30 - 04 - 2026

في رحاب خاتم الأنبياء ﷺ ( الجزء الأول)

في رحاب خاتم الأنبياء ﷺ ( الجزء الأول)

لعل المؤرخين والكتاب غفر الله لهم لا يفارقهم هذا الحس التاريخي ولا يبرحهم هذا النمط من التفكير حتى في أقدس البقاع وأشرف الأوقات. فهم لا يستطيعون أن ينفكوا عنه ولو لحظات يسيرة، إذ يعيشون دائما في أجواء العلم والمطالعة، ويتنفسون في فضاء التاريخ والمعرفة. ومن ثم تراهم حريصين على أن يصلوا الحاضر بالماضي، وأن يردوا المشاهد الحاضرة إلى جذورها التاريخية التي نشأت عنها.

فما إن تقع أبصارهم على منظر من المناظر حتى ينطلق ذهنهم مسرعا في البحث عن ذلك المشهد التاريخي البعيد الذي كان سببا في وجود هذا المشهد وظهوره، وكأن الحاضر في أعينهم مرآة تعكس صفحات الماضي. وقد كنت بالأمس جالسا في المسجد النبوي الشريف في الروضة المباركة، أعني ذلك الموضع الذي ورد فيه الحديث النبوي الشريف: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة. وكان المكان يغص بالزائرين والعابدين، وقد وفدوا إليه بأنفس خاشعة وقلوب متطلعة إلى الرحمة والرضوان. وكان من حولي جمع غفير من المصلين والعباد، منهم من انحنى في ركوعه خضوعا، ومنهم من أطرق في سجوده تضرعا، وقد سكنت الأصوات إلا همسات الدعاء ونجوى القلوب في مشهد تتجلى فيه روح العبادة والخشوع، وتلتقي فيه قداسة المكان بصدق التوجه إلى الله تعالى.

وكانت تلاوة القرآن تتردد في أرجاء المكان ترددا عذبا كأنها طنين النحل في خلاياه، فيملأ الفضاء روحانية وسكينة. وكان المشهد في تلك اللحظات مهيبا آسرا حتى خيل إلي أن الواجب علي أن أنسى التاريخ وشخصياته برهة من الزمن، وأن أستسلم لجلال المكان وروحانيته. غير أن ذكريات التاريخ العتيقة أخذت تتداعى على قلبي وعقلي كتدافع الأمواج، فغمرت وجداني، ولم يكن لي عليها سلطان ولا إلى دفعها سبيل. وخال لي أن بعض أعلام التاريخ وقادته العظام قد بعثوا إلى حياة جديدة، فجاؤوا في وفود متتابعة، يقصدون الحضرة النبوية الشريفة، ويدخلون هذا المسجد العظيم، فيؤدون فيه فريضة الصلاة بخشوع وخضوع، ثم يقفون في أدب وإجلال يقدمون هدية السلام إلى النبي العظيم ﷺ، ويجددون عهود المحبة والوفاء، ويعبرون عن عميق الامتنان لما أسداه إلى البشرية من هداية وإحسان.

وكان هؤلاء على اختلاف ألسنتهم وبلدانهم وطبقاتهم يتحدون جميعا في كلمة واحدة وشهادة صادقة مؤكدين أنك أنت النبي الذي أخرجهم بإذن الله من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، ومن شقاء الضلالة إلى سعادة الإيمان، ومن عبادة المخلوق إلى عبادة الله الواحد، ومن جور الأديان واستبدادها إلى عدل الإسلام وقسطه، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها وآفاقها الرحبة.

