سلّط عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ووزير الخارجية الصيني وانغ يي الضوء على ملامح السياسة الخارجية الصينية ومواقف بكين من القضايا الدولية المختلفة، وذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في 8 مارس على هامش اجتماعات الدورتين السنويتين في الصين، حيث تناول قضايا الدبلوماسية لخدمة الشعب، والعلاقات مع دول الجوار، والعلاقات الصينية الأمريكية، وإصلاح نظام الحوكمة العالمية، إضافة إلى الأوضاع في الشرق الأوسط ومستقبل التعاون في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وأكد وانغ يي أن خدمة الشعب تمثل الغرض الثابت للدبلوماسية الصينية، مشيرًا إلى أن بناء منظومة الصين الآمنة في الخارج يعد مسعى دائمًا للدبلوماسيين الصينيين في العصر الجديد. وأوضح أنه خلال العام الماضي تعاملت وزارة الخارجية الصينية مع أكثر من 100 حادث مفاجئ مهم يتعلق بالمواطنين والمؤسسات الصينية في الخارج، إضافة إلى أكثر من 79 ألف قضية تتعلق بالحماية والمساعدة القنصلية. كما تلقت الوزارة أكثر من 600 ألف مكالمة عبر الخط الساخن للحماية القنصلية 12308، وأصدرت أكثر من 3000 تنبيه أمني للمواطنين الصينيين خارج البلاد.
وأضاف أن السلطات الصينية نجحت في إنقاذ أكثر من 50 مواطنًا صينيًا تعرضوا للاختطاف في إفريقيا، كما تعاونت مع دول الجوار لمكافحة القمار عبر الإنترنت وعمليات الاحتيال السيبراني، ما أسفر عن إعادة عشرات الآلاف من الأفراد إلى الصين سواء قسرًا أو طوعًا.
وأشار إلى أن الصين حافظت بحزم على الحقوق والمصالح المشروعة للشركات الصينية في الخارج، ودعت حكومات الدول المستضيفة إلى تأمين المشاريع الصينية والعاملين فيها، كما اتخذت إجراءات مضادة حازمة في مواجهة الضغوط غير المبررة التي تتعرض لها الشركات الصينية وساعدتها على تعزيز قدرتها على إدارة المخاطر وحماية حقوقها وفقًا للقانون.
وأوضح أن الدبلوماسيين الصينيين يواصلون أداء مهامهم في ظروف صعبة، إذ يعمل بعضهم لفترات طويلة في مناطق الحروب والاضطرابات، ويواجه آخرون مخاطر الأوبئة والأمراض يوميًا، بينما يعيش البعض في مساكن مؤقتة أو في مناطق مرتفعة تعاني نقصًا حادًا في الأكسجين.
وأكد أن سفارات الصين وقنصلياتها في إيران ودول الخليج تبذل جهودًا كبيرة في الوقت الراهن لإجلاء وتأمين المواطنين الصينيين، مشددًا على أن الدبلوماسيين الصينيين يحمون مواطني بلادهم أينما يرفرف علم الصين.
وأضاف موجّهًا رسالة للمواطنين الصينيين في الخارج: «إن العالم أمامكم يشهد الفوضى والاضطرابات، لكن الوطن الأم خلفكم يحفظ الاستقرار ويقدم الضمانات»، مؤكدًا أن الصين ستواصل وضع الشعب في صدارة أولوياتها وتعزيز قدراتها على حماية مواطنيها في الخارج وبناء منظومة عالمية للوقاية من المخاطر الأمنية.
وفي ما يتعلق بدبلوماسية الصين تجاه دول الجوار، أكد وانغ يي أن فلسفة التساند والتآزر والصداقة وحسن الجوار متجذرة في تقاليد وثقافة الصين، وأن دول الجوار تأتي دائمًا في صدارة أولويات السياسة الخارجية الصينية.
وأشار إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ طرح في العصر الجديد مفهومًا دبلوماسيًا تجاه دول الجوار يقوم على مبادئ الحميمية والصدق والترابط والتسامح.
كما عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني لأول مرة مؤتمرًا مخصصًا للعمل مع دول الجوار، تم خلاله طرح أهداف جديدة لبناء مجتمع المستقبل المشترك مع هذه الدول.
وأوضح أن العالم يشهد اليوم مرحلة مضطربة، إلا أن آسيا ما زالت تحافظ على قدر كبير من الاستقرار والنمو السريع، حيث تجاوزت مساهمة المنطقة في نمو الاقتصاد العالمي 60% خلال العام الماضي. وأكد أن هذا الإنجاز لم يتحقق بسهولة، بل جاء نتيجة الجهود المشتركة بين الصين ودول الجوار.
وأضاف أنه رغم وجود تغيرات سياسية دورية وقضايا تاريخية معقدة في المنطقة، فإن الأساسيات لم تتغير، وفي مقدمتها روح حسن الجوار والتوجه العام نحو التعاون والكسب المشترك.
وأكد أن أحد الأسباب الرئيسية للاستقرار في المنطقة يتمثل في التزام الصين بفلسفة الوئام مع الجوار وطمأنتهم وإثرائهم، داعية إلى الإقليمية المنفتحة والتعددية الحقيقية. وأوضح أن الصين أثبتت أنها مرساة للأمن في المنطقة ومحرك رئيسي لتنميتها وازدهارها.
وفي سياق العلاقات الدولية، تطرق وزير الخارجية الصيني إلى العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، مؤكدًا أن هذه العلاقات تؤثر في العالم بأسره.
وقال إن قطع التواصل بين البلدين لن يؤدي إلا إلى زيادة سوء الفهم وسوء التقدير، في حين أن المواجهة والصراع بينهما سيلحقان أضرارًا جسيمة بالعالم.
وأشار إلى أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية دولتان كبيرتان لا يمكن لأي منهما تغيير الأخرى، لكن يمكنهما تغيير طريقة تعاملهما معًا عبر الالتزام بمبدأ الاحترام المتبادل، والدفاع عن التعايش السلمي باعتباره خطًا أحمر، والسعي نحو التعاون والكسب المشترك بما يخدم مصالح الشعبين ويلبي تطلعات المجتمع الدولي.
وأضاف أن التواصل بين رئيسي البلدين ساهم في الحفاظ على مستوى جيد من الحوار الاستراتيجي، ما وفر ضمانة مهمة لاستقرار العلاقات الثنائية رغم ما شهدته من تقلبات.
وأشار إلى أن عام 2026 سيكون عامًا مهمًا للعلاقات بين البلدين، حيث يجري الإعداد لسلسلة من الاتصالات رفيعة المستوى، مؤكدًا ضرورة أن يعمل الجانبان على إدارة المخاطر وتجنب التشويشات والعمل بصدق لبناء تعاون أوسع وتقليص الخلافات.
وفيما يتعلق بنظام الحوكمة العالمية، شدد وانغ يي على أهمية تعزيز دور الأمم المتحدة وإحيائها باعتبارها الركيزة الأساسية للنظام الدولي.
وأوضح أن العالم يواجه اليوم تحديات متعاقبة وأزمات حوكمة واضحة، وأن مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينغ تقوم على خمسة مبادئ أساسية تشمل المساواة في السيادة، وسيادة القانون على المستوى الدولي، وتعزيز التعددية، ووضع الإنسان في المقام الأول، والتركيز على العمل المشترك.
وشدد على أن الرسالة الأساسية للمبادرة تتمثل في ضرورة الحفاظ على الدور القيادي للأمم المتحدة وتعزيزه، مشيرًا إلى أن العالم سيكون أسوأ حالًا في غيابها.
كما دعا إلى إصلاح نظام الحوكمة العالمية بما يتناسب مع التحولات الدولية في القرن الحادي والعشرين، خاصة من خلال تعزيز تمثيل دول الجنوب العالمي ومنحها صوتًا أكبر في إدارة الشؤون الدولية.
وفيما يتعلق بالأوضاع في الشرق الأوسط، تطرق وانغ يي إلى التطورات في إيران، مؤكدًا أن الموقف الصيني يقوم على مبدأ واضح يتمثل في وقف إطلاق النار ومنع الحرب. واستشهد بمقولة صينية قديمة مفادها أن «الحرب أداة خطيرة ويجب الحذر من اللجوء إليها».
وأكد أن الشرق الأوسط الغارق في نيران الصراعات لن يحقق أي طرف فيه مكاسب حقيقية، مشيرًا إلى أن استخدام القوة لا يمثل حلاً للمشكلات، بل يؤدي إلى مزيد من الكراهية والأزمات.
وأوضح أن إيجاد حل مناسب للأوضاع في إيران والشرق الأوسط يتطلب الالتزام بعدة مبادئ أساسية، من بينها احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ورفض استخدام القوة بشكل تعسفي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والعمل على حل القضايا عبر الوسائل السياسية والحوار.
كما دعا الدول الكبرى إلى لعب دور إيجابي وبناء في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.
وأكد أن الصين، باعتبارها صديقًا مخلصًا وشريكًا استراتيجيًا لدول الشرق الأوسط، مستعدة للعمل مع دول المنطقة لتنفيذ مبادرة الأمن العالمي بما يعيد النظام إلى الشرق الأوسط ويحقق الأمن لشعوبه والسلام للعالم.
كما استعرض وزير الخارجية الصيني تطلعات بلاده لاستضافة اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ هذا العام، مؤكدًا أن الصين ستستضيف الاجتماع للمرة الثالثة بعد اجتماعي شنغهاي عام 2001 وبكين عام 2014، فيما سيعقد الاجتماع المقبل في مدينة شنتشن.
وأوضح أن شعار الاجتماع سيكون «إقامة مجتمع المستقبل المشترك في آسيا والمحيط الهادئ وتعزيز الازدهار المشترك»، مع التركيز على ثلاثة محاور رئيسية هي الانفتاح والابتكار والتعاون.
وأشار إلى أن الصين ستنظم أكثر من 300 فعالية في مختلف المدن الصينية بمشاركة اقتصادات أعضاء المنتدى لتعزيز التعاون الإقليمي.
واختتم وانغ يي تصريحاته بالتأكيد على أن الدبلوماسية الصينية تقف بحزم إلى الجانب الصحيح من مسيرة التاريخ، مشيرًا إلى أن العالم يشهد تحولات غير مسبوقة منذ قرن من الزمان، في ظل تزايد الصراعات والتحديات الدولية.
وأكد أن الصين، تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، ستواصل الدفاع عن سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية، والعمل على تعزيز سيادة القانون الدولي والعدالة والإنصاف، ومعارضة الأحادية وسياسات القوة والتنمر الدولي، بما يسهم في تحقيق السلام والتنمية والتعاون والكسب المشترك وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.






