28 - 04 - 2026

خيال المحارب

خيال المحارب

يفيد الخيال كل المحاربين سواء وهم يخططون للقتال، من حيث تحديد المكان والزمان والوسائل والمقاتلين، أو وهم يديرون المعركة في الميدان نفسه، بعد أن تقرع الطبول وتنطلق حمم النار، وكذلك حين يجلس هؤلاء ليتصوروا شكل الحرب في المستقبل. 

وربما قاد "الخيال الاستراتيجي للمحاربين" إن صح التعبير مجالات عدة في الحياة إلى التطور والتقدم خطوات إلى الأمام، من زاوية أن كثيرا من الاختراعات الحديثة خرجت من رحم الصناعات العسكرية، أو كان التفكير في كسب الحرب دافعا للتوصل إليها، والحاجة إلى الهيمنة أو الردع هي أم اختراعها.

ويقر كلاوزفيتس بأن "جميع القادة العظماء قد تصرفوا انطلاقا من فطرتهم، وحقيقة أن فطرتهم كانت دائما سليمة هي جزئيا مقياس لعظمتهم وعبقريتهم الطبيعية". ويعود تركيز كلاوزفيتس على الحدس أكثر من التفكير الواعي إلى درايته بأن الحروب لا تديرها المعادلات الحسابية على الورق إنما التصرف في الميدان.

إننا إن أمعنا النظر في مسار التاريخ سنجد أن نابليون قد حقق انتصاراته بالخيال العسكري، ونقل هانيبال أفياله من قرطاجة إلى روما أيضاً بالخيال العسكري، وأسس الإسكندر الأكبر إمبراطورية الشرق، ودكَّ جنود مصر الساتر الترابي بمدافع المياه أيضاً بالخيال العسكري، وجيش المسلمين انتصر على المشركين فى موقعة بدر رغم أنه كان أقل عددا وعدة، وخالد بن الوليد هزم الروم فى معركة اليرموك بقوة أقل من عشر قوتهم، والبطل الإغريقى ليونيداس استطاع برفقة ثلاثمائة رجل أن يعيق تقدم جيش الفرس الجرار من ممر ترموييل حتى سقط ورفاقه بعد أن قتلوا أضعاف عددهم، ومهدوا الطريق لبلد صغير هو إسبرطة كى ينتصر فى النهاية على إمبراطورية الفرس القوية. وبضعة آلاف من المقاتلين اللبنانيين تمكنوا من صد الجيش الإسرائيلى في صيف 2006، وقبله استطاع أطفال فلسطين أن يتصدوا للدبابات والبنادق بكومات من حجر، ويحققوا نصرا استراتيجيا على عدوهم المدجج بالسلاح، وتمكن أربعين رجلا أبحروا في قارب صغير ذات ليلة من أن يحرروا كوبا من قبضة الدكتاتور، واستطاع الفيتناميون بسلاح بسيط، وزاد قليل، من أن يهزموا الولايات المتحدة الأمريكية.

ولو أن الداخلين إلى هذه المعارك جلسوا ليحسبوا حسابات الواقع، وأعطوها وحدها قرارهم، لهزموا هزائم منكرة وفي زمن يسير، لكنهم تجاوزوا واقع ينبئهم، للوهلة الأولى، بعدم تكافؤ قوتهم في وجه قوة عدوهم، وأطلقوا العنان لخيال جسور، مكنهم من الانتصار أو الصمود.

ولهذا تحدث الخبراء والمؤرخون الحربيون عن "الفنون العسكرية"، منطلقين من أن التاريخ العسكري هو وقائع وأحداث متتابعة من ممارسة فن الحرب، التي كان لها دور كبير في تطور مجالات أخرى.

 وهنا يقول فرنان شنيدر في كتابه "تاريخ الفنون العسكرية": "إن التاريخ العسكري، منذ عصر أجدادنا سكان المغاور إلى عصرنا الذري، قد ساهم مساهمة فعالة في التطور المستمر للعلوم البشرية، هذه العلوم التي ساهمت أيضا، بنسب متفاوتة في تحسينه وازدهاره. إن فنون القادة الكبار قد تأثرت تأثرا كبيرا بعلوم معاصريهم وطرق تفكيرهم، فهؤلاء القادة  يستفيدون من أنهم نشأوا على أفكار رؤسائهم السائدة في زمانهم. فالإسكندر اقتبس تكتيكه من الفكر الإغريقي، كما استمد بونابرت غذاء نبوغه من نظريات مفكري القرن الثامن عشر، عسكريين كانوا أو مدنيين، أضف إلى ذلك أن المؤلف القيم الذي وضعه كلوزفيتس عن الحرب، وهو أفضل ما كتب في باب الفنون الحربية، لا يعتبر ثمرة دراسة لفنون نابليون فقط، بل إنه إلى ذلك دراسة لسلسلة من المذاهب المستوحاة من أفكار من هم أمثال كانط وهيجل".

ولعل المثل الرائع الذي يمكن أن نضربه في هذا المقام هو المفكر الصيني "سون تسي" الذي عاش في القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد إلا أن أفكاره وتصوراته عن الحرب لا تزال صالحة للقراءة، وقادرة على إلهام الجنرالات في مشارق الأرض ومغاربها، لأنه كان يمتلك قدرة هائلة على إعمال الخيال، وبالتالي اعتبر الحرب فنا، وفي الفن يحضر الخيال غزيرا، ولذا فإن إيجاز ما ورد في كتابه يبدو عملا مفيدا إلى أقصى حد ونحن بصدد الحديث عن توظيف الخيال في الحرب، لأننا سنكتشف معه كيف تمكن رجل عاش في هذه القرون البعيدة أن يكتب نصا له كل هذه الطاقة من الخيال، بما جعله يتجاوز زمنه وحدود أمته، ويسيح في مشارق الأرض ومغاربها لستفيد منه المحاربون المختلفون تماما في كل شيء تقريبا.

وتسى ابتداء هو سليل عائلة عسكرية وسبق لأجداده أن سجلوا خبرتهم في المعارك، وتركوها لمن أتوا بعدهم كي يستفيدوا منها، وقد ألف كتاب "فن الحرب" الذي هو من أقدم وأشهر الكتب الحربية في الصين، بل هو أقدم كتاب حربي في العالم أيضا، إذ يتمتع بمكانة بارزة في تاريخ البحوث الأكاديمية الحربية، وهو جزء مهم من الثقافة والتقاليد الصينية الممتازة، ومضمونه دقيق وعميق وواسع جدا، وقد أحدث تأثيرا بعيد المدى في تطور العلم الحربي القديم بالصين، ويعتبر مرجعا أساسيا وحضاريا عنها.

 ولا تزال كثير من حقائق الكتاب تحظى بنفس أهميتها السابقة، فهي مفيدة في بناء وتطوير النظريات الحربية الحديثة، واستخدام مبادئها وأفكارها في الحياة الاجتماعية وفي عالم الأعمال، وهي تطبق على نطاق واسع في إدارة المؤسسات والتنافس التجاري والمباريات الرياضية والأنشطة الأخرى.

***

الحرب هي الحرب، تختلف الأزمنة، وتتطور تقنيات السلاح، لكن تبقى الفلسفة العامة، وما تتضمنه من قواعد حاكمة للحروب كما هي تقريبا، فالجوهر باق، وفي القلب منه ما يمكن أن يكون الجانب الذي نطلق عليه وصف الفن، بأكثر ما يكون الأمر مرتبطا بالعلم وتطوراته.

يشمل الكتاب على قلة عدد صفحاته موضوعات غاية في الأهمية منها : وضع الخطط، وشن الحروب، وتدبير الهجمات، وطبيعة القوة العسكرية، واستغلال الإمكانات المتاحة للجيوش، وأنواع أراضي المعارك، والهجوم بالنار، وتوظيف الجواسيس. ويدعو تسي في كتابه إلى ضرورة دراسة خمسة أشياء أساسية عن العدو منها مدى ارتباط الشعب بالسلطة، والمناخ، والتضاريس، والقيادة، ومبادئ التنظيم.

ويرى تسي أن "القائد المحنك هو الذي يحصل على احتياطيه من الأسلحة من بلاد العدو"، ويرصد خمسة أخطاء يقع فيها القائد ويقول: 

ـ إذا كان القائد متهورا يمكن قتله.

ـ وإن كان جبانا يمكن أسره.

ـ وإذا كان حاد المزاج يمكن أن يستثار غضبا ويخطئ.

ـ وإن كان مرهفا ذا إحساس متضخم بالذات والكرامة، يمكن استفزازه بالإهانة.

ـ وإن كان ذا طبيعة رحيمة فقد يضطرب ويتضايق.

وينصح الكتاب قادة الجيوش بما عليهم أن يفعلوة حين يأخذون مواقعهم في مواجهة العدو ويقول: عند عبور الجبال لا بد من البقاء في الأودية المجاورة، وعند إقامة المعسكرات يجب اختيار الأرض المرتفعة لمواجهة الشمس .. وعند عبور نهر يجب البقاء بعيدا عنه، وعندما يعبر العدو المتقدم لا تقابله في وسط الماء، بل من الأفضل أن تسمح لنصف قوات بالعبور وحينئذ تضربه. 

ويقسم تسي الأرض طبقا لطبيعتها إلى أرض ممهدة أو معقدة خداعية أو رمالها متحركة أو ضيقة وشديدة الانحدار أو بعيدة، ويرى أن كل أرض لها تكتيكاتها في المعركة، ثم يشرح الأسباب التي تؤدي إلى هزيمة الجيش أو فشله وهي: الفرار والعصيان والسقوط والانهيار والفوضى والهزيمة، ويقول "لا ترتبط واحدة من هذه الكوارث بالأسباب الطبيعية والجغرافية، وإنما هي بفعل خطأ القائد، فلو هاجم قوة حجمها عشرة أمثال جيشه ستكون النتيجة الهروب والفرار، وحين يكون الجنود أقوياء والضباط في ذروة الشجاعة والبسالة ولكن الجنود تنقصهم الكفاءة والمقدرة فيسقط الجيش، وإذا سادت حالة من التمرد بين ضباط القيادة العليا، وسرى الشعور بالاستياء والغيظ عند القتال فلن يلتفت القائد إلى قدرات العدو والنتيجة ستكون الانهيار، وعند لقاء العدو المندفع إلى المعركة إن كان القائد على درجة ضعيفة من الكفاءة وسلطته قليلة، ولم يقم بتنظيم وإدارة قواته جيدا، وكانت العلاقة بين ضباطه وجنوده متوترة، وكذلك تشكيلات القوات مهملة فالنتيجة لهذا الوضع هي الفوضى، وحين يكون القائد عاجزا عن تقدير قوة العدو تكون الهزيمة محققة".

وبذا يضع تسي جزءا من أسباب النصر أو الهزيمة على القائد أو القيادة، وينصح القائد بأن يقدر قوة عدوه جيدا، وطبيعة الأرض التي سيحارب فيها، وحجم إمكانات الجيش الذي يقوده، ثم ينصح القائد بأن يعتني برجاله قائلا:  "إذا ما اعتنى القائد برجاله كاعتنائه بأبنائه فسيزحفون من أعمق الوديان. فالأبناء الأحباء سيساندون قائدهم حتى الموت، فإن كان القائد متساهلا مع رجاله يدللهم فلن يستطيع أن يوظفهم أو يأمرهم أو يعاقبهم حين ينتهكون النظام، عندئذ يكونون كالأطفال المدللين الذين لا يصلحون لأي هدف عملي، لذا لا ترجى منهم فائدة".

ويقدم تسي عدة نصائح للقائد في التعامل مع جنوده هي: 

ـ اهتم بجنودك ليكونوا في أحسن حال ولا ترهقهم، وحاول أن ترفع روحهم المعنوية، وحافظ على طاقتهم.

ـ ضع جنودك في موقف لا مفر منه، وسيختارون الموت على الفرار، فإذا ما أعد الضباط والجند أنفسهم فسيبذلون ما في وسعهم للنجاة، فهي مسألة حياة أو موت.

ـ امنع عن جنود الخرافات والشائعات، واعلم أنه في اليوم الذي يتقرر فيه القتال ينتحب الرجال ويجهزون أكفانهم، لكن عند وضعهم في موقف حياة أو موت سيأتون بضروب من الشجاعة الخالدة.

وفي نقطة عن "الهجوم بالنار" يحدد تسي خمسة طرق لمثل هذا الهجوم هي: 

ـ أن تحرق الجنود في معسكراتهم.

ـ أن تحرق المؤن والمخازن.

ـ أن تحرق قوافل المؤن. 

ـ أن تحرق مستودعات الأسلحة والذخائر.

ـ حرق خطوط الإمداد والاتصال. 

  وهناك عبارات أثيرة في الكتاب من قبيل: "أفضل ما في الحرب هو الاستيلاء على بلاد العدو كاملة سليمة" و"أن أسر جيش العدو كاملا أفضل من تحطيمه" ثم يقول: "يجب أن يكون فن تحريك الحرب مطابقا لفن الخداع الحربي" و" يجب معرفة متى نحارب ومتى لا نحارب"، ويقول أيضا: هناك ثلاث طرق يجلب بها القائد الضعيف سوء العاقبة لجيشه، أولها إعطائه أوامر الهجوم أو الانسحاب دون معلومات كافية، والتدخل في إدارة الجيش دون الدراية بشئونه الداخلية بما يربك الضباط والجنود، والتدخل في توجيه الحرب مع جهل قاعدة التكيف مع الظروف. 

وفي مقدمة أخرى للكتاب، الذي ترجم للغات عدة وأعدت حوله أكثر من خمسمائة دراسة مهمة، يقول الخبير العسكري اللواء إبراهيم شكيب: "معظم أبحاث هذا الكتاب مقبولة ومطبقة في عصرنا بكل وقائعها، أما الأبحاث التكتيكية أو اللوجستية فتقدم للقارئ معلومات تفيده في كل دراسة تاريخية لهذه الموضوعات والتي أجزم أن كبار القادة العسكريين على اتساع العالم قد إطلعوا عليه، والذي لا يخلو مرجع عسكري رصين من بعض أفكاره".

وهذا الكتاب لم يفد العسكريين فحسب، بل الاقتصاديين ورجال الإدارة أيضا، وهنا يقول مترجمه: "هناك أعداد متزايدة من رجال الأعمال يركزون اهتمامهم على الاستفادة من عقل سون تسي وحيله في ممارسة المنافسة الاقتصادية. وكان اليابانيون سباقين في هذا المجال، فبعد الحرب العالمية الثانية، حاول عدد من رجال الأعمال اليابانيين الاستفادة من الكتاب في النهوض بالأنشطة التجارية". علاوة على هذا استخدم الكتاب في خوض غمار النضال السياسي، وتعزيز المهارات الدبلوماسية، وإدارة المفاوضات، وممارسة المباريات الفنية".

إن قدرة تسي على الخيال جعلته ينطلق من أن الحرب بلاء، لكن قد تفرض علي جيش وهو يكرهها، وعلى أمة مسالمة لا تجد أمامها مفر من رد العدوان، فإن جاءت فلا بد أن تكون مستعدة لها، وأن تديرها ليس على أنها انعكاس لقدرتها على تصنيع السلاح أو امتلاكه، وترجمة للعلم ومشتملاته، إنما أيضا بوصفها فنا، وهذا ما يميز جيش عن جيش، وقائد عن قائد.

***

كان المفكر والمؤرخ العسكري ليدل هارت يرسم لوحة بالكلمات يتخيل فيها وضع الحرب قائلا: "في الحرب نماثل رجلا يبذل كل جهده للبحث عن عدو في الظلام، والمبادئ التي تحكم تصرفنا ستكون مماثلة لتلك التي يمكن أن يتبناها على نحو طبيعي. يمد الرجل ذراعا لكي يتلمس طريقه إلى عدوه (استكشاف). وحينما يلمس خصمه يتحسس طريقه إلى رقبة الأخير (استطلاع) وبمجرد أن يبلغها يمسكه من ياقته أو من رقبته حتى لا يتمكن خصمه من الفكاك أو الرد عليه بطريقة مؤثرة (تثبيت) ثم يضرب بقبضته الثانية عدوه، الذي أصبح عاجزا عن تفادي الضربة. ضربة قاضية حاسمة (هجوم حاسم) وقبل أن يستطيع عدوه أن يفيق يتابع وضعه المميز لكي يجعله فاقد القوة نهائيا (استثمار)".

وهناك رؤى عملية أشمل عن سيناريوهات وضعت لحرب قادمة، مثل تلك التي حواها تقرير أعده مجموعة من الخبراء الأمريكيين برئاسة الأميرال دافيد جيرميه نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة، يعرض مسارات الصراعات المحتمل وقوعها بقوة بعد انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي المنهار وعقب حرب الخليج 1991، ويحدد عدد ونوعية القوات والأسلحة التي ستستخدمها القوات الأمريكية والميزانية اللازمة لذلك. 

وحدد التقرير نطاقا زمنيا يتراوح بين عامي 1994 و1999، متصورا سبعة أزمات محتملة قد تجر واشنطن إلى الحرب وهي: تهديد جديد في منطقة الخليج على يد العراق، وهجوم مباغت من قبل كوريا الجنوبية على جارتها الشمالية، وإمكانية حدوث هذين السيناريوهين بشكل متزامن، ونشوب توترات في دول البلطيق، واحتمال حدوث انقلابات عسكرية تهدد أمن أمريكا ومصالحها أو قيام حرب بين فصائل الجيش الفلبيني بعد تخفيض الوجود العسكري الأمريكي هناك، وإمكانية تحالف الإرهابيين وتجار المخدرات والعصابات في بنما بما يهدد الملاحة، واحتمال قيام روسيا بعملية عسكرية توسعية في أوروبا. ورغم أن هذه الحروب المتخيلة لم تقع فإنها ساهمت في تعزيز جاهزية العسكرية الأمريكية وتفوقها.

لكن الحاجة إلى الخيال لا تقتصر على إبداع طرق أو أساليب للتعامل مع الميدان أو التفكير فيما سيجري فيه، إنما تمتد إلى تخيل وضع الحرب في المستقبل، وما إذا كانت ستظل مرتبطة بدوافعها القديمة مثل تحقيق المصلحة وتعزيز المكانة والانتقام وحفظ الأمن، أم أن قيودا جديدة ستطرأ على الدول في اتخاذ قرار الحرب على خلفية أي من هذه الدوافع. وفي كل الأحوال فإن باب التفكير سينفتح على مصراعيه ليتخيل شكل الحروب ونوع السلاح المستخدم فيها والمهام الجديدة التي ستجد الجيوش نفسها أمامها والأماكن التي ستطلق فيها النيران. وفي كل الظروف أيضا ستبقى الحرب هي "أزميل سيء لنحت الغد" كما قال مارتن لوثر كينج. 

لقد بات من الواضخ أن ثمة عدد قليل من المجالات قد شهدت فيها مسيرة البشر تطورا هائلا، وكان الأكثر إثارة واتساقا في هذا التطور هو مجال الحروب وصناعات الأسلحة، على امتداد تاريخها. إنها مسيرة تكررت فيها إعادة تعريف التكنولوجيا المتقدمة، وتطبيقاتها لإنتاج معدات جديدة ذات تعقيد تكنولوجي أبعد من الخيال في كثير من الأحيان.

 فمجال الحروب، فنونها واستراتيجياتها وأدواتها، تشهد تطورات لا تنقطع. فعلى سبيل المثال دفعت الحرب "اللامتماثلة" والإرهاب الدولي الدول الكبرى إلى تطوير قدرات وتدريبات جيوشها بما يتناسب مع هذا، إلى جانب التوسع في استخدام الآليات الموجهة، وعلى رأسها "الطائرات من دون طيار"، وبات الطريق واسعا أمام المستويات المتزايدة من الروبوتات الذكية، التي سيكون لها مكان راسخ في ساحات معارك الغد، وستشهد حروب المستقبل "تشكيلة متنوعة من الروبوتات من حيث الحجم والتصميم والقدرات والاستقلالية والذكاء، وستبني الخطط والاستراتيجيات والتكتيكات في تلك الصراعات المستقبلية على عقائد جديدة هي الآن في طور التكون، ويحتمل أن تشمل كل شيء، بدءا بالسفن الروبوتية، وأسراب الطائرات غير المأهولة المستقلة إلى محاربي الحجيرات المكعبة الذين يديرون الحرب من مسافة بعيدة، وقد تمثل القوات التي تخوض تلك الحروب حكومات أو مجموعات عير حكومية على السواء، وربما حتى أناسا مهووسين يمتلكون قدرة على الفتك كانت من قبل في أيدي الدول، وفي تلك المعارك ستضطلع الآلات بأدوار أكبر، لا في تنفيذ المهمات فحسب، بل وفي التخطيط لها أيضا: حسبما يقول بيتر سينجر في كتابه "الحرب عن بعد: دور التكنولوجيا في الحرب"".

