في المسار التاريخي المتصل لنشر الإسلام وترسيخ حضوره في بنغلاديش، تبرز طائفة من العلماء الذين تجاوزت آثارهم حدود الأزمنة لتغدو إسهاماتهم ملامح منهج فكري راسخ، ومعالم حركة إصلاحية متكاملة. ويأتي في طليعة هؤلاء الشيخ الدكتور عبد الله جهانغير رحمه الله، الذي لم يكن مجرد خطيب مفوه أو كاتب مبدع، بل كان عنوانا لتيار دعوي واع ذي أفق فكري عميق، استلهم صفاءه من معين القرآن الكريم والسنة النبوية، وسعى إلى إعادة صياغة المجتمع على أسس من الهدي الرباني الأصيل.
وقد اتسم مشروعه الإصلاحي بسعة الأفق وشمول الرؤية، إذ امتدت جهوده لتشمل ميادين متعددة، من إحياء المعرفة الشرعية وتأصيل البحث العلمي إلى تفعيل الدعوة وبث روح الإصلاح الاجتماعي مرورا بتأسيس المبادرات المؤسسية الرصينة، وانتهاء بإعادة تشكيل الوعي لدى الأجيال الصاعدة. وفي كل هذه المجالات تجلت بصمته واضحة راسخة، وحضوره متينا مؤثرا حتى غدا أحد أبرز الأعلام الذين أسهموا في رسم ملامح العمل الإسلامي المعاصر في بنغلاديش.
من أخص ما تميز به منهج الشيخ الدكتور عبد الله جهانغير رحمه الله في ميدان الدعوة، رسوخه في المعرفة، وارتكازه على الاستدلال المنهجي الرصين. فقد كان على يقين بأن إبراز الصورة الحقيقية للإسلام للناس لا يستقيم عبر الانفعال العاطفي أو الاتكاء على الموروثات الشائعة، وإنما يتأسس على دعائم محكمة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة. ومن ثم، جاءت خطاباته العلمية نسيجا متكاملا يضم بين طياته الاستشهاد بالآيات البينات، والأحاديث الثابتة، والتحليل الفقهي الدقيق، واستحضار السياقات التاريخية في عرض يجمع بين عمق الطرح واتزان المنهج. وقد أكسبه هذا الأسلوب ثقة واسعة، فحظي بقبول معتبر في أوساط العلماء، كما لامس عقول النخب المثقفة، لما اتسم به من مصداقية ووضوح وبرهان.
ومن أبرز معالم إسهامه العلمي عنايته الفائقة بتنقية الخطاب الديني من الشوائب، وكشفه المنهجي للروايات الموضوعة والمفاهيم المغلوطة. فقد ابتلي المجتمع البنغلاديشي عبر مراحل ممتدة بشيوع جملة من الأحاديث غير الموثوقة، والممارسات الشعبية، وأنماط من الخرافات التي ألبست لباس الدين زورا. فنهض رحمه الله لمواجهة هذه الظاهرة بروح الباحث المدقق مستندا إلى أدوات التحقيق العلمي، كاشفا زيف تلك المرويات في ضوء المصادر المعتمدة. ويعد كتابه الموسوم بالتحذير من الأحاديث الموضوعة من العلامات الفارقة في هذا الباب، إذ لم يقف أثره عند حدود التثقيف العام، بل أسهم في فتح آفاق جديدة للحوار العلمي الرصين بين أهل الاختصاص من العلماء والباحثين.
ومن أبدع ما تجلى في منهج الشيخ الدكتور عبد الله جهانغير رحمه الله في ميدان الدعوة، عنايته الفائقة بتيسير الخطاب، وصياغته بلغة سلسة آسرة تتسم بالوضوح والبيان، وتلامس مدارك الناس على اختلاف مستوياتهم. فقد أدرك ببصيرة نافذة أن المعرفة ما لم تكتس ثوب اليسر والبيان، تبقى حبيسة الأذهان، عاجزة عن إحداث الأثر المنشود في واقع الحياة. ومن هنا حرص على تقديم أعمق القضايا الإسلامية في قالب مبسط يجمع بين دقة المضمون وجمال العرض، بحيث يجد فيها المتلقي العادي سبيله إلى الفهم والاستيعاب دون عناء. فجاءت خطاباته محكمة النسج، قائمة على البرهان، وثيقة الصلة بواقع الإنسان مما أكسبها حضورا مؤثرا في القلوب وأثرا باقيا في النفوس.
