كنت قد قلت في تعليق لي على موقع فيس بوك أن ايران لن تهزم وسيؤدي ذلك الى نهاية مستقبل ترامب ونتنياهو السياسي، وسيتراجع دور أمريكا في العالم الى مستوى دولة من الدرجة الثانية. مثلها مثل بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا. وكتب لي أحدهم يسألني عن مسوغات هذه المزاعم. فكتبت هذا المقال لتقديم الإجابة على هذا السؤال.
ولكن قبل الدخول في الإجابة لا بد من معرفة الأسباب التي قامت من أجلها الحرب، ومن ثم معرفة الأهداف المتوخاة منها، حتى يتسنى لنا توفر معيار لمفهومي المكسب والخسارة بحسب تحقق هذه الأهداف من عدمه.
لقد قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بشن تلك الحرب الثانية على ايران لأسباب بعضها يخص كلا منهما على حدة وبعضها الآخر يخصهما معا، بحكم شراكتهما التاريخية وعلاقتهما العضوية المعروفة.
أما الذي يخص الولايات المتحدة، فيندرج ضمن خطواتها الهادفة إلى إحكام الحصار حول عدوها الرئيسي إيران والحد من إمكانيات تطوره المتصاعد على حساب مكانتها الدولية. وتتعدد أشكال هذا الحصار، تبعا لفهمها لكل ما يمثل عنصر قوة لإيران. بدءا من فرض قيود على حلفائها أو من يقعون في دائرة تأثيرها في استيراد السلاح الصيني والتعامل التجاري والصناعي، وانتهاء بالتحكم في التطور الصناعي والاقتصادي الصيني عن طريق التحكم في العنصرين الضروريين لهذا التطور، ألا وهما مصادر الطاقة وطرق التجارة والملاحة البحرية.
ولذلك قامت الولايات المتحدة بالسيطرة على بترول أذربيجان بالتوافق وعلى بترول فنزويلا بالغزو المباشر، إلى جانب هيمنتها على دول الخليج ومعدلات إنتاجهم وتسعيرهم للبترول وتقييمه بعملة الدولار. وهو ما يعني أن أمريكا هي المهيمنة على سوق الطاقة في العالم. ولم يبق متحررا من هذه الهيمنة سوى ايران، التي تجاهر بالعداء للولايات المتحدة وتقيم أوثق علاقات الشراكة والتعاون مع كل من الصين وروسيا. وهو ما يجعل منها خصما مباشرا للولايات المتحدة. فضلا عن عداء إيران المتأصل لدولة الكيان الصهيوني ودعم معظم حركات المقاومة التي تواجهه. لذلك كان هدف الاجهاز على النظام الإيراني ماثلا في الذهن الاستراتيجي الأمريكي منذ زمن الرئيس جيمي كارتر ومحاولته غزو ايران لتحرير رهائن السفارة الأمريكية بعد انتصار الثورة الإسلامية مباشرة عام 1979.
وأما وقد تم التمكن من فنزويلا، فقد آن الشروع في عملية تدمير ايران، ان لم يتم تطويعها. خاصة أن ايران أضحت على مشارف الوصول الى مستوى من تخصيب اليورانيوم يسمح لها بإمكانية انتاج قنبلة نووية. وهو ما يشكل كابوسا ثقيلا بالنسبة لكل من أمريكا وإسرائيل، منفردين ومجتمعين، معا. لأن عملية تطويع ايران باعتباره هدفا أمريكيا ستكون غير ممكنة، وبالتالي ستضيع فرصة احكام السيطرة على سوق النفط ومضيق هرمز، والنفوذ الجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط ووسط آسيا.وبالنسبة لإسرائيل سيكون حصول ايران على القنبلة النووية بمثابة تهديد وجودي بكل ما تعنيه الكلمة، حيث ستطلق يد حلفاء ايران في العمل بحرية، وسيتم القضاء على كل طموحات دولة الكيان في الهيمنة على المنطقة، ومن ثم سيتم القضاء صميميا على حلم إقامة إسرائيل الكبرى، ذلك الحلم الذي أخذ في الظهور خلال الأعوام القليلة الماضية الى أن أصبح يتردد على ألسنة مسؤولين رسميين في دولة الكيان. خاصة، بعد انهيار نظام الحكم البعثي في سوريا.
ومن هنا نفهم كيف كان الأمريكان والاسرئيليون في سباق مع الزمن لمهاجمة ايران. خاصة أن الضربة السابقة لم تسفر عن النتائج المرجوة، كما أن الرهان على تدمير النظام من داخله لم ينجح وتمكن النظام الإيراني من احتواء الموقف. وهنا كان الضربة الحالية حتمية وضرورية ومتعجلة، في آن.
ومن هنا، أيضا يتضح لنا الهدف من هذه الحرب. فلم يعد الهدف مقتصرا على تدمير المنشآت النووية ومخزون اليورانيوم واغتيال العلماء والقادة العسكريين. بل أصبح الهدف هو القضاء على الدولة الإيرانية ذاتها، وهو ما أعلنه بوضوح الرئيس الأمريكي. بما يفتح الباب لفوضى داخلية قد تقضي خريطة ايران المعروفة وتتمزق في صراع عرقي وقومي وطائفي، يكون مقدمة لتمزيق المنطقة كلها.
اندلعت الحرب المنتظرة على إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني. بيد أنه من المهم الانتباه الى تسمية الأدب السياسي الصهيوني للحرب السابقة في يونيو الماضي والتي استمرت لمدة اثني عشر يوما، بأنها الحرب الأولى. وهو ما يعني أن هناك حربا ثانية وربما ثالثة اذا استدعى الأمر. فالإصرار على إسقاط الدولة الإيرانية واضح تماما ولم يعد يخفى على أحد. فما الهدف الذي يسعى الكيان وأمريكا لتحقيقه؟؟
والآن حان وقت الإجابة عن سؤال لماذا لن تهزم ايران، على الرغم من كل الخسائر المادية والبشرية التي بلغت ذروتها في اغتيال المرشد ذاته.
والاجابة تتمثل في ما يلي:
أولا: لقد حشدت أمريكا ما يربو على ثلث قوتها المنتشرة في العالم من أجل المواجهة مع إيران. وهو ما كشف الوجود العسكري الأمريكي في جبهات مهمة، على رأسها جبهة بحر الصين الجنوبي. وهو ما يتيح الفرصة لحرية حركة أكبر للجيش الصيني الذي لا يخفي نيته في الهجوم على تايوان واستعادة تبعيتها للبر الصيني، وهو الأمر الذي سيؤدي نجاحه الى زيادة مرعبة في قوة الصين وهذا ما لا تريده أمريكا، بأي ثمن. وبالتالي فان طول أمد الحرب ليس في صالحها بأي حال.
ثانيا: كما أن طول أمد الحرب سيجعل موقف ترامب ضعيفا للغاية في الداخل الأمريكي المقبل على انتخابات التجديد النصفي. والتي ستحدد مستقبل استمراره في الهيمنة على القرار الأمريكي من خلال تواصل دعم نواب الكونجرس من عدمه.
ثالثا: كما أن طول أمد الحرب ليس في صالح إسرائيل، كذلك، بأي حال، خاصة مع التدمير اليومي وتوقف الحياة ونفاذ مخزون الدفاعات الجوية، وكذلك، نظرا لهشاشة تكوينها السكاني وحاجتها لتجنيد معظم السكان مما يصيب الحياة الاقتصادية والصناعية فيها بالشلل التام. كما أن ضآلة مساحتها الجغرافية يجعل الإصابات فيها أكثر تركيزا وتأثيرا مما هي في إيران.
رابعا: لقد قامت ايران بتدمير معظم إن لم يكن كل القواعد الأمريكية في الخليج، فضلا عن الرادارات المتطورة المتواجدة بها، بما يجعل خطوط إمداد القوات الأمريكية تتم من خارج المنطقة، وبالتالي، أصبحت هذه الخطوط طويلة ومكلفة، للغاية. ويجعل هذه القوات في حالة التعب والاعياء في ظل عدم القدرة على إعادة إحلالها. كما أن تدمير الرادارات يجعلها شبه عمياء. بينما تقف القوات الإيرانية على أرضها متاح لها إعادة إحلال وتجديد قواتها، كما أنها قريبة جغرافيا من داعميها (الصين وروسيا وباكستان).
خامسا: يعتمد الرد الايراني على أنواع رخيصة وفعالة وكثيفة من التسليح، مثل الصواريخ والطائرات المسيرة، وهو الأمر الذي يستنزف مخزون الدفاعات الجوية غالية الثمن ومحدودة الكمية ولا يمكن تعويضها بسهولة، مثل صواريخ (ثاد) وما يشبهها.
سادسا: ليس من مصلحة كل من الصين وروسيا وكوريا القضاء على ايران، وبالتالي فان حجم الدعم لها لن يتوقف، وقد رأينا ذلك في الجسر الجوي الصيني الروسي الى إيران. وهؤلاء الحلفاء ملاصقون جغرافيا لإيران بما يفيد في سرعة وسهولة تقديم هذا الدعم.
سابعا: ليس لدى الإيرانيين ما يخسرونه وقد أصبح ظهرهم للحائط، فالبديل الوحيد لديهم اما النصر أو الضياع الكامل لدولتهم ونظامهم ووطنهم ذاته. ولذلك فانهم لن يقدموا على الاستسلام مهما تكبدوا من خسائر. بينما جاء ترامب والإسرائيليون في عجلة من أمرهم ويريدون إنهاء الموقف لصالحهم في أسرع وقت ممكن. وطول أمد المعركة ليس في صالحهم من كل النواحي التي تم شرحها.
ومن هنا نصل الى أن المعركة الحالية إنما هي معركة عض أصابع ومن سيصرخ أولا هو من سيلقى الهزيمة. وقد مر بنا أن الإيرانيين يتألمون حقا ولكنهم لا يملكون ترف الصراخ. ولذلك ستستمر الحرب، اذا لم تحدث مفاجآت، الى أن ينسحب الأمريكان ويطلب الإسرائيليون إيقاف إطلاق النار كما فعلوا في حرب الاثني عشر يوما في العام الماضي. وعندها سينتهي مستقبل ترامب ونتانياهو السياسي وستصبح أمريكا دولة من الدرجة الثانية. وسنكون أما نظام عالمي جديد، بدون الهيمنة الأمريكية، حقا وصدقا.
--------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






