04 - 03 - 2026

زئير الأسد: اغتيال المرشد بين الانهيار والعقد الجديد

زئير الأسد: اغتيال المرشد بين الانهيار والعقد الجديد

في الساعة السابعة وخمس عشرة دقيقة من صباح يوم السبت 28 فبراير 2026، لم يكن الشرق الأوسط يستيقظ على يوم جديد فحسب، بل على يوم سبت توقعته الخوارزميات، حيث واقع جيوبوليتيكي مختلف جذرياً، ففي تلك اللحظة، كانت مئات الطائرات الحربية الإسرائيلية والأمريكية تخترق الأجواء الإيرانية في عملية أطلقت عليها تل أبيب اسم "زئير الأسد" وأسمتها واشنطن "الغضب الملحمي".

لكن الأكثر إثارة للدهشة، أن هذا التاريخ لم يكن وليد الصدفة، بل كان اليوم ذاته الذي توقعته بدقة نماذج الذكاء الاصطناعي قبل أيام، عندما حللت منصات مثل "غروك" (Grok) المعطيات السياسية والعسكرية وخلصت إلى أن صباح 28 فبراير هو نافذة الضربة الأكثر ترجيحاً، وما جرى لم يكن حلقة جديدة في مسلسل التوتر الممتد منذ عقود، بل لحظة "تغيير قواعد اللعبة" بامتياز.

ففي غضون ساعات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى جانب قائد الحرس الثوري محمد باكبور ووزير الدفاع العميد عزيز نصر زاده، في اجتماع كان يُعقد في مجمع محصن بطهران، والعملية لم تستهدف فقط المنشآت النووية أو الصواريخ الباليستية، بل ذهبت إلى أبعد نقطة في سلم التصعيد: استهداف رأس النظام.

فهذه ليست حرباً تقليدية، هذا زلزال استراتيجي يفتح أبواب الجحيم على مصراعيها، ويضع المنطقة أمام معادلات وجودية لم تختبرها من قبل، فمنذ اللحظات الأولى، انقلبت الموازين:من ضربة إسرائيلية-أمريكية مركزة استهدفت "قطع رأس الأفعى"، إلى رد إيراني سريع عبر عملية "الوعد الصادق 4"، التي لم تكتف باستهداف إسرائيل، بل وسعت دائرة النار لتشمل قواعد أمريكية في قطر والبحرين والكويت والإمارات، لتسقط أول قتيل مدني في أبوظبي نتيجة شظايا صاروخية.

فما جرى فجر السبت لم يكن هجوماً عابراً، بل سيمفونية موت قادتها الخوارزميات، فهي حملة استراتيجية متعددة المراحل (Multi-Phase Campaign) خطط لها منذ أشهر، واستخدمت مزيجاً غير مسبوق من الذكاء الاصطناعي، والقدرات الاستخباراتية الخارقة، والتنسيق المشترك بين واشنطن وتل أبيب، وأعادت تعريف مفهوم "الحرب الجراحية" تماماً، ونفذتها نحو 200 طائرة حربية من طرازات F-35 وF-15 وF-16، بالإضافة إلى صواريخ كروز "توماهوك".

وكشفت التسريبات الاستخباراتية أن العملية استندت إلى قراءة معمقة للشبكات العصبية الاصطناعية التي حللت أنماط تحركات القيادة الإيرانية على مدار أشهر، وصولاً إلى تحديد اللحظة الأكثر دقة لتنفيذ الضربة: صباح السبت 28 فبراير، حيث اجتمعكبار قادة الحرس الثوري والمرشد الأعلى في مجمع محصن بطهران، في اجتماع لم يكن متوقعاً أن يكون الأخير في حياتهم.

المرحلة الأولى: قطع الأعصاب (Cutting the Nerves)، بدأت العملية بهجوم جوي إسرائيلي مكثف وصاعق، استهدف بدقة متناهية منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، تلك العيون الإلكترونية التي كانت تحمي سماء الجمهورية الإسلامية، وركزت الضربات على تعمية الرادارات بعيدة المدى وأنظمة S-300 الروسية الصنع، في عملية جراحية أشبه بقطع الأعصاب البصرية للجسد الإيراني، 

بهدف تحقيق التفوق الجوي الكامل (Air Supremacy) وتمهيد الطريق أمام الموجات التالية، وأظهرت لقطات الأقمار الصناعية اللاحقة أن 80% من بطاريات الدفاع الجوي الإيرانية تحولت إلى خردة خلال الدقائق الستين الأولى فقط.

المرحلة الثانية: قطع رأس الأفعى (Decapitation Strike)، ما أن تأكدت القيادة الأمريكية من تحييد الدفاعات الجوية، حتى تدخل الثقل العسكري الأمريكي بكامل هيبته، وانطلقت صواريخ توماهوك من حاملات الطائرات في بحر العرب، 

واخترقت طائرات F-35 وF-15  وF-16  الأجواء الإيرانية من عدة محاور، لتستهدف ما وصفته الاستخبارات الإسرائيلية "أهداف النظام الحساسة": مقار القيادة، ومراكز الاتصالات، ومخازن الصواريخ الباليستية تحت الأرض.

وفي مشهد غير مسبوق، استخدمت الولايات المتحدة طائرات هجومية أحادية الاتجاه للمرة الأولى في هذه العملية، إلى جانب طائرات F-22 التي نُشرت داخل إسرائيل في خطوة غير معتادة، بسبب رفض بعض الحلفاء استخدام قواعدهم الجوية في الهجوم.

وكانت المرحلة الثانية الأكثر حسماً وإثارة، فقد استهدفت القيادة العليا للنظام في تزامن مع المرحلة الأولى أذهل المحللين العسكريين (Time-on-Target coordination)، فبينما كانت صواريخ كروز تحلق على ارتفاع منخفض لتضرب منصات الإطلاق الإيرانية، كانت طائرات الشبح الإسرائيلية والأمريكية تلقى حمولتها من القنابل الخارقة للتحصينات على مجمعين سريين في طهران، حيث كان يجتمع المرشد الأعلى مع وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري، وكشفت مصادر استخباراتية أن جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلي تمكن، بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي، من رصد توقيت هذا الاجتماع الحاسم من خلال تحليل أنماط الاتصالات وحركة المركبات وحتى استهلاك الطاقة في المجمعات المحصنة، وهذا الاختراق كان تتويجاً لسنوات من جمع المعلومات وتحليلها عبر أنظمة تعلم آلي قادرة على غربلة كميات هائلة من البيانات وتحويلها إلى معلومات استخباراتية قابلة للتنفيذ.

المرحلة الثالثة: التجريد من القدرات (Deprivation of Abilities)، انتقلت الضربات إلى تدمير البنية التحتية الصاروخية والنووية الإيرانية، مستهدفة منصات الإطلاق تحت الأرض ومراكز الأبحاث النووية ومخازنالوقود، بهدف شل القدرة الإيرانية على الرد لفترة طويلة، ونجحت هذه الضربات في تدمير ما لا يقل عن 70% من الصواريخ الإيرانية الباليستية المخزنة، وفقاً لتقديرات استخباراتية أمريكية، مما اضطر طهران إلى تغيير تكتيكاتها القتالية جذرياً.

وهنا برز التحول الأهم في المعادلة العسكرية: الرد الإيراني لم يأتِ على شكل "الموجة الكاسحة" التي كانت متوقعة، بل لجأت طهران إلى استراتيجية "الإرباك والاستنزاف" (Confusion and Depletion)، حيث بدأت بإطلاق رشقات صاروخية محدودة ومتقطعة، لا تتجاوز العشرات في كل مرة، بدلاً من إطلاق مئات الصواريخ دفعة واحدة، وهذا النمط الجديد فرض على الإسرائيليين البقاء لفترات أطول في الملاجئ، لكنه في المقابل قلل من خطر التعرض لوابل صاروخي واسع ومركز.

والأخطر من ذلك، أن إيران وسعت دائرة النار لتشمل قواعد أمريكية في قطر والبحرين والكويت والإمارات، في محاولة واضحة لإشراك دول الخليج في المعادلة وتحويلها من حرب ثنائية إلى حرب إقليمية شاملة، وقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن العملية تهدف إلى "إزالة التهديد الوجودي" الذي تمثله إيران، و"تهيئة الظروف أمام الشعب الإيراني للتحكم في مصيره"، بينما أعلن الرئيس ترامب أن الهدف هو "الدفاع عن الشعب الأمريكي عبر القضاء على تهديدات وشيكة صادرة عن النظام الإيراني".

وما يثير القلق حقاً هو أن هذه العملية العسكرية الضخمة نُفذت دون غطاء دولي واسع، حيث رفضت ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة المشاركة، واكتفت بإصدار بيانات منددة، بينما منعت دول أخرى استخدام قواعدها الجوية، مما اضطر الولايات المتحدة إلى نشر مقاتلات F-22 داخل إسرائيلوالاعتماد على التزود بالوقود جواً، وهذا المشهد يختلف جذرياً عن تدخلات سابقة قادتها واشنطن ضمن تحالفات واسعة.

وفي المقابل، تكتشف إيران في أحلك لحظاتها أنها تواجه عزلة استراتيجية شبه كاملة، فموقف روسيا والصين كان قاسياً جداً: بكين، المرتبطة مع طهران باتفاقية 25 عاماً بقيمة 400 مليار دولار، دعت فور اندلاع الحرب إلى وقف القصف والعودة للحوار، دون تقديم دعم عسكري، وموسكو بدورها عرضت الوساطة ورفضت تسليم أسلحة نوعية، وهذا يثبت نظرية "البراجماتية فوق الأيديولوجيا"؛ فحتى الحلفاء التاريخيون ينظرون إلى إيران كورقة مساومة في صراعاتهم الكبرى مع الغرب (أوكرانيا، تايوان).

ولكن اللافت هو الدور الصيني في تعزيز القدرات الدفاعية الإيرانية قبل أشهر من الحرب، في محاولة لخلق توازن ردعي دون اشتباك مباشر مع واشنطن، فمنذ يناير 2026، كثفت الصين جهودها لاستبدال البرمجيات والأنظمة الغربية في إيران بأخرى صينية مغلقة ومحصنة، ضمن استراتيجية لتعزيز "السيادة الرقمية" لطهران وحماية شبكاتها الحيوية من الاختراق، بمشروع ضخم لتأمين الإنترنت الإيراني عبر شبكة وطنية على منصة "هواوي" الصينية، قادر على عزل البلاد عن الإنترنت العالمي، يوفر لإيران "مفتاح قتل رقمي" (Digital Kill Switch) يمكنها من قطع الاتصال بالعالم في اللحظات الحرجة، ومركز البيانات العملاق لهذا المشروع أُقيم تحت الأرض في مجمع محصن شمال شرق طهران، ليكون بمنأى عن الضربات الصاروخية.

وعلى المستوى الميداني، سلمت بكين لطهران رادار YLC-8B الصيني، وهو نظام متطور قادر على رصد الطائرات الشبحية مثل F-35 على مسافات تتجاوز 200 كيلومتر، مما يحيد إحدىأهم المزايا التكنولوجية الإسرائيلية، كما تعمل الصين على فطام إيران عن نظام GPS الأمريكي، وتحويلها إلى نظام "بيدو" الصيني، لضمان استمرارية عمل صواريخها وطائراتها المسيرة حتى لو عطلت الولايات المتحدة الإشارات الأمريكية، والأخطر أن طهران على وشك إتمام صفقة لشراء صواريخ CM-302 الصينية المضادة للسفن، وهي صواريخ أسرع من الصوت يصعب اعتراضها، ويمكنها تهديد القطع البحرية الأمريكية في الخليج وقلب موازين القوى في مضيق هرمز، وبهذه الإمدادات، ترسم الصين معادلة جديدة: دعم إيران بالقدرة على الصمود رقمياً وعسكرياً، دون إشعال

حرب مباشرة مع واشنطن، لكنها ترفع كلفة المغامرة العسكرية على الجميع.

وبعد هذه الرحلة في أعماق الخطة العسكرية وتحليل خيوطها الدقيقة، تبرز التساؤلات المصيرية التي تحرق كل عاصمة في المنطقة، ليس كأسئلة نظرية للاستئناس بها، بل كمعضلات وجودية تبحث عن إجابات في زحام النيران والدخان؛ السؤال الأول: إعادة التشكيل أم الانهيار؟ "سيناريو الصوملة"، فالفراغ الاستراتيجي الهائل الذي يخلقه مقتل القيادة العليا لا يعني بالضرورة ولادة نظام جديد وحليف للغرب، فالتقييمات الاستخباراتية الأمريكية تشير إلى أن الحرس الثوري، ببنيته العنقودية الصلبة وقدرته على التكيف، هو المرشح الأوفر حظاً لملء الفراغ على المدى القصير، ولكن المشكلة الأعظم تكمن في تحول الحرس نفسه إلى "الدولة"، عندها لن نواجه دولة بالمعنى التقليدي، بل كياناً منهاراً لكنه مسلح حتى أسنانه، يحتفظ بترسانة صاروخية ضخمة، لكنه يفقد قبضته على الوكلاء الإقليميين في لبنان والعراق واليمن، وهذا هو السيناريو الأكثر رعباً: "فوضى منظمة" تحول إيران إلى ثقب أسود استراتيجي يبتلع كل محاولات الاستقرار في المنطقة.

والسؤال الثاني: الحرب الإقليمية الشاملة.. "تأثير الدومينو العكسي"، فالرد الإيراني على قواعد في قطر والبحرين والكويت والإمارات يحمل إجابة واضحة: طهران لن تسمح بفصل ساحات القتال، تمارس بوعي "تأثير الدومينو العكسي"، أي جر دول الخليج إلى الحرب كأطراف متضررة، حتى لو ظلت على الحياد رسمياً، وهذا يضع هذه الدول أمام خيارات مستحيلة: إما طلب حماية أمريكية أكبر (مما يزيد استهدافها)، أو محاولة التوسط لوقف النار (مما يُقرأ كضعف)، وفي كلتا الحالتين، انتقلنا إلى مرحلة "الحرب بالوكالة المباشرة"، حيث أصبحت البنى التحتية النفطية ومحطات تحلية المياهأهدافاً مشروعة.

والسؤال الثالث: الخيار النووي.. "القنبلة في الظل"، وهذا هو السؤال الأكثر تعقيداً، فالخبير ويليام ألبرك (مسؤول سابق في الناتو) يحدد نقطة الانهيار العصبية: هناك 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لا تزال موجودة في مكان ما، وقد رفضت إيران طوال الأشهر الماضية الكشف عن موقعها للمفتشين الدوليين، فإذا شعرت الخلايا المتبقية من الحرس الثوري أن نهايتها أصبحت وشيكة، فإن "خيار نهاية العالم" (Armageddon Option) قد يطفو على السطح، إما عبر تهريب هذه المواد لصنع جهاز بدائي، أو عبر تهديد صريح باستخدامها، والمفارقة أن الولايات المتحدة قصفت منشآت نطنز وفوردو ودمرت البنية التحتية النووية، لكنها لم تقصف "المادة نفسها" لأنها لا تعرف مكانها تحديداً، وهذه الفجوة المعلوماتية قد تكون كافية لقلب المعادلة في اللحظات الأخيرة.

أما السؤال الرابع: النظام العالمي.. البراغماتية فوق الأيديولوجيا، فعزلة إيران عن حلفائها التقليديين (روسيا والصين) تثبت أن الشعارات الإيديولوجية تتبخر عندما تتصادم مع المصالح الاقتصادية والسياسية الكبرى، فحتى حلفاء إيران ينظرون إليها الآن كورقة مساومة في صراعاتهم مع الغرب. إيران تكتشف في أحلك لحظاتها أنها تواجه عزلة استراتيجية شبه كاملة، وهذا وحده كافٍ لقلب الموازين حتى قبل أن تنتهي المعارك.

وفي خضم هذا الضباب الاستراتيجي، لا تملك دول المنطقة، خاصة العربية والخليجية، رفاهية انتظار نتائج الحرب وهي مكتوفة الأيدي، فالسكون في مثل هذه اللحظات ليس حياداً، بل انتحار بطيء تحت قصف صواريخ لا تعرف التمييز، والمطلوب استراتيجية طوارئ متعددة المسارات:

أولاً: التنسيق الأمني العاجل - غرفة عمليات خليجية موحدة، فلم يعد مقبولاً أن تتعامل كل دولة بمفردها مع صواريخ كروز أو طائرات مسيرة معادية. الضرورة الملحة تقضي بإنشاء غرفة عمليات خليجية مشتركة تحت مظلة مجلس التعاون، تعمل بنبض واحد مع القيادة المركزية الأمريكية، لتبادل المعلومات الاستخبارية في الوقت الفعلي، وتنسيق الرد على أي أجسام معادية قبل أن تبلغ أهدافها، مع الإبقاء على خط ساخن مع الجانب الإيراني، ليس من باب الثقة، بل لتجنب سوء التقدير الذي قد يحول خطأ فنياً إلى كارثة إقليمية.

ثانياً: السياسة - الحياد الإيجابي مع تحصين الجبهة الداخلية، فعلى الدول العربية أن تعلن بوضوح أنها ليست طرفاً في الحرب، وتعمل في الخلفية على تأمين نفسها، والحياد هنا لا يعني الانكشاف، يجب البدء فوراً بتنفيذ خطط طوارئ لتأمين إمدادات الغذاء والدواء والمياه، عبر تشغيل محطات التحلية بالطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي بات هدفاً مباشراً، فاستقلالية المياه في الخليج ليست رفاهية، بل مسألة حياة أو موت.