وكانوا يقرون بأنهم إنما هم ثمرة الإسلام وصنيعته، وأن وجودهم بأسره وحياتهم كلها مدينة لرسالة النبوة. وأنه لو قدر لا قدر الله أن يسلب منهم كل ما أفاء الله عليهم به عن طريق هذا النبي الكريم، وأن تنزع منهم تلك العطايا النبوية التي أكسبتهم في الدنيا عزة ورفعة، لما بقي لهم من قيمة تذكر ولا شأن يعتد به. وعندئذ لن يكونوا إلا هياكل خاوية لا روح فيها ولا حياة، وخطوطا وأشكالا مبهمة لا معنى لها ولا غاية. وسرعان ما ينحدرون إلى ذلك العهد المظلم من التاريخ، حيث كان قانون الغاب هو الحاكم، وكانت قوى الظلم والاستبداد هي السائدة، قبل أن يشرق نور الرسالة ويبدد ظلمات الجهل والطغيان. ولو وقع ذلك لاندثر أثر الحضارة التي يعرفها العالم اليوم، ولتلاشى ما شيد من صروح المدنية والعمران، حتى لا يبقى لها اسم يذكر ولا رسم يرى. وفجأة ارتفعت عيناي إلى ناحية من النواحي، فإذا بي أرى جماعة تدخل من باب جبريل، وهو أقرب الأبواب إلي. كانوا قوما تغشاهم السكينة والوقار، وتشرق من جباههم أنوار العلم، وتلوح في ملامحهم دلائل الذكاء والنبوغ. ثم انتشروا في الفضاء الممتد بين باب الرحمة وباب جبريل، وكانوا من الكثرة بحيث لا يتطرق إلى الذهن إمكان حصرهم أو عدهم. فالتفت إلى البواب وسألته: من هؤلاء القوم؟ فقال: هؤلاء أئمة هذه الأمة وقادتها، ومحسنو الإنسانية، ونماذجها السامية التي يحق للبشرية أن تفخر بها. فيهم من كان إماما لأمة بأسرها، ومن كان مؤسسا لمكتبة علمية عامرة أو مدرسة فكرية راسخة، ومن كان هاديا لأجيال متعاقبة، ومبدعا لعلوم وفنون جديدة. وما تزال آثارهم الخالدة وروائعهم الباقية شاهدة على عظمتهم إلى يوم الناس هذا، ترى في ميادين العلم والمعرفة، وتشهد بما خلفوه للبشرية من تراث زاخر وإنجازات جليلة لا يطويها الزمان.

وفي ضوء علومهم واجتهاداتهم وتحقيقاتهم، سارت أجيال متعاقبة في دروب الحياة مستضيئة بأنوارهم، مسترشدة بتراثهم العلمي الزاخر. ثم بادر الحارس على عجل فذكر لي أسماء طائفة من تلك القمم الشامخة، فقال: هؤلاء الإمام مالك، والإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والليث بن سعد المصري، والإمام الأوزاعي، والإمام البخاري، والإمام مسلم، وتقي الدين ابن تيمية، وابن قدامة، وأبو إسحاق الشاطبي، وكمال ابن الهمام، وشاه ولي الله الدهلوي رحمهم الله جميعا. وعلى الرغم مما كان بين هذه الشخصيات الجليلة من تفاوت في الأزمنة التي عاشوا فيها، وفي الأوطان التي نشؤوا بها، وفي مراتبهم العلمية ومنازلهم الدينية، فقد جمعهم في ذلك المشهد الجليل مقصد واحد وروح واحدة، إذ وقفوا في رحاب الحضرة النبوية الشريفة يقدمون خالص الولاء وصدق المحبة، ويجددون العهد للنبيﷺ، ويعبرون بدموع الخشوع والندم عن عميق اعترافهم بفضله، وإقرارهم بما أسداه إلى الإنسانية من هداية ورحمة. ورأيت أنهم استهلوا موقفهم بأداء ركعتي تحية المسجد، فصلوهما في خشوع عميق وخضوع صادق، وقد امتلأت قلوبهم بحضور كامل واستشعار لجلال المقام. ثم تقدموا في أدب جم وتواضع ظاهر نحو المرقد المبارك، فوقفوا بين يديه وقفة المهابة والإجلال، يقدمون السلام بكلمات قليلة الألفاظ، جليلة المعاني، بعيدة الغور، زاخرة بالحكمة والمغزى. ولا يزال يخيل إلي أن أصواتهم في تلك اللحظات ما زالت ترن في سمعي إلى اليوم، فقد كانت أعينهم تفيض بالدموع، وأصواتهم مشوبة برقة وخشوع، وهم يقولون:

يا رسول الله، لولا شريعتك الخالدة الواسعة الجامعة، العادلة الرحبة، ولولا تلك الأصول الراسخة التي أرستها، والتي فتحت للعقول الإنسانية آفاق الاجتهاد والإبداع، لما أزهرت الأذهان بتلك المعارف الغزيرة، ولا ازدان وجه الدنيا بتلك الثمار الزكية التي ملأت آفاقها علما وحكمة ونورا، وجعلت الحضارة الإنسانية أكثر إشراقا وسموا. ولولا ذلك النظام الحكيم المتوازن الذي أرسيته، والذي أيقظ في الإنسان ملكة الفكر والتدبير، وأثار فيه قدرة الأخذ والاستنباط، لما انطلقت تلك الطاقات العلمية الخلاقة، ولا تفتحت أمام العقل الإنساني آفاق الاجتهاد والابتكار. ولولا أن هذه الشريعة لبت حاجة أصيلة من حاجات الإنسانية، لما كان لهذا الفقه العظيم أن يرى النور، ولا قام ذلك البناء الشامخ من القانون الإسلامي الذي ما تزال الأمم إلى اليوم تفتقر إلى نظيره في شموله وعدالته واتساع أفقه. لما نشأ ذلك التراث العلمي الهائل، ولا وجد ذلك الكنز المعرفي الضخم الذي يزدان به التاريخ الإسلامي، والذي يقف أمامه ما عرفته الأمم من الآداب الدينية وقفات الإعجاب والإكبار. ولو لم تكن دعوتك الصادقة الملحة إلى نشر العلم، والتأمل في آيات الله، والتفكر في دلائل قدرته، وإعمال العقل في فهم سننه في الكون والحياة لما ازدهرت هذه الحضارة العلمية ردحا طويلا من الزمن، ولا أثمرت أغصانها تلك الثمار اليانعة، ولا امتد ظلها الوارف ليحيط بآفاق الإنسانية كما نشهده اليوم. ولولا ذلك النور الذي أشرق به العالم على يديك، لبقي العقل الإنساني أسيرا في قيود الجهل، مكبلا في ظلمات الوهم والتقليد كما كان في عصور مضت، لا يكاد ينطلق في ميادين الفكر والمعرفة، ولا يظفر بشيء من إشراق الهداية ونور الحقيقة. ولم أكد أستوفي النظر إلى تلك الجماعة وأتشبع برؤيتها حتى وقعت عيناي على جماعة أخرى كانت تدخل من باب الرحمة متجهة إلى داخل المسجد. وكانت آثار الصلاح والتقوى، والزهد والعبادة، بادية بوضوح على وجوههم وسماتهم تشهد بما وقر في قلوبهم من خشية وإخلاص. فقيل لي: إن في هذه الجماعة الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وسفيان الثوري، والفضيل بن عياض، وداود الطائي، وابن السماك، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ نظام الدين الأولياء، وعبد الوهاب المتقي، وغيرهم من أولئك الأعلام الذين أعادوا إلى الأذهان ذكرى السلف الصالح، وجددوا في النفوس معاني الزهد والورع، وأحيوها بسيرتهم العطرة وأعمالهم الصالحة. فلما أدوا الصلاة، تقدموا هم أيضا نحو القبر المبارك، فوقفوا في أدب وإجلال، يقدمون إلى النبي الكريم ﷺ هدية الصلاة والسلام، إلى نبيهم وقدوتهم، وأعظم معلم وهاد عرفته البشرية. وكانت كلماتهم تنبع من قلوب مفعمة بالمحبة والتعظيم، وهم يقولون:

يا رسول الله، لولا تلك القدوة العملية التي جسدتها في حياتك الطاهرة، ولولا ذلك المنار الهادي الذي أقمته نورا لمن جاء بعدك، لما اهتدينا إلى سواء السبيل. ولولا قولك البليغ: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، ولولا وصيتك الحكيمة أن يعيش المرء في هذه الدنيا عيشة الغريب أو عابر السبيل، لما استطعنا أن نؤثر الآخرة على الدنيا، ولا أن نرضى من الحياة بالكفاف والقليل. ولولا ذلك النهج الزاهد الذي عرفت به حياتك، والذي وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها: كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال، وما يوقد في بيوت رسول الله نار، لما قدرنا على التخفف من أثقال الدنيا، ولا على اتخاذ القناعة شعارا لحياتنا. ولما استطعنا أن نكبح جماح النفس عن شهواتها، ولا أن نقف في وجه فتنة الدنيا بما فيها من حسن وجمال، وما يزدان به ظاهرها من بهاء وزينة، ولا أن نقاوم ما في الجاه والسلطان من قوة الجاذبية وسحر التأثير. ولم تكد كلماتهم الحكيمة تستقر في أعماق قلبي وعقلي حتى وقعت عيناي على جماعة أخرى كانت تمر من باب النساء في غاية الوقار والأدب. وكانت هذه الجماعة بمنأى تام عن مظاهر الزينة المتكلفة وألوان التحرر المنفلت التي تتنافى مع روح الآداب الإسلامية ومبادئها. وإذا بهن نسوة صالحات عابدات، عفيفات طاهرات، قد وفدن من أمم شتى وأقطار متباعدة من العرب والعجم، ومن مشارق الأرض ومغاربها. وكانت سيماء الحياء والسكينة مرتسمة على وجوههن، وهن يعبرن في صوت خافت مفعم بالأدب والوقار عن مشاعرهن الصادقة المليئة بالمحبة والعرفان، فقلن: نحن نبعث إليك يا رسول الله أطيب الصلاة وأزكى السلام. إن درود هذه الفئة من النساء وسلامهن عليك شهادة صادقة بعظيم إحسانك إليهن، فقد خلصتنا بعون الله من قيود الجاهلية وأغلالها، ومن عاداتها القاسية وتقاليدها الجائرة، ومن ظلم المجتمع واستبداد الرجال وقسوة الأعراف. فأنت الذي أبطلت عادة وأد البنات، وقضيت على تلك الجريمة التي كانت تسلب الفتاة حقها في الحياة. وأنت الذي عظمت شأن الأم، وحذرت من عقوقها، ورفعت منزلتها حتى قلت: الجنة تحت أقدام الأمهات، فغدت الأم في ظل رسالتك موضع تكريم وإجلال، ونالت المرأة بفضل هدايتك ما لم تنله في تاريخها من كرامة ورفعة.

وقد جعلتنا شريعتك شركاء في الميراث، فأعطيت للمرأة نصيبها بوصفها أما وبنتا وأختا وزوجة. ولم تنسنا في خطبتك التاريخية يوم عرفة، حين قلت: اتقوا الله في النساء، مذكرا الأمة بحقوقهن، ومحذرا من ظلمهن، ومبينا أنهن أمانة استحلها الرجال بكلمة الله. كما رغبت في مناسبات شتى في حسن معاشرة النساء، وأداء حقوقهن، والرفق بهن في الحياة.

فنسأل الله تعالى أن يجزيك عنا - نحن معشر النساء - خير الجزاء وأوفاه وأكمله، ذلك الجزاء الذي يليق بالأنبياء والمرسلين عليهم السلام وبعباد الله الصالحين. وما زالت تلك الأصوات الرقيقة تتردد في سمعي حتى لاح لي وفد آخر مقبل من جهة باب الإسلام. فالتفت إليهم، فإذا هم جماعة من أئمة العلوم والفنون، ورواد اللغة والبيان، الذين شيدوا صروح النحو والبلاغة، وأرسوا قواعدها وأصولها. وكان فيهم أبو الأسود الدؤلي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه، والكسائي، وأبو علي الفارسي، وعبد القاهر الجرجاني، والسكاكي، ومجد الدين الفيروزآبادي، والسيد مرتضى الزبيدي. وقد قدموا جميعا يحملون تحية علومهم، ويؤدون خراج الوفاء والاعتراف لما بلغوه من منزلة علمية سامية ومكانة رفيعة في تاريخ المعرفة. ورأيتهم يقفون في أدب وإجلال، وكأن البيان قد استقر على ألسنتهم، يتكلمون بكلمات بليغة رصينة، وصياغة أدبية فخمة يعبرون بها عن امتنانهم العميق، وهم يقولون: يا رسول الله، لولا بعثتك المباركة، ولولا هذا الكتاب المقدس الذي أنزل عليك هدى للبشرية ونورا للعالمين، ولولا أحاديثك الشريفة، ولولا هذه الشريعة الغراء التي خضعت لها القلوب قبل الأعناق، وأذعنت لسلطانها الأمم والشعوب حتى اندفعت إلى تعلم العربية والتفقه في أسرارها، لما نشأت تلك العلوم التي نلنا فيها اليوم شرف الإمامة والريادة. فلولا ذلك كله لما قام علم النحو، ولا ازدهرت علوم البيان والبلاغة، ولا ظهرت تلك المعاجم الجليلة وكتب اللغة الزاخرة، ولا برزت تلك اللطائف البيانية والدقائق اللغوية التي أبدعها العلماء في استجلاء أسرار العربية وكنوزها. ولما استيقظت في النفوس تلك الهمة العالية، ولا انبعث ذلك الشغف العميق الذي دفع العلماء إلى بذل الجهود المضنية، والسعي الدؤوب في خدمة هذا اللسان الكريم. إذ لو لم يكن هذا الدين الذي جعل العربية وعاء رسالته ولسان هدايته، لما وجد الناس وهم أصحاب لغات ولهجات لا حصر لها باعثا يحملهم على تعلمها وإتقانها. ولما ظهر أولئك المصنفون الأعلام، وأرباب البيان وأهل القلم، الذين شهد لهم أهل اللغة أنفسهم بالبراعة والاقتدار، وأقروا بفضلهم في الفصاحة والبلاغة، واعترفوا بما بلغوه من نبوغ أدبي وذكاء لغوي فذ حتى غدوا أعلاما تهتدي بهم الأجيال، وتقتفي آثارهم في ميادين العلم والمعرفة.
-----------------------------------------------
بقلم: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي
ترجمة: أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

التصور الأصيل لنظام الزكاة في الشريعة الإسلامية