتى ليعسر على الخيال أن يتصور ما هو أدنى منه. ولم يكن في مقدورنا أن نتجاوز في تفكيرنا حدود القرية الضيقة أو القبيلة المحدودة، إذ كانت حياتنا كلها، ومساعينا جميعها محصورة في ذلك الأفق الضيق الذي لا يتعداه البصر ولا يتجاوزه الفكر. فكنا أشبه بأسماك محبوسة في بركة صغيرة، أو بضفادع قابعة في قاع بئر لا ترى من العالم إلا جدرانه الضيقة. أسرى لتجاربنا المحدودة، سجناء لعاداتنا الموروثة نردد في إعجاب كلمات آبائنا وأجدادنا الجاهلين، ونمجد ماضيهم دون علم ولا بصيرة.
يا رسول الله، لقد أفاض الله علينا بنور دينك نورا أشرقت به أبصارنا، وانفتحت به عقولنا، واتسعت به آفاق تفكيرنا. فما إن لامست رسالتك قلوبنا حتى تبدلت حالنا، وتحررت نفوسنا من ضيق الأفق، وأصبحنا نحمل هذا الدين الواسع الجامع، وننطلق به في أرض الله الفسيحة، نحمل إلى العالم رسالته ونبشر بهديه ونوره. فاستيقظت فينا طاقات كانت خامدة، ونهضت في أعماقنا قوى كانت كامنة، فواجهنا بها الشرك وعبادة الأوثان، وقاومنا بها ظلمات الجهل وأغلال الضلال بكل ما أوتينا من عزم ويقين. ثم أقام المسلمون في ظل هذا الدين دولا عظيمة وسلطانات شامخة، عاش في كنفها أبناؤنا وإخواننا قرونا متطاولة ينعمون بالأمن والرخاء، ويستظلون بظل العدل والاستقرار. واليوم نقف في حضرتك يا رسول الله موقف المحب الوفي، نقدم بين يديك نذر ولائنا وخالص مودتنا، ونرفع إليك درودنا وسلامنا معبرين بهما عن عظيم ما نكنه لك من إجلال وتعظيم. ونحن لا نؤدي هذا الاعتراف إلا عن طواعية واختيار، نراه شرفا لنا، ونعده وسيلة إلى رضا الله ونجاتنا. ونحن نقر إقرارا صادقا بأن الله تعالى قد شرفنا بحمل هذا الدين، وبإقامة أحكامه ونشر عدله في الأرض غير أننا مع ما حظينا به من هذا الشرف العظيم لم نسلم من التقصير، ولم نخل من الضعف والهنات، فكانت منا أخطاء وكبوات لا ننكرها ولا نجحدها. وقالوا: نستغفر الله ونتوب إليه. وكنت ما أزال مشدود النظر إلى أولئك الملوك والسلاطين، وقد ركزت بصري على وجوههم الصامتة الوقورة التي ارتسمت عليها ملامح الأدب والخشوع. وكانت أذناي مصغيتين إلى كلماتهم الصادقة المفعمة بالإخلاص والتواضع، وهي كلمات لم يسبق لي أن سمعتها منهم في موقف من المواقف. وبينما أنا كذلك، إذ بجماعة أخرى تدخل المكان، فتقدمت دون أن تعبأ بهيبة أولئك الملوك أو تعير التفاتا إلى سلطانهم، وشقت طريقها بين صفوفهم حتى بلغت المقدمة. وكان يبدو جليا أن رهبة الملك وسطوة السلطان لا تترك في نفوسهم أثرا، ولا تحجب عنهم جرأة الكلمة وصدق الشعور. فقلت في نفسي: لعل هؤلاء شعراء أو ثوار. ولم يكن ظني بعيدا عن الصواب، إذ تبين أن تلك الجماعة كانت تجمع بين هذين الصنفين. ثم اختاروا من بينهم رجلا ليكون لسانهم المعبر وترجمان مشاعرهم، فنهض ذلك المتحدث البليغ، وقد انطلقت من فمه كلمات مفعمة بالعاطفة الصادقة والإجلال العميق يعبر بها عن عقيدتهم ومحبتهم، فقال:
يا رسول الله، يا سيد الكونين، ويا قائد بدر وحنين، جئت أشكو إليك حال قوم ما زالوا إلى اليوم يقتاتون من فتات مائدتك، ويستظلون بظل رحمتك، ولا يجدون لهم مأوى ولا ملاذا إلا في كنفك، وهم مع ذلك يتنعمون بثمار البستان الذي غرسته بيديك المباركتين. إنهم يقيمون اليوم في تلك البلاد التي حررتها من قيود الاستبداد، وفتحت أمامها آفاق النور والحرية، وأطلقت فيها أنفاس الحياة الكريمة. وقد صاروا يحكمون تلك الديار آمنين مطمئنين، يتمتعون فيها بسيادة ظاهرة وسلطان قائم. غير أن هذه الأمة نفسها أخذت اليوم تنقض الأساس الذي قام عليه بنيانها، وتقتلع الجذور التي استمدت منها عزتها وقوتها. فإن قادتها اليوم يسعون إلى تمزيق هذه الأمة الواحدة، وتحويلها إلى أمم متفرقة وجماعات متناحرة. إنهم يحيون ما أماتته رسالتك، ويفسدون ما أصلحته دعوتك، ويقودون هذه الأمة رويدا رويدا إلى عهود الجاهلية التي أخرجتها منها، وخلصتها من ظلماتها إلى نور الهداية والكرامة. وفي هذا الشأن أيضا أخذوا يقلدون أوروبا تقليدا أعمى، وهي نفسها غارقة في فقر فكري شديد، وتمزق واضطراب، وحالة من الشك وفقدان اليقين. إنهم يستبدلون نعمة الله بالكفران، ويسوقون أمتهم سوقا إلى دار الهلاك والدمار. إن الأصنام التي طهرت الكعبة منها يوما تعود اليوم لتفرض على رؤوس المسلمين من جديد، ولكن بأسماء أخرى وملابس مختلفة. وإني لأرى في بعض أرجاء العالم العربي الذي كان ينبغي أن يكون مركز قوتك وحصنك المنيع بوادر تمرد واضطراب عام. غير أنني لا أرى اليوم فاروقا يقف في وجه هذا الارتداد الفكري والعقلي الذي ينتشر بسرعة، ولا أرى أبا بكر رضي الله عنه ينهض برجولة إلى ساحة الميدان ليطفئ هذه النار المستعرة. ولم تكد هذه الكلمات البليغة، المشبعة بروح اليقين والإيمان، تبلغ نهايتها حتى انطلقت من مآذن المسجد النبوي نداءات الأذان العذبة:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
فانتبهت من شرودي، وانقطع ذلك الخيال الجميل الذي كان قد تشكل مستندا إلى صفحات التاريخ، وعدت مرة أخرى إلى هذا العالم الذي جئت منه. كان بعض الناس قائمين في الصلاة، وآخرون قد انصرفوا إلى تلاوة القرآن في خشوع وسكينة.
كانت وفود من شتى أرجاء العالم الإسلامي، أفرادا وجماعات، تتقاطر لتقديم السلام على رسول الله ﷺ. وعلى الرغم من اختلاف الألسنة وتباين اللهجات، فإن وحدة المشاعر وصدق العواطف كانت تجمعهم في إحساس واحد، فتخلق في ذلك المشهد جلالا مهيبا وروعة آسرة.
----------------------------------------------------
بقلم: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي
ترجمة: أحمد شوقي عفيفي