***

بمرور الوقت، راحت تظهر اتجاهات جديدة في العلاقات المدنية ـ العسكرية، وأخذ القادة المدنيون والعسكريون يتفاعلون على المستويات الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية في آن، وينتقلون من مجرد التعايش إلى التعاون في بناء القدرات، وفهم واحترام التفويضات الضرورية والمستقلة، وتعزيز أدوات الاتصال ومجالات التعليم والتدريب. 

وتعزز دور القطاع الخاص في العمليات العسكرية عبر إعداد الجيوش وتجهيزها، والمشتريات الدفاعية، وإدارة المشروعات وتطويرها، وتصاعد دور المتعاقدين في الحروب من مقاولي خدمات دعم القوات، ومقاولي دعم المنظومات، ومقاولم خدمات الحماية الأمنية.

كل هذا سيجعل الجيش في القرن الحادي والعشرين يبدو مختلفا جدا عن الجيوش التي واجه بعضها بعضا حلال السنوات الأخيرة من الحرب الباردة، حيث من المنتظر أـن "يكون الجيش أصغر، وأكثر مرونة، وقادرا على توجيه ضربة أكبر بكثير مما يوحي به حجمه، وسيكون مملوءا بالجنود المحترفين للغاية والقادرين على تنفيذ مهام متعددة لم تكن تنفذها فيما مضى سوى وحدات خاصة. وسيرافق هؤلاء الجنود إلى ميدان العمليات مجموعة متنوعة من الأفراد غير العسكريين، الذين سيكون الكثير منهم متعاقدين ـ لتنفيذ مهام غير عسكرية تعتبر مهمة، ولكنها تتطلب أفرادا غير ماهرين. إن جيش المستقبل سوف يشبه قوة متكاملة البنية، مع تزايد الأدوار التي يقوم بها الأفراد المدنيون والمتعاقدون أكثر من أي وقت مضى. وقد لا يكون الجيش هو العنصر الأكبر، لكنه سيكون العنصر الأهم من حيث ضمان أمن العمليات. 

وظهرت ألون أخرى من الحروب، ستتعزز في المستقبل، مثل "حرب الشبكات" التي تبدو جذابة على نحو خاص لأطراف مؤثرة دون الدولة، مثل التنظيمات الإرهابية، والمنظمات الإجرامية العابرة للدول، وجماعات الضغط السياسي المتطرفة، ويصعب هزيمتها لغياب هدف واحدد يؤدي تدميره إلى إنهاء وجود الشبكة بالكامل. وهناك من يطلق عليها حرب الإنترنت، التي يتم شنها بواسطة الحواسيب المتقدمة وشبكة الإنترنت، بغية إحداث ضرر بنظم معلومات الخصوم، وفي المقابل توجد حرب دفاعية من النوع نفسه لحماية النظم الخاصة بالمهاجمين، وهناك من يطلق عليها حرب المعلومات.

إنها حرب "الفضاء الإلكتروني"، التي لا يمكن التعامل معها على أنها نوع نظيف من الحروب لا ضحايا فيها، ومن ثم يمكن تبينها لتجنب شرور الحروب التقليدية، ففي الحقيقة هي نوع من الحرب السرية التي تبقى خافية على عيون عموم الناس، لكنهم هم الذين سيدفعون ثمنها أيضا، سواء الأفراد أو الشركات العامة والخاصة.

 وتختلف مجالات الحروب تلك عما تسمى "حرب الأفكار" التي تقوم على الدعاية، وهي وفق بول روبنسون، في كتابه "قاموس الأمن الدولي" تكون "ذخائر ينتجها العقل، وتوجه إلى العقل، وتعد أسلحة أثبتت أنها لا تقل أهمية عن أي من الأسلحة التي ابتكرها الإنسان."

والحديث عن خيال المحارب لابد أن يتطرق إلى خيال القادة الذين قادوا بلادهم في الحروب. فإذا كان من السهل أن نتلمس الطريق سريعا في هذا إلى القادة السياسيين، فإن بعض القادة العسكريين أيضا يلعبون دورا كبيرا في بناء أممهم إن كان لديهم خيال، ولهذا لم يكن مستغربا أن يصدر مايكل لي لاننج تصنيفه لأكثر القادة العسكريين تأثيرا في التاريخ بقوله: "لا شك في أن المبعوثين والدبلوماسيين والمفكرين والفلاسفة قد ساهموا في حركة التاريخ وشكلوا منعطفاته، بيد أنهم لم يتصدروا التاريخ إلا تحت حماية القادة العسكريين الذين عملوا على ضمان بقاء أسلوب الحياة، الذي اختاره أولئك الرواد. إن أكثر الزعماء نفوذا في تاريخ العالم لم يأتوا من دور العبادة، ولم تقدمهم ردهات الحكم أو المراكز البحثية، ولكنهم جاؤوا من صفوف العسكريين، جنودا وبحارة. وعلى امتداد الزمن، تمكنت الشعوب، التي حظيت بعظماء القادة العسكريين والمبدعين في المجال الحربي، من تحقيق الازدهار والسيطرة على أراضيها والهيمنة على جيرانها. وقد وجدت الحضارات التي افتقدت القادة العسكريين الأقوياء نفسها مقهورة وخاضعة لغيرها أو معرضة للإبادة التامة. وفي حالات أخرى، لم يكن القادة العسكريون سوى طغاة، استبدوا بشعوبهم، وروعوا أعداءهم" .

وربما كان لاننج هنا متحيزا لما يعرفه ويهواه، وهو إن كان قوله لا يخلو من منطق قياسا على تجارب الأمم، لكن في الوقت ذاته نجد أن لأيام طالما منحت الشعوب قادة مدنيين من ذوي البصيرة، كانت لهم من الحكمة وقوة الشكيمة، وتجنبوا العيوب التي تصم أسلوب إدارة العسكريين للحياة المدنية القائمة على التنوع والاختلاف، وتصرفوا طيلة الوقت بما يكفي للنهوض بواقع بلدانهم التعيس. 

***

تتفاوت نسبة مشاركة القائد الملهم في صياغة القرارات واتخاذها من حال إلى آخر، وهنا يمكن أن نفرق بين مستويات ثلاثة:

1 ـ حين يكون القائد محتكرا للقرار أو يسيطر على الجزء الأكبر منه.

2 ـ حين يعمل القائد مع مؤسسات قوية وراسخة وواعية تساهم في صناعة القرار.

3 ــ حين تتسنى للقائد متابعة حركة الشارع وخطابه بدقة ووعي.

ففي الحالة الأولى تظهر الفروق الكبيرة في التأثير على القرار بين قائد ذي بصيرة وآخر يفتقدها أو لا يتحصل إلا على نذر يسير منها. ولذا يعرف التاريخ قادة تقدموا بأممهم، حتى في ظل نظام سياسي مستبد أو شمولي، وآخرين تخلفوا بها إلى حد جارح وبارح، لاسيما إن كانوا ضيقي الأفق، ومحدودي الإطلاع، وحرجي الصدور، ويتسمون ببلادة المشاعر، وتحركهم غرائزهم، وتسيطر عليهم أنانيتهم المفرطة.

وفي الحالة الثانية تتضاعف فاعلية القرار، ويصبح أكثر إحكاما وأكثر سلاسة في التطبيق أو التنفيذ، لأن خيال القائد صار قيمة مضافة إلى التقديرات المدروسة التي صنعتها المؤسسات.  أما الحالة الثالثة فهي غاية في الأهمية إذ إن قياس نبض الناس أو الوقوف على نتاج "العقل الجمعي" لهم، يساعد القائد على صناعة السياسة التي تتجاوب معها الجماهير، وتمتثل لها، وتتكاتف وراءها، وتسهم عن طيب خاطر في تطبيقها، خاصة إن كانت هناك مصنوعة بعناية،

 عبر مؤسسات ذات خبرة إلى جانب إلهام القائد.

والقادة المُلهَمون والمُلهِمون في تاريخ البشرية إن كان عملة نادرة، فإن تعاقب القرون جعل أعدادهم كبيرة، لا يمكن الإتيان على ذكرهم جميعا، واستعراض تجاربهم مع الخيال السياسي في هذا المقام، ولذا يمكن التقاط بعضهم، ممن يتوزعون على مسارات عدة، القائد السياسي، والقائد العسكري، والثائر الكبير، والسياسي الحكيم، والعالم الثائر.

وهاهو ونستون تشرشل، الذي يراه البريطانيون أعظم زعيم بل أعظم رجل مر في تاريخ بلادهم، يعطي مثلا ناصعا على مدى أن يكون القائد السياسي يتمتع بقدرة هائلة على توظيف الخيال في خدمة سياساته، لاسيما أن تشرشل كان فنانا مزدوج الموهبة، فهو رسام وأديب، كتب مذكراته بلغة سردية فياضة جعلت الهيئة القائمة على جائزة نوبل تمنحها له في الآداب.

ولعل بعض المقولات التي أطلقها تشرشل تبين، إن حللناها على نحو دقيق، مدى حضور الخيال في رأسه وهو يفكر في الحياة السياسية سواء في أوقات سكونها واضطرابها على حد سواء. 

فها هو يقول:

"التاريخ سيكون لطيفاً معي، فأنا أنوي كتابته"

"إن السياسي الجيد هو ذاك الذي يمتلك القدرة على التنبؤ، والقدرة ذاتها على تبرير لماذا لم تتحقق نبوءته"

"إمبراطوريات المستقبل هي إمبراطوريات العقل"

"سر الحقيقة ليس أن نفعل ما نحب، بل أن نحب ما نفعل "

"الوطن شجرة طيبة لا تنمو إلا في تربة التضحيات وتسقى بالعرق والدم"

"الذكي من لا يرتكب كل الأخطاء بنفسه، بل يترك الفرصة لغيره"

إن هذه المقولات المنتقاة من أقوال تشرشل الغزيرة، تعطي مؤشرا جيدا على حضور خياله كقائد سياسي، كان مولعا إلى حد بعيد بقراءة التاريخ في إمعان شديد، والاستفادة القصوى من عبره وعظاته، وبالتالي امتلك قدرة فائقة على تخيل ما سيأتي، فكلما كانت تعترضه مشكلات معقدة، قد يشعر غيره أنها بلا حلول، يستدعي معرفته التاريخية، ويطرح اقتراحات غير تقليدية، جعلته قائدا عظيما ليس في تاريخ بلاده فحسب، بل في تاريخ العالم بأسره، لاسيما بعد انتصاره في الحرب العالمية الثانية.

