تشهد منطقة الخليج مرحلة من أخطر مراحلها منذ عقود، في ظل تصعيد عسكري متبادل بين الولايات المتحدة وإيران انعكس مباشرة على القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في عدد من دول الخليج. هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق سلسلة من الأحداث المتراكمة، بدأت بتوترات سياسية وعقوبات اقتصادية متبادلة، ثم تصاعدت إلى ضربات محدودة وردود محسوبة، قبل أن تدخل مرحلة استهداف مباشر للوجود العسكري الأمريكي في محيط جغرافي شديد الحساسية.
الوقائع تشير إلى أن الضربات الإيرانية استهدفت مواقع عسكرية أمريكية داخل نطاق دول خليجية تستضيف تلك القواعد، في إطار رد معلن على عمليات عسكرية سابقة طالت أهدافًا داخل إيران. وفي المقابل، رفعت الولايات المتحدة من جاهزيتها الدفاعية، وعززت أنظمة الاعتراض والحماية في قواعدها، مع تأكيدها على حقها في الرد وحماية قواتها. وبين هذا وذاك، وجدت دول الخليج نفسها أمام واقع أمني معقد، فهي ليست طرفًا مباشرًا في المواجهة، لكنها تتحمل تبعاتها بحكم الجغرافيا والتحالفات العسكرية القائمة.
الدقة في قراءة المشهد تقتضي الإشارة إلى أن الاستهداف لم يُعلن بوصفه موجَّهًا ضد الدول الخليجية ذاتها، بل ضد الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها. ومع ذلك، فإن المجال الجوي والبنية التحتية والأمن الداخلي لهذه الدول يتأثر بشكل مباشر بأي عملية عسكرية، سواء عبر اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عبر الإجراءات الاحترازية التي تتخذها الحكومات لحماية السكان والمنشآت الحيوية.
الأحداث الأخيرة كشفت عن عدة مستويات من التعقيد. هناك مستوى عسكري يتمثل في استخدام الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، وما يقابله من منظومات دفاع جوي متطورة. وهناك مستوى سياسي يتمثل في الرسائل المتبادلة بين العواصم، ومحاولات ضبط الإيقاع حتى لا ينزلق التصعيد إلى مواجهة مفتوحة. وهناك مستوى اقتصادي بالغ الحساسية، نظرًا لأن الخليج يمثل مركزًا عالميًا للطاقة، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية وثقة الأسواق.
لا يمكن إغفال أن المنطقة شهدت خلال السنوات الماضية توترات متكررة، سواء في الممرات البحرية أو في ملفات البرنامج النووي الإيراني أو في ساحات إقليمية أخرى. لكن الجديد في المرحلة الراهنة هو انتقال المواجهة إلى استهداف مباشر لقواعد عسكرية أمريكية داخل نطاق خليجي، وهو ما يرفع سقف المخاطر ويضيق هامش الخطأ في الحسابات.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الضربة والرد عليها، بل في احتمالية توسع نطاق الاشتباك إذا ما تعرضت منشآت حيوية أو مصالح استراتيجية لأي أضرار جسيمة. كما أن دخول أطراف دولية أخرى بصورة مباشرة قد يعقد المشهد ويحول المواجهة من صراع ثنائي إلى صراع متعدد الأطراف. هنا تحديدًا يبرز الحديث عن احتمالات انزلاق أوسع، ليس بوصفه تهويلًا، بل قراءة حذرة لواقع تتقاطع فيه مصالح قوى كبرى في مساحة جغرافية واحدة.
من منظور اجتماعي وعمّالي، فإن أي تصعيد طويل الأمد ينعكس على بيئة العمل والاستثمار والتنمية. العمالة الوطنية والوافدة في دول الخليج تعتمد على استقرار الأوضاع الأمنية لضمان استمرار المشروعات الاقتصادية الضخمة التي تشهدها المنطقة. وأي توتر مطول قد يؤثر على خطط التوسع والاستثمارات الجديدة، وهو ما يستدعي أقصى درجات الحكمة في إدارة الأزمة.
في المقابل، تشير المعطيات إلى أن جميع الأطراف تدرك حجم الكلفة الشاملة لأي حرب واسعة. فالمواجهة المباشرة بين قوى عسكرية كبرى لن تكون محدودة التأثير، بل ستنعكس على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق المال والطاقة. ولهذا يبدو أن الاستراتيجية الحالية تقوم على مزيج من الردع المدروس وضبط النفس النسبي، رغم حدة الخطاب المتبادل.
دول الخليج من جهتها تتحرك في إطار الحفاظ على أمنها الداخلي وحماية منشآتها الحيوية، مع التأكيد على ضرورة تجنيب أراضيها أي تصعيد خارج السيطرة. وهي معادلة دقيقة بين الالتزامات الدفاعية والتحالفات من جهة، والحفاظ على الاستقرار الوطني من جهة أخرى.
إن الحديث عن إشعال حرب عالمية ثالثة يجب أن يُفهم في سياقه التحذيري، لا بوصفه حكمًا حتميًا. فالحروب الكبرى لا تندلع بقرار واحد مفاجئ، بل غالبًا ما تكون نتيجة تراكمات وسوء تقدير وتوسع تدريجي في نطاق المواجهة. وإذا كانت شرارة المواجهة قد اشتعلت في إطار إقليمي، فإن منع امتدادها يتطلب تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا، وتفعيل قنوات الاتصال، والاحتكام إلى منطق المصالح المشتركة بدلًا من منطق الغلبة.
المرحلة الراهنة تتطلب قراءة عقلانية دقيقة، تعترف بحجم المخاطر دون تهوين أو تهويل، وتؤكد أن أمن الخليج واستقراره ليسا شأنًا محليًا فحسب، بل عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد العالمي. كما أن مسؤولية منع التصعيد لا تقع على طرف واحد، بل هي مسؤولية جماعية تفرضها طبيعة التداخلات الإقليمية والدولية.
إن المنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن تنتصر حسابات التهدئة والتوازن، وإما أن يتسع نطاق المواجهة بصورة يصعب احتواؤها. ويبقى الأمل أن تغلب الحكمة السياسية، وأن يتم احتواء التصعيد ضمن حدود لا تسمح بانفلاته، حفاظًا على استقرار الشعوب، وصونًا لمستقبل المنطقة من سيناريوهات لا يرغب أحد في اختبارها.
---------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي






