في الوقت الذي كانت فيه سماء المنطقة تشتعل بوميض الضربات الإيرانية التي استهدفت شل حركة القواعد الأمريكية، وبينما كانت شوارع عربية عديدة تضج بهتافات الفرح، انفتحت جبهة أخرى لا تقل ضراوة في الفضاء الرقمي. فخلف الشاشات، ارتفعت أصوات سعوديين وخليجين نجلهم ومقيمين يخافون على مستقبلهم، معتبرين أن ذاك الفرح المتدفق ليس مجرد انتصار لضرب القواعد، بل هو "شماتة" مبطنة تستهدف استقرار الدول العربية قبل أي شيء آخر.
يخطئ من يقرأ المشهد السياسي في منطقتنا بعيون غريبة، أو بنظرة سطحية تحيل مواقف الشعوب إلى محض "حقد" أو "مشاعر مكبوتة". إن ما نعيشه اليوم هو صراع إرادات، تحاول فيه القوى الكبرى تصوير انتصاراتها الوهمية على حساب جراحنا، بينما تبحث الشعوب عن كرامتها الضائعة بين مطرقة الهيمنة وسندان القواعد العسكرية.
وحين يخرج "ترامب" مدعيا أن التهدئة الإيرانية تجاه دول الخليج هي ثمرة لسطوته ونصر شخصي له، فهو يمارس "فن التزييف"؛ فالحقيقة أن ما يسميه "اعتذارا" لم يكن خضوعا لرهبته، بل كان "مناورة سيادية" تهدف لعزل القواعد الأمريكية وتحييد الجغرافيا العربية عن صراع الميدان.
إيران تدرك أن استقرار الجوار هو مصلحة حيوية، تجعلهم يركزون فى المواجهة وتوجيه فوهة البندقية نحو (واشنطن) و "تل أبيب" دون الانجرار لحرب مع "الوكيل" أو الشقيق.
إنها عملية "إخلاء لساحة المعركة" من الأطراف العربية، لتصبح المواجهة وجها لوجه مع الثكنات العسكرية التي استوطنت الأرض.
القاعدة ليست "الدار"
من هنا، يبرز الخطأ الفادح في اتهام الشعوب العربية (والمصريين خاصة) بـ "الحقد" حين يستبشرون بضرب القواعد الأمريكية. إن هذا الاتهام هو تجن يخلط بين "الدولة" وبين "المعسكر الأجنبي" الجاثم فوق ترابها.
الفرح ليس في الجار الذى نتمنى له الخير والسلامة.. الشعوب لا تتمنى زوال النعمة عن أشقائها في الخليج، بل تتوق لرؤية "انكسار الخارطة" التي استعلت عليهم لعقود.
فحين يفرح العربي لضربة تطال قاعدة أجنبية، فهو لا يرى فيها اعتداء على "الرياض" أو "الكويت" أو "أبو ظبي"، بل يراها هزة لعرش القوة التي تمد الكيان الصهيوني بأسباب التنكيل في غزة وبيروت.
إن الزعم بأن هذا الابتهاج هو "تنفيس عن كراهية" هو تسطيح لوعي أمة ترى في تلك القواعد "مخافر" متقدمة لحماية مصالح الغرب.
"إن من يفرح لترنح الغريب فوق أرض عربية، إنما يفرح رغبة في رؤية تلك الأرض حرة، سيدة، لا تحتاج لظلال القواعد لتحمي حماها."
المصري المقيم في الخليج، أو الصديق الذي يقرأ المشهد كأنه خصومة شخصية، يغفل عن أن "البوصلة" العربية اليوم لم تعد تقبل بالوصاية. نحن لا نكره الأشقاء، بل نكره أن يكون شجر الأشقاء مظلة لسلاح العدو.
فما يصفه ترامب بالانتصار هو في الواقع "انكماش لهيبة قواعده"، وما يصفه البعض بالحقد هو في الحقيقة "أمل في السيادة". فجميع الشعوب العربية تحلم بالوحدة وتحترم حدود الجار، لكنها تمقت قيود المستعمر. القواعد هي الهدف، والسيادة هي المطلب، وما عدا ذلك ليس سوى ضجيج انتخابي أو قراءة قاصرة لوجدان أمة لا تزال تنبض بالرفض.
----------------------------------
بقلم: د. سامى البلشي