***

لا يقتصر خيال القادة المحاربين، وقدرتهم على إلهام من حولهم فقط على حالات النصر، بل يمكن للقائد أن يلهم غيره حتى بعد هزيمته، وانهيار مشروعه، لأنه يترك خلفه ما يفيد من يأتون بعده، حين يتفادون كل ما قاد إلى الهزائم، ويحفظون للقائد الذي كان له شرف المحاولة هيبته ومكانته وموقعه في تاري بلادهم.

هذه الحالة تنطبق على  سيمون بوليفار ( 1783 ـ 1830)  بطل تحرير قارة أمريكا اللاتينية، الذي تصدى للاستعمار ببسالة، بعد عشرة أجيال من الخضوع لسلطانه الظالم، وتمكن من تخليص عدة دول من بين أنيابه ومخالبه، بفضل عبقريته ومواهبه الاستثنائية وإيمانه العميق بالحرية، وقد برع في مجالات الحرب، وأبدع فيها طرقا غير مألوفة، وفي السياسة بدا زاهدا في مناصبها مكتفيا بتقديم تصورات حول الحكم والوحدة، وفي الأدب، حيث كان خطيبا بارعا، وكاتبا موهوبا، تدل على هذا رسائله التي كانت كتبها في عفوية وتلقائية. وقد ألهمت حياته الأديب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل جابرييل جارثيا ماركيز فكتب عنها رواية شهيرة عنوانها "الجنرال في متاهة".

والرجل الذي ألهب خيال بوليفار بفكرة الحرية والاستقلال هو أستاذه سيمون رودريجس، الذي علمه كيف يكره الاستعباد ويثور عليه، ونبهه إلى أهميه مطالعة ما كتبه المبشرون بالثورة الفرنسية من أمثال جان جاك روسو ومونتسكيو، وأخذ عليه عهدا فوق قمة جبل أفنتينو في روما، خلال جولتهما الأوروبية، أن يكرس حياته من أجل استقلال بلاده. 

واقترب بوليفار من نابليون بونابرت نفسه حين سافر إلى فرنسا، وتأثر به كثيرا، وصار مثله الأعلى في مقتبل حياته، بعد  أن رأى فيه رجلا مجردا من المطامع والرغبات وبطلا للحرية والإخاء والمساواة، إلى أن راجع موقفه منه بعد أن تم تتويجه إمبراطورا، ورآه يفعل كل ما يتناقض مع مبادئ الثورة.

إن خيال بوليفار السياسي كان يدفعه في طريق المحررين العظام، والقادة الملهمين لشعوبهم، وليس أولئك الذين يبحثون عن المناصب السياسية، ويجعلونها نهاية لحركة كفاحهم، ثم ينقلبون فيها وبها على كل الأفكار التي آمنوا بها. وفي الحقيقة "لم يكن لدى أي سياسي من معاصري بوليفار خلال ثورة أمريكا اللاتينية من كان لديه ما له من نفاذ البصيرة وأصالة التفكير السياسي وقدرته الخلاقة .. وإن كان من بين بعض معاصريه من كانوا يفوقونه في فن الحكم بما يتفق مع واقع ظروف الحياة في ذلك الوقت، فقد كان بفضل إلهامه وإحساسه الباطن أكثرا إدراكا للمستقبل منه للحاضر القريب." وذلك وفق كتاب خوسيه إنريكي رودو، "بوليفار".

ولهذا يصفه الأديب الأوريجوياني خوسيه أنريكي رودو، وهو من أوائل من كتبوا عن بوليفار، بقوله: "كان عظيما في تفكيره، عظيما في عمله، عظيما في مجده، عظيما في محنته، عظيما حتى في إضفاء ثوب من الجلال على ذلك الجانب المظلم الذي لا تخلو من مثله نفوس العظماء، كان في النهاية عظيما في تحمله في قوة وعزم تلك الضريبة التي قدر على عباقرة الرجال أن يدفعوها كفارة عن عظمتهم، حين تخلى عنه الجميع، وتركوه يموت وحيدا في مواجهة مصيره المكتوب".

إن خيال بوليفار جعله يوقن بأن موعد الثورة في أمريكا اللاتينية حان، ولذا تخلى عن حياته المرفهة الرخية، وراح يقلق على قدر حلمه الكبير. وقد عرف بوليفار كيف يستكشف أعماق روحه، التي امتزجت فيها البطولة بالإحساس الفني التلقائي، وهكذا "بدا منذ اليوم الأول الذي عاهد فيه نفسه على الكفاح فوق جبل أفنتينو، كأنه نبي صاعد إلى لقاء وحي ربه .. كانت روحه من طراز تلك الأرواح التي تكمن في قراراتها طريقة غريبة غامضة للتفكير والعمل تخرج عن دائرة الوعي البشري. هو من نوع أولئك الرجال الذين لا يصدر سلوكهم عن تقدير محكم متزن للأمور، وإنما عن تلك القوة الطاغية النابعة من الغريزة، من تلك الغريزة الفطرية التي تلهم النحل كيف تبني خلاياها بنظام لا نكاد نرى نظيرا لإحكامه وإتقانه مع أنه لا يخضع لقوانين المنطق الإنساني المتعارف عليها، وهكذا نرى انتصاراته الرائعة لا تقوم على ذلك التقدير الواعي للأمور، وإنما كان يكفيه فيها الإحساس المفاجئ الذي يشبه ومضة الوحي في النفوس المؤمنة، ثم التنفيذ السريع الذي لا يتوقف أمام دواعي الحذر والتلبث. أما في الهزيمة فنحن نراه وقد تزايدت شخصيته ضخامة وعظمة كما لم نر في أي بطل آخر من أبطال التاريخ. وكلما زادت فداحة الانكسار وشدته ولد ذلك في روحه قوة جديدة قادرة على مواجهة المحنة والصمود لها".