وعلى الرغم من موقفه الحازم تجاه مظاهر الخرافة والبدع، فقد اتسمت معالجته بقدر رفيع من التوازن والحكمة. فلم يكن خطابه مجالا للتجريح أو ساحة للصدام، بل كان ميدانا للبيان الهادئ، والتحليل الرصين، الذي ينفذ إلى جوهر المسائل دون إثارة للخصومة أو تغذية للانقسام. وكان يدعو إلى إعمال العقل في ضوء الدليل، ويغرس في النفوس روح الإنصاف والتجرد. وبهذا النهج القويم، أسهمت دعوته في إشاعة أجواء الإصلاح، وترسيخ قيم التسامح، وتعزيز معاني الاحترام المتبادل لتغدو نموذجا راقيا للدعوة التي تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق.
ويغدو إسهامه في ميدان الدعوة المؤسسية من أبرز معالم عطائه وأعمقها أثرا، إذ سعى برؤية بعيدة المدى إلى نقل العمل الدعوي من ضيق الجهود الفردية إلى سعة البناء المؤسسي المنظم، القائم على الاستمرار والتجدد. فقد أسس في محافظة جينيده مؤسسة السنة لتكون صرحا علميا دعويا تتكامل فيه وظائف التعليم والتزكية والخدمة الاجتماعية في إطار يستمد روحه من هدي القرآن الكريم والسنة النبوية. ومن خلال هذا الكيان انطلقت برامج تعليمية رصينة، ومبادرات إنسانية نوعية، وأنشطة ثقافية هادفة، أسهمت في ترسيخ الوعي الإسلامي، وتلبية حاجات المجتمع، ونشر المعرفة الشرعية بأسلوب معاصر. وبهذا الإنجاز تجاوزت دعوته حدود الارتباط بالشخص لتتحول إلى مشروع مؤسسي ممتد، يواصل أداء رسالته بثبات وفاعلية حتى بعد رحيله.
أما في الحقل الأكاديمي، فقد تجلت بصمته في أبهى صورها، حيث لم يكن بصفته أستاذا في قسم الحديث بالجامعة الإسلامية بكشتية ناقلا للمعرفة فحسب، بل كان مربيا للعقول، وصانعا للباحثين، وباعثا لروح النقد العلمي الرصين. فقد عمل على تنمية ملكات التحليل، وتعميق منهجية الاستدلال، وترسيخ ثقافة البحث لدى طلابه حتى غدا كثير منهم نماذج واعدة في ميدان الدراسات الحديثية والعلوم الإسلامية. وهكذا أسهم بعلمه وتوجيهه في إحداث نقلة نوعية في البيئة الأكاديمية الإسلامية في بنغلاديش مضفيا عليها قدرا أكبر من العمق والرصانة، وممهدا الطريق لجيل من الباحثين القادرين على مواصلة مسيرة العطاء العلمي والدعوي.
وقد تجلى أثره في أوساط الشباب البنغلاديشي بصورة لافتة، حيث جاء خطابه في مرحلة حرجة كانت تعاني فيها هذه الشريحة من اضطراب في الهوية، وتردد في الانتماء تحت تأثير موجات الحداثة المتسارعة، والتطور التقني المتلاحق، وضغوط الثقافة العالمية المتعددة. فنهض رحمه الله ليقدم الإسلام في صورة عقلانية آسرة، وصياغة جمالية متوازنة تمتزج فيها قوة الحجة بسمو العرض، ففتح أمام الشباب آفاقا رحبة للفهم الواعي، والالتزام القائم على البصيرة. وقد أسهمت محاضراته ومؤلفاته في إحياء معاني الانتماء، وترسيخ القيم الأخلاقية، وبعث روح المسؤولية في نفوسهم حتى غدت دعوته رافدا مؤثرا في تشكيل وعيهم، وتوجيه مساراتهم نحو بناء ذات متوازنة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وكانت الوسطية تمثل لب مشروعه الفكري، ومحور رؤيته الإصلاحية، إذ وقف موقفا حازما من مظاهر الغلو والتشدد، كما حذر من آفات التقليد الأعمى والجمود الفكري داعيا إلى منهج قويم يستمد نوره من القرآن الكريم والسنة النبوية، ويقوم على الحكمة والرشد. وقد سعى إلى جمع الكلمة، ورأب الصدع، وتعزيز روح الوحدة بين المسلمين مؤكدا على أدب الخلاف، وقيم التسامح، وأهمية إدارة التباين بروح علمية راقية تحفظ للأمة تