07 - 03 - 2026

حركة دينية رائدة

حركة دينية رائدة

شهدت الأعوام الماضية شيوعا لافتا في تداول بعض الألفاظ على الألسنة، وكان من أكثرها ورودا لفظ التبليغ. غير أن كثرة الاستعمال، وتباين المقاصد والدلالات، قد أضفت على هذا اللفظ شيئا من الغموض، حتى كادت معانيه الأصيلة تحجب وراء طبقات من الفهم المتفاوت والتصورات المتباينة. ومن هنا بدا من الملائم أن يلقى عليه شيء من البيان، وأن يجلى معناه في ضوء مقاصده الحقيقية. إن من أعظم ما امتاز به الأنبياء عليهم السلام، ومن أوضح صفاتهم الجامعة، أنهم دعاة إلى الحق، هداة إلى عبادة الله وحده. فما يكاد يذكر نبي في القرآن الكريم إلا ويقترن ذكره بندائه الخالد لقومه: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. فالدعوة إلى توحيد الله هي لب رسالتهم، وروح مهمتهم، والغاية التي سخروا لها حياتهم وجهودهم. كما أنهم كانوا أكمل الناس في منهج التبليغ وأسلوبه، فلم يكونوا ينتظرون أن يفد الناس إليهم، بل كانوا يبادرون إلى الخروج بأنفسهم، ويغادرون ديارهم، ويتحملون في سبيل الله شتى ألوان المشقة والعناء. كانوا يسيرون إلى الخلق حيث كانوا، لا تثنيهم حسابات الربح والخسارة، ولا يصدهم إعراض المعرضين أو جفاء المكذبين. لقد حملوا في صدورهم هم الهداية، وجابوا الآفاق في سبيل تبليغ رسالة ربهم، معرضين عن حظوظ النفس ومصالحها، جاعلين رضا الله ونجاة الناس غايتهم الكبرى ومقصدهم الأسمى. بل كانوا هم السباقون إلى الميدان، يتقدمون الصفوف بعزيمة لا تلين، ويبذلون للدين كل جهد مستطاع، ويتحملون في سبيله شتى ضروب العناء والمشقة. ويسير أتباعهم على خطاهم، مقتفين أثرهم، ماضين بعدهم بعزم مشدود إلى الغاية، معرضين عن زخارف الدنيا ومتاعها، كأنهم مسحورون بنداء رسالتهم، يهيمون في الأزقة والطرقات، ويجوبون السهول والوديان، ويعتلون رؤوس الجبال، ويترددون في القرى والقصبات، ينتقلون من مدينة إلى مدينة، ومن قطر إلى قطر.

ينادون باسم الله في المواسم والأسواق والمحافل، ويطرقون الأبواب المغلقة، ويبلغون الرسالة بيتا بيتا، مستجيبين لنداء التكليف، ومقتدين في دعوتهم بقول الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام: وقال إني دعوت قومي ليلا ونهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا. ومن خصائص الأنبياء أنهم أوثق الناس صلة بالله تعالى، وأشدهم اتصالا بعالم الغيب، ومع ذلك فهم في صميم حياة الناس، يعيشون بينهم ويخالطونهم، يشاركونهم واقعهم ويقاسمونهم همومهم. يبلغ عروجهم من السمو مبلغا يعجز جبريل الأمين عن مجاراته، ومع ذلك فإن نزولهم إلى واقع البشر يكون واضحا ظاهرا، حتى يتعجب المعترضون قائلين: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. غير أن كمال شأن النبي أن عروجه إلى أعلى المقامات لا يصرفه عن مهمته في الأرض، بل يعود بعد تلك اللحظات العلوية إلى هذا الجسد الترابي ليواصل هداية الخلق ونفعهم. فالمقام المحمود للنبي أن يؤثر الجلوة على الخلوة، والمخالطة على العزلة، وأن يعيش في الناس وللناس، ناشرا أوامر الله بينهم، وساعيا في تبليغ رسالته، قاطعا في هذا السبيل منازل القرب إلى الله، حتى يكون قربه من ربه ثمرة لخدمة عباده وهدايتهم إلى صراطه المستقيم. إنهم يتقربون إلى الله بإقامة فرائضه، ويجعلون من إحيائها ونشرها بين الناس سلما إلى رضوانه. يستثمرون الطاقات الكامنة، ويستخرجون من كل نفس خير ما أودع فيها، فيحولون الجاهل إلى معلم، والضال إلى مهتد، والمغمور إلى حامل رسالة، ويصوغون من دعاة الدين رجال إصلاح، يهتدون بنور الله ويهدون به غيرهم، فتشرق بهم القلوب وتستقيم بهم السبل. ورسول الله ﷺ هو سيد المرسلين وإمام الدعاة، وأكملهم تحققا بخصائص النبوة، وأرفعهم منزلة في مراتب الكمال، بل هو الجامع لفضائلهم والمتفوق عليهم في تمامها وشمولها. ومن ثم كانت دعوته أوسع مدى، ومنهجه في التبليغ أشمل أفقا وأيسر مسلكا، يجمع بين العمق والوضوح، وبين الرسوخ والبساطة.

وكل من تأمل السيرة النبوية علم يقينا أنه ﷺ لم يقم لنشر الدين مدرسة خاصة، ولا أنشأ مؤسسة محددة تقوم مقام الدعوة، ولم يعتمد على الهياكل المادية ولا على التنظيمات الضخمة. فلو قيس انتشار الإسلام العجيب بمعايير الدنيا الظاهرة، لاحتاج إلى أموال طائلة، وأجهزة هائلة، ومبان شاهقة، ووسائل لا تحصى. غير أن منهجه ﷺ لم يقم على زخارف الظاهر، بل تأسس على قوة الإيمان، وصدق الكلمة، وصفاء النية، وسمو القدوة. فكان أثره أعمق من كل مؤسسة، وبركته أبقى من كل بناء، ونفاذه إلى القلوب أسرع من كل وسيلة حتى عم نوره الآفاق، واستقر هداه في الضمائر، فصنع من القلة أمة، ومن الأفراد حضارة، ومن البذرة شجرة وارفة الظلال. وكان من هديه ﷺ أنه إذا دخل رجل في الإسلام لم يكتف بتعليمه أصول الإيمان فحسب، بل يوجهه إلى أن يحمل رسالة الدعوة إلى غيره، وأن يبذل جهده في سبيل الدين. فتصبح الدعوة نفسها ميدانا لتكميل الإيمان وترقية النفس، ووسيلة لإصلاح الآخرين في آن واحد. وكأن عامة الناس من مسلمين وغير مسلمين، ومجالات العمل للدين، كانت مدارس يتعلم فيها الدعاة، ومعاهد تتشكل فيها شخصياتهم وتتربى فيها أرواحهم. وفي هذا الميدان العملي يتجلى وعد الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. ومن الواضح أن تعليم هذا العدد الكبير من الناس وإصلاحهم لم يكن ليتحقق بغير هذا المنهج العملي الحي، فبناء الشخصيات الكاملة لا يتم في أروقة النظر المجرد، بل في ميادين العمل والجهاد. بل إن الدول العظمى والإمبراطوريات الواسعة كثيرا ما تعجز، بما تملك من سلطان وقوة، عن إصلاح أمة بأسرها وتعليمها، ولا سيما إذا كانت تلك الأمة غارقة في الجهل كما كان حال العرب في تلك الحقبة من التاريخ. غير أن النبي ﷺ استطاع بهذا المنهج الرباني أن ينقل العرب من أمة متفرقة إلى أمة قائدة، ومن جماعات متناحرة إلى رواد هداية للبشرية. ففي مدة وجيزة لا تكاد تتجاوز ستين سنة، نشأت جماعات عظيمة تبلغ مئات الألوف، امتازت بسمو السيرة، ورفعة الخلق، وصفاء السريرة، وجمال الظاهر حتى بدا أهلها في أخلاقهم وسلوكهم كأنهم ملائكة في صفاتهم ونقائهم.

ولم يكن وراء هذا التحول العظيم مال وفير، ولا مؤسسات ضخمة، ولا مبان شاهقة، ولا رواتب مرصودة، بل قامت تلك النهضة على قوة الإيمان وصفاء العقيدة. ومع ذلك، ففي سنوات معدودة أصبح أولئك القوم نماذج للتربية والتهذيب، تزكت نفوسهم، واستقامت أخلاقهم حتى غدوا هم أنفسهم كأنهم كيمياء تحول القلوب، وكيميائيين يصوغون النفوس ويصلحونها. وإن هذا العمل الجليل معجزة باهرة في نتائجه، بل هو أعجب في بساطته ويسره من كثير من المعجزات.

ثم ما لبث أن تبدل مزاج الأمة، وتغيرت طبائعها، فتهيأت النفوس لقبول الحق، ونمت في القلوب رغبة صادقة في طلب الدين، واستقرت هيبة الشريعة وتعظيم الله في الصدور. وحينئذ، كما تتفتح البراعم في ربيع الطبيعة، وكما تكتسب الأرض في موسم الأمطار قوة عجيبة للإنبات حتى إن البذرة إذا ألقيت فيها سرعان ما تنبت، كذلك أقبل ربيع الدين، فانبثقت من تلقاء نفسها آلاف المدارس ومواطن التربية.

وانطلقت حركة التعليم والعلم، وازدهرت مسيرة التصنيف والتأليف، وتهيأت النفوس للانتفاع بهذه الثمار وتقديرها، وذلك كله ببركة المنهج الأول وآثاره المباركة، الذي غرس في القلوب روح الإيمان، وأطلق في الأمة طاقات الإصلاح والتجديد.

وخلاصة القول: إن العالم اليوم قد اتسع نطاقه اتساعا يفوق ما كان عليه في بدايات الإسلام، ولا ريب أن المؤسسات التعليمية والإصلاحية القائمة في عصرنا ضرورة ملحة، بل إن الحاجة تدعو إلى مضاعفتها أضعافا كثيرة. غير أن هذه المؤسسات، على أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تحقق التربية الشاملة للأمة أو أن تحدث التحول المنشود في حياتها.

ومن هنا يتبين أن المنهج الذي سلكه الأنبياء عليهم السلام هو الأجدى والأقوم، وهو أن تستشعر الأمة بأسرها أنها أمة دعوة ورسالة، وأنها جميعا مخاطبة بأحكام الله ومكلفة بحملها إلى الناس. وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. وعلى هذا الأساس، لا ينبغي أن تظل الدعوة مقصورة على طبقة مخصوصة أو جماعة محدودة، بل ينبغي أن ينهض بها كل فرد من أفراد الأمة على اختلاف منازلهم وأعمالهم، فيجعل كل واحد منهم للدين نصيبا من وقته إلى جانب مشاغله. كما ينبغي أن تتشكل جماعات للتعلم والتعليم، تنطلق بين البيوت والأحياء حاملة رسالة التذكير والهداية. فينبغي للعالم أن يسعى بين الجهال، وللمتعلم أن يتوجه إلى الأميين، وأن يجتهد كل إنسان في دعوة من هو دونه علما ومعرفة، فيبلغ ما علم من أحكام الله. فمن عرف كلمة التوحيد دعا من جهلها، ومن حافظ على الصلاة دعا من قصر فيها، وهكذا تمتد دوائر الدعوة في المجتمع حتى تعم أنوار الخير، ويشيع في الناس روح الإصلاح والهداية. ولكي يكون هذا الوقت أبلغ نفعا وأعظم بركة، وينال العاملون فيه ما يفيض به من الفوائد الدينية والروحية، وليكونوا في مأمن من الأخطار والفتن التي قد تعترض هذا السبيل، فإن الدعاة والمبلغين يوصون بأن يجعلوا مقصدهم الأول امتثال أمر الله تعالى، وأن تكون نياتهم خالصة لوجهه الكريم، متجردة من شوائب الرياء وحظوظ النفس. ولا ينبغي لهم أن يجعلوا همهم الأكبر مجرد هداية من يقصدونهم بالدعوة، بل الأجدر أن يعتادوا أن يكون مقصدهم الأسمى إصلاح أنفسهم وتكميلها، وترسيخ الاستقامة في قلوبهم وسلوكهم حتى يكونوا قدوة صالحة في القول والعمل. كما يتعين عليهم أن يعاملوا كل مؤمن بالتواضع ولين الجانب، وأن يجلوا كل من نطق بالشهادتين ويوقروه، فإن إهانة المؤمن أو إيذاءه مما حرمه الله وشدد النكير عليه. وخلال خروجهم من بيوتهم، وطوال المدة التي يقضونها في هذا الطريق، ينبغي أن يعمروا أوقاتهم بذكر الله وتلاوة كتابه، وبالتعليم والتعلم، ومطالعة كتب الدين حتى تظل قلوبهم موصولة بمصدر الهداية. كما يجدر بهم أن يعتنوا في هذا العمل، وفي سائر الفرائض والنوافل، بتقوية الإيمان في نفوسهم، وذلك بتجديد اليقين بوعود الله، واستحضار نية الثواب، والإكثار من التفكر والتدبر، حتى تكتسب الأعمال روحها الحقيقية ويظهر وزنها وقيمتها عند الله. وعليهم كذلك أن يهيئوا أنفسهم لبذل الجهد في سبيل الدين، وأن يربوا أرواحهم على التضحية والفداء، وأن يتعودوا الاعتماد على الله تعالى بدلا من التعلق بالأسباب الظاهرة والمصالح العاجلة، فيعملوا مخلصين غير ملتفتين إلى النتائج، متوكلين على الله، واثقين بنصره وتأييده. وهذا النظام العملي في نظرنا وعلمنا، هو أقرب ما يكون شبها بمنهج الأنبياء عليهم السلام في الدعوة والإصلاح، إذ يجمع في ثناياه من الحكم والبركات والمنافع ما اتسم به ذلك المنهج المبارك، الذي أقام به الأنبياء دعائم الهداية في الأرض. وهو طريق آمن موصل إلى رضوان الله، وقريب السبيل إلى نيل القرب منه سبحانه، إذ إن القرب الذي يناله العبد بأداء الفرائض لا يدانيه قرب آخر، ولا يبلغه عمل سواها. وقد جاء في الحديث القدسي: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه.

إن أسمى مراتب القرب تتحقق بالفرائض العظمى وأركان الدين، فإن ما يظفر به العبد من القرب إلى الله بأداء هذه الأركان لا يبلغه بغيرها من سائر الفرائض، فضلا عن النوافل والمستحبات. فكيف يكون الأجر، وأي منزلة ينالها العبد، إذا كان عمله موجها إلى إحياء أركان الإسلام وفرائضه بين الناس، حتى تعود ظاهرة في حياتهم، ويشيع العمل بها في المجتمع؟

وقد ورد الوعد بالأجر الجزيل لمن أحيا سنة من سنن الدين، فكيف بمن يسعى في إحياء الفرائض نفسها، ويعمل على إقامة شعائر الإسلام في حياة الأمة؟ إن ذلك عمل جليل الشأن، عظيم الأثر، من أجل القربات وأرفع الطاعات. ثم إن بذل الجهد في سبيل الدين، والسعي لنشره وإحيائه في القلوب والواقع من أعظم الأعمال قدرا عند الله. وقد وعد سبحانه برحمته أولئك الذين جمعوا بين الإيمان والهجرة والجهاد في سبيله، فقال تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله.

إن الحركة الصادقة في سبيل الدين ترفع عن القلوب آلاف الحجب، وتفتح أمام العقول أبواب العلم الصحيح، وتفجر في النفوس ينابيع الفقه والحكمة. وقد قيل: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم. وهذا المنهج يفتح للمسلم أبواب الانتفاع بإخوانه المسلمين، كما ييسر له الاستفادة من أهل الدين والعلم، ويقوي أواصر الصلة بهم. وهو كذلك وسيلة ناجعة لإزالة ما قد ينشأ بين طبقات المجتمع من سوء ظن أو سوء فهم، إذ تقرب الدعوة بين القلوب وتجمعها على مقصد واحد. كما أن هذه الحركة تحيي روح الدين في الأمة وتجددها، فتغدو فروعه نضرة مثمرة، وتتحول العلوم إلى طاقات نافعة مؤثرة، وتزداد الجهود الإصلاحية والتعليمية عمقا وأثرا وبركة. وفي ظل ذلك تنبعث في النفوس رغبة صادقة في طلب الحق، وتتفتح القلوب لقبوله والاستجابة له.

