11 - 03 - 2026

الشرك والتوحيد

الشرك والتوحيد

يكشف التأمل في آيات القرآن الكريم أن الأمم التي آمنت برسل الله وأنزلت عليها الكتب السماوية، إذا انحرفت عن جادة التوحيد ووقعت في مهاوي الشرك، فإنها تحرم من فيض رحمة الله، وتبتلى بالذل والهوان في حياتها الدنيا. وقد عرض القرآن الكريم نموذجا واضحا لذلك في قصة بني إسرائيل حين اتخذوا العجل معبودا، فقال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (الأعراف: 152)

أي إن الذين انحدروا إلى عبادة العجل سينالهم غضب من ربهم كما تحيط بهم المهانة والذلة في هذه الحياة الدنيا، فذلك هو الجزاء الذي يجري به حكم الله في حق المفترين، الذين يختلقون على الله ما ليس من الحق. وفي المقابل، يقرر القرآن الكريم بوضوح أن التوحيد الخالص سبيل العزة والرفعة، ومصدر القوة والتمكين، وسبب استقرار الدين وانتشار الأمن والطمأنينة. قال الله تعالى:

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (النور: 55).

أي إن الله سبحانه وتعالى وعد الذين آمنوا منكم إيمانا صادقا، وأتبعوه بالأعمال الصالحة، أن يجعل لهم الخلافة في الأرض، وأن يمنحهم التمكين فيها كما منح ذلك للأمم الصالحة من قبلهم، وأن يرسخ لهم دينهم الذي ارتضاه لهم، فيجعله قوي الأركان، ثابت الدعائم، ظاهر الغلبة.

قال الله تعالى:

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).

أي إن الله تعالى سيمكن للدين الذي ارتضاه لهم ـ وهو الإسلام ـ فيرسخه ويمنحه القوة والتمكين، ويبدل حالهم من خوف واضطراب إلى أمن وطمأنينة على شرط واضح جلي، وهو أن يعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئا. فمن جحد هذه النعمة بعد تحقق هذا الوعد الإلهي، فإن أولئك هم الخارجون عن حد الطاعة والاستقامة. وقد شهد القرآن الكريم ـ بعبارات صريحة لا لبس فيها ـ لأولئك الذين كانوا أول من حقق هذا الشرط تحقيقا كاملا بعد نزول القرآن، وهم صحابة رسول الله ﷺ. كما أن صفحات التاريخ نفسها قد أقرت هذه الحقيقة بإجلال، وانحنت لها احتراما وتصديقا.

قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: 26).

أي تذكروا حالكم يوم كنتم قلة ضعيفة في الأرض، تحسبون من المستضعفين، وتخشون أن تنقض عليكم الأمم من حولكم فتستأصلكم. فآواكم الله إلى مأمن يضمكم، وأيدكم بنصره، وقوى شوكتكم، وأغدق عليكم من طيب الرزق رجاء أن تقابلوا هذه النعم بالشكر والاعتراف بالفضل.

بعض المعتقدات والممارسات الشركية:

مهما بدت هذه الحقيقة مرة أو غير مستساغة، بل وربما بدت غريبة على مسامع كثير من الناس، فإنها تظل حقيقة لا ينبغي إنكارها، إذ إن بين المسلمين ـ في بعض البيئات والأحوال ـ قد ظهرت بعض المعتقدات والممارسات التي تلامس حدود الشرك كما لا يمكن إنكار وجود مظاهر من الشرك الجلي في بعض التصورات والأعمال.

والاعتراف بهذه الحقيقة لا يتطلب أكثر من قدر يسير من الفهم المتدبر لكتاب الله تعالى مع شيء من الشجاعة الأخلاقية التي تدفع صاحبها إلى مواجهة الواقع بصدق وتجرد. فإذا كان للشرك حقيقة ثابتة في ميزان الشرع، فإنه ليس كالعنقاء، ذلك الطائر الأسطوري الذي لا وجود له إلا في الخيال، بل هو أمر واقعي قد يتجلى في بعض المعتقدات أو السلوكيات إذا انحرفت عن صفاء التوحيد.

وإذا كانت للأمم والملل جميعا موازين واحدة للعدل، ومقاييس ثابتة للإنصاف، فلا يسوغ لأحد أن ينكر حقيقة واضحة، وهي أن طائفة غير قليلة من المسلمين إما بتأثير البيئة والعادات الموروثة، أو نتيجة ضعف العلم وقصور الدعوة الصحيحة، قد انزلقت إلى نوع من الضلال الفكري والانحراف العملي الذي سماه القرآن الكريم صراحة شركا.

فإن ساور أحدا شك في ذلك، أو كان يعيش في عالم من الأوهام والتصورات البعيدة عن واقع الناس، فليتوجه إلى أحد المزارات التي يفد إليها الخلق، أو ليشهد أحد المواسم والاحتفالات المقامة عند القبور، ثم لينصت إلى ما يتردد هناك من أقوال ومعتقدات، وليتأمل تلك التصورات الراسخة في أذهان كثير من العامة، بل وأحيانا في أذهان بعض الخاصة، تجاه الأولياء والصالحين وكبار مشايخ الطرق.

فعندئذ يتبين له بجلاء أن كثيرا من الناس قد نسبوا إلى أولئك الصالحين من صفات الأفعال الإلهية ما لا يليق إلا بالله سبحانه، فنسبوا إليهم القدرة على الخلق، وإيجاد العالم من العدم، والتصرف في شؤون الكون حتى كأنهم لم يتركوا من خصائص الربوبية وصفاتها إلا وألحقوها بهم. ثم تجاوز الأمر حدود الاعتقاد إلى ميدان العمل والسلوك، إذ يمارس بعضهم تجاه تلك الشخصيات أنواعا من التعظيم والعبادات التي لا ينبغي أن تصرف إلا لله تعالى من السجود والدعاء والاستغاثة وطلب العون، فجعلوا ما هو من خالص حقوق الله تعالى مشتركا بينهم وبين تلك الذوات.

احملوا القرآن الكريم بين أيديكم، ثم توجهوا إلى إحدى المدن الكبرى أو إلى أحد المراكز التي يغلب فيها الإفراط في الاعتقاد، وامتحنوا الأمر بأنفسكم في ضوء هداية القرآن. عندئذ ستتكشف لكم الحقيقة بجلاء. وفي مثل هذه الأوضاع، أي رجاء يمكن أن يعلق على الحفظ والنصر والتأييد الإلهي في ظل هدي القرآن الخالص؟ وأي جدوى يمكن أن ترتجى من التدابير الظاهرة التي يتخذها قادة الأمة وزعماؤها، ما دامت شروط الأمن والحماية نفسها قد ربطها الله تعالى بشرط صريح لا لبس فيه، وهو قوله سبحانه:

﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: 55)

أي: أن يعبدوني وحدي، ولا يشركوا بي شيئا.

وفي هذا السياق، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق العلماء والوعاظ وأهل الدراية بأحوال الناس مسؤولية جلية لا تحتاج إلى إيضاح. كما أن الخطر الكامن في التقصير عن أداء هذا الواجب حتى بحيث لا يبقى منه القدر الذي تقوم به فريضة فرض الكفاية وما يترتب على ذلك من مساءلة عامة ومؤاخذة شاملة، أمر لا يخفى على ذوي البصيرة وأصحاب النظر.
-----------------------------------
بقلم: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي
(ترجمة: أحمد شوقي عفيفي)


مقالات اخرى للكاتب

التصور الأصيل لنظام الزكاة في الشريعة الإسلامية