ثالثاً: حماية الملاحة - تفعيل "حارس الازدهار 2.0"، فمع إعلان الحوثيين استئناف هجماتهم في البحر الأحمر، يتحول المضيق إلى ساحة صراع مفتوحة، ويجب العمل مع التحالف الدولي لتوسيع نطاق عمليات التأمين البحري لتشمل جميع السفن المتجهة إلى الموانئ الخليجية، مع بروتوكولات واضحة لعبور ناقلات النفط، برؤية أكثر شراسة واستعداداً لأسوأ السيناريوهات.

رابعاً: الاستخبارات الاقتصادية - حماية العمود الفقري، فالهجمات الإيرانية على قواعد في الإمارات وقطر تعني أن البنى التحتية المدنية باتت في مرمى النيران، ويجب تشكيل خلايا استخباراتية متخصصة، تعمل كأجهزة إنذار مبكر بشري، ترصد أي تهديدات تطال المنشآت النفطية ومحطات الطاقة وتحلية المياه، وتؤمن محيطها بأنظمة دفاع جوي قصيرة ومتوسطة المدى، والعمود الفقري للاقتصاد الخليجي يجب أن يحميه ليس فقط الدرع الصاروخية، بل عيون استخبارية لا تغفل.

خامساً: الملف الإنساني - الاستعداد لموجة لجوء جديدة، فإذا انهارت إيران أو دخلت في حرب أهلية، ستشهد الدول المجاورة (تركيا، العراق، باكستان، أفغانستان) موجة نزوح ضخمة بحجم غير مسبوق، وعلى الدول العربية والخليجية التحرك الآن، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، لتقديم مساعدات إنسانية مكثفة داخل إيران نفسها، لمحاولة تثبيت السكان في مناطقهم ومنع تدفق اللاجئين الذي سيزعزع استقرار دول الجوار.

سادساً: الدبلوماسية الوقائية - مبادرة شاملة لوقف النار، فعلى الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي التحرك فوراً لعقد قمة طارئة، ليس لإدانة هذا الطرف أو ذاك، بل لتقديم مبادرة خليجية-عربية-تركية-أوروبية مشتركة لوقف إطلاق النار، وربط ذلك بملف نووي جديد يشمل كل دول المنطقة، فاستمرار الحرب لأسابيع إضافية يعني أن المنطقة بأسرها ستدخل في نفق مظلم لا نعرف متى سينتهي، ولا من سيبقى على قيد الحياة ليشهد نهايته.

وتبقى الخلاصة الأكثر إيلاماً أن عملية "زئير الأسد" لم تكن مجرد ضربة عسكرية، بل زلزالاً استراتيجياً أحدث شرخاً عميقاً في جدار الجمهورية الإسلامية، ذلك الجدار الذي ظل لعقود متماسكاً رغم الحروب والعقوبات، ولكن الشرخ، رغم عمقه، لم يؤد بعد إلى انهيار كامل، بل فتح بوابات الجحيم على مصراعيها.

والمنطقة الآن تقف على حافة الهاوية، تنظر في اتجاهين متناقضين:

· الاتجاه الأول: الفوضى العارمة حيث إيران المنهارة أو الممزقة بحرب أهلية تتحول إلى صومال جديدة في قلب الشرق الأوسط، تمتلك ترسانة صاروخية ومواد نووية مفقودة، مما يغرق المنطقة في دوامة صراعات بالوكالة وفتن طائفية.

· الاتجاه الثاني: عقد شرق أوسطي جديد، تعاد فيه صياغة قواعد الاشتباك، وترسم خرائط نفوذ جديدة، ويعاد هيكلة التحالفات على أسس مختلفة، بشرط توفر قيادات تمتلك من الحكمة ما يفوق ما تمتلكه من صواريخ.

وفي هذه اللحظة الفاصلة من التاريخ، الرهان لم يعد على من سينتصر في المعركة، بل على من سيمتلك الحكمة الكافية ليخرج من هذا المستنقع بأقل الخسائر، فالبقاء في الشرق الأوسط الجديد لم يعد مرتبطاً بالقوة وحدها، بل بالقدرة على قراءة المستقبل في زحام النيران، فالمنطقة التي نعرفها لن تعود كما كانت بعد فجر السبت 28 فبراير 2026، وما تبقى لنا هو أن نقرر أي شكل ستكون عليه بعد أن ينقشع الغبار.

-----------------------------------

بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

زئير الأسد: اغتيال المرشد بين الانهيار والعقد الجديد