وليس هذا الحديث تصورا نظريا أو صورة ذهنية مجردة، بل هو منهج جرب في واقع الحياة، وطبق عمليا في أرض تعد من أشد الأراضي قسوة وصعوبة على أي مشروع إصلاحي. وتلك الأرض هي منطقة ميوات في الهند، التي يقدر عدد سكانها المسلمين بنحو ثلاثين إلى خمسة وثلاثين ألفا. وكانت أحوالهم، يومذاك، شديدة الشبه بأحوال الجاهلية الأولى، إذ كانوا يجهلون حتى كلمة التوحيد، وكانوا بعيدين عن الصلاة بعدا يجعلهم إذا رأوا من يصلي نظروا إليه كأنه يأتي أمرا غريبا لا عهد لهم به. وكانت أسماؤهم ذات طابع هندوسي، وكثير من عاداتهم وتقاليدهم كذلك حتى شاع بينهم الشرك وعبادة الأصنام، ولم يكن بينهم وبين العلم أو المعرفة الدينية أدنى صلة. ولم يكن لإصلاح هذه الأمة وتعليمها سبيل ناجع إلا هذا المنهج العملي، المستمد من هدي الرسول ﷺ وطريقته في الدعوة والتربية. ومن هنا بدأ العمل بهذا الأسلوب في تلك الديار، فانطلقت فيه جهود صادقة، لم تلبث أن أثمرت نتائج ظاهرة مباركة. واليوم يرى في تلك الأرض تحول مدهش، إذ بدأت تظهر فيها نماذج مشرقة من الحياة الإسلامية الصحيحة والتدين الصادق، تذكر ببساطتها وصفاء روحها بالعهد الأول للإسلام، وكأن نفحات القرون الأولى قد عادت لتبعث في تلك الربوع حياة جديدة ونورا متجددا. وقد غدت هذه الأمة بما تبذله من جهد في سبيل الدين، وما تتحمله من مشاق الغربة وترك الأوطان، مثالا يحتذى به لسائر المسلمين في الهند. وشيئا فشيئا أخذت الأجواء العامة في تلك المنطقة تتبدل، ونشأت في النفوس قابلية صادقة للدين، وتفتحت القلوب على طلبه بشوق وإقبال حتى أثمرت هذه الحركة المباركة بناء آلاف المساجد، وإنشاء مئات المدارس والكتاتيب، وظهور أعداد كبيرة من العلماء والحفاظ. وهكذا أشرق نور الإسلام في أرض ظلت قرونا طويلة محرومة من هديه، فإذا بها في زمن يسير تتلألأ بأنواره، وتتنفس عبير الإيمان من جديد. وقد كانت هذه الأمة في صفحات تاريخ الهند، مضرب المثل في قطع الطرق والنهب وسوء الأخلاق حتى إن أبواب مدينة دلهي كانت تغلق عند الغروب في عهد السلطان ناصر الدين محمود خوفا من غاراتهم. أما اليوم فقد تبدل الحال تبدلا بينا، فأصبحوا مثالا في الأمن والصدق والأمانة، وانخفضت معدلات الجرائم في منطقتهم انخفاضا ملحوظا. وقد أخذت هذه الدعوة المباركة تمتد الآن إلى مختلف أقاليم الهند ومدنها، وبدأت آثارها وثمارها تظهر واضحة في المجتمع، وهي ثمار طبيعية لجهد ديني صادق، قائم على أصول راسخة ومنهج متين. ومن يحمل في قلبه رغبة صادقة في طلب الدين والعمل به، ويبحث بإخلاص عن المنهج الصحيح للعمل الإسلامي على أصوله الأصيلة، فإن أبواب هذه الدعوة مفتوحة له، فليجتهد في فهمها، وليجعل لها نصيبا من وقته، وليشارك الدعاة والعاملين فيها مسيرتهم حتى يكتسب خبرتها عمليا، ويتعرف إلى حقيقتها عن قرب، فيرى بعينه ما فيها من أثر وبركة.
------------------------------------------------------
بقلم: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي
ترجمة: أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

حركة دينية رائدة