إن ما كان يدفع بوليفار إلى أن ينتصر على هزائمه هو خياله الجامح، الذي طالما ألهم من حوله، وجعله يتمكن على رأس خمسمائة رجل فقط، وبعد سلسلة من الهزائم ومطاردته من سلطات تطلبه كي تحاكمه، أن يقوم بعمل عسكري جبار استغرق مائة يوم، جعله يحمل فيما بعد لقب "محرر القارة" حين هبط من غرناطة الجديدة ( كولومبيا) إلى قصر الحاكم الأسباني في كراكاس ( عاصمة فنزويلا). وربما هذا الخيال الواسع الذي خلفه بوليفار خلفه هو الذي جعل رجلا يأتي بعده بأكثر من قرن ونصف، وهو تشي جيفارا، يحلم بأن يتمكن مع حفنة من الرجال من تخليص أمريكا اللاتينية من يد الإمبريالية الأمريكية.  

لقد كان بوليفار مبدعا في طرقه الحربية، ولم يكن هذا ممكن إلا لرجل أوتي قدرا عاليا من الخيال، فهو "لم يحارب قط كما حارب القادة العسكريون الأوروبيون، وهو لم يستلهم من أبطال التاريخ قبله شيئا إلا بعض العناصر المتفرقة المتناثرة في التجارب الإنسانية السابقة، دون أن يضع نصب عينيه تجربة بذاتها يتخذ منها نموذجا له، وهو بعد لم يخلف لنا صورة تشبه أيا من صور الأبطال السابقين .. وقد كان يستخدم أساليب عسكرية لا تقوم على علم بفنون الحرب، وإنما على الإلهام الغريزي الذي كثيرا ما يكون أقدر على الحركة من التخطيط العلمي المنظم."

وكان بوليفار يملك قدرة على النبوءة، وهو ما يدل عليه الخطاب الذي ألقاه في جامايكا عام 1815، بينما كان الغموض والشكوك تلف ثورة التحرير التي أطلقها. ففي هذه الرسالة تنبأ بمصير كل شعب من شعوب أمريكا اللاتينية الناطقة بالإسبانية، فرأى أن شعب شيلي سينعم بحياة هادئة مستقرة، وأن شعب الأرجنتين سيقع تحت وطأة نظام مستبد غاشم. 

وفي السياسة كما في الحرب انطلق خياله في اتجاهين: تمكين الشعب من القرار، ووحدة الشعوب الناطقة بالأسبانية. ففي الأولى اقترح "سلطة انتخابية" تقوم على قيام جمهور الناس بانتخاب عدد من بينهم تصل نسبته إلى عشرة في المائة، على أن يضطلع هؤلاء بمهمة اختيار موظفي أجهزة الدولة، وبذا تبقى السلطة التنفيذية خاضعة لسلطة الشعب. وفي الثانية كانت الظروف السياسية، والعقبات الجغرافية، ومصالح المتحكمين في هذه الشعوب، تمثل عائقا كبيرا حال دون تحقيق الوحدة، لكنها ظلت طيلة الوقت حلما يراود كثيرين، يتتابعون عبر السنين إلى وقتنا هذا. 

ولبوليفار عبارات تضج بالحكمة والخيال في آن، هي خلاصة تجربته الحربية والسياسية وبراعته الأدبية، من قبيل:

"الذي تأصلت فيه روح العبودية لا يمكن أن يقدر الحرية الصحيحة حق قدرها، فهو يتملكه الهياج والرغبة في التخريب إذا وقعت الفتنة، فإذا فُرض عليه إرهاب السلطة فإنه يخضع ويستكين".

"إذا لم يتوفر الاستقرار لأي مبدأ سياسي فإنه لابد أن ينتهي إلى الفساد، ولا يلبث أن ينهار من أساسه".

"الذي يريد أن يلتزم الجق في الحكم على الثورات وعلى الرجال المضطلعين بها فإن عليه أن يراقبها من قريب، ثم يحكم عليها من بعيد".

ولعل ما قاله بوليفار وهو يضع نفسه في مقارنة مع زعماء تاريخيين ما يشي بأن خياله كان ممتلئا بحلم عظيم له ولبلاده، فها هو يقول: "لست نابليون، ولا أود أن أكونه، ولست أريد أن أقلد يوليوس قيصر، وأولى بي ألا أسعى إلى تقليد أيتوربيدي ( هو طاغية أعلن نفسها إمبراطورا للمكسيك بعد استقلالها عن أسبانيا ) ولست أكتمك أنني أعتبر هذه الأمثلة أقل مما يستحقه اسمي من مجد".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: 
د. عمار علي حسن

* نشر المقال على ستة أيام في جريدة "الوطن" القاهرية

مقالات اخرى للكاتب

الفرار من الضوء