22 - 03 - 2026

اعتراف | الكلمة تعجز عن إصلاح ما أفسدته القرون

اعتراف | الكلمة تعجز عن إصلاح ما أفسدته القرون

خمسة عقود كاملة مرّت وأنا أحاول أن أوقظ الوعي في هذا المجتمع.

خمسون عامًا من الكتابة والمشقة والحلم.

كتبتُ ما يقارب مائتي كتاب، وكتبتُ للإذاعة والتلفزيون والمسرح والرواية، وكتب الباحثون عن تجربتي نحو مئةٍ وخمسين رسالة ماجستير ودكتوراه.

كنتُ أظن — في سنوات الحماسة الأولى — أن الكلمة قادرة على أن تفتح نافذة في جدار العتمة.

لكنني اكتشفت، بعد عمرٍ كامل، أن المجد في هذه البلاد كثيرًا ما يذهب إلى الجهلاء، وأن الضمير الجمعي ما زال غارقًا في طبقاتٍ سميكة من الغفلة والتخلف.

لم أكن الأول في هذا الطريق.

جئتُ بعد رجالٍ عظام حاولوا قبلي أن يقولوا الحقيقة، وأن يوقظوا هذا العقل الجمعي من سباته الطويل:

الشيخ محمد عبده، والمفكر الرائد رفاعة رافع الطهطاوي، والجغرافي الفيلسوف جمال حمدان، والشاعر المتمرد نجيب سرور… وغيرهم كثيرون ممن دفعوا أثمانًا باهظة لأنهم قالوا ما ينبغي أن يُقال.

واليوم أقولها بصدقٍ كامل:

ربما كنتُ واحدًا من الذين حاولوا… ولم ينجحوا.

الآن فقط أفهم لماذا اختار جمال حمدان العزلة في سنواته الأخيرة، ورفض أن يقابل أحدًا، حتى أنه رفض لقاء الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل.

لم تكن تلك العزلة غرورًا، بل كانت — في الأغلب — حزن مفكر أدرك أن المجتمع الذي يحبه لا يريد أن يسمع.

وقبله بقرون عاش المؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي مرارة مشابهة،

وقبل الجميع حاول الشيخ محمد عبده أن يخاطب الناس في مئات المقالات، حتى انتهى به الأمر إلى الصمت، بعد أن أدرك أن الكلمات أحيانًا تعجز عن إصلاح ما أفسدته القرون.

الآن فقط أفهم تلك العزلات.

وأشعر أنني أسير ببطء في الطريق نفسه.

أتذكر عبارة جمال حمدان حين قال:

«أشك أن ينصلح حال هذا المجتمع».

أما أنا، فلم يعد عندي شك.

تحوّل الشك، مع الزمن، إلى يقينٍ ثقيل.

كأن الخلل أعمق من السياسة، وأقدم من الحكومات، وأرسخ من الشعارات؛

خللٌ قديم يتكرر منذ اللحظة التي قُتل فيها أخناتون، وكأن تاريخًا طويلًا تعوّد أن يقتل حالمِيه ومفكريه.

فإذا كان وطنٌ لا يحتفي بالشرفاء،

ولا يصغي إلى العلماء،

ولا يتذكر شهداءه إلا قليلًا…

فربما يكون الصمت، في النهاية، أكثر كرامة من الكلام.

لهذا…

أنسحب بهدوء.

لا صراخ في الانسحاب،

ولا ضجيج.

فقط صمت رجلٍ ظن يومًا أن الكلمة يمكن أن تغيّر العالم.
--------------------------------
بقلم: السيد حافظ
* نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك

مقالات اخرى للكاتب

اعتراف | الكلمة تعجز عن إصلاح ما أفسدته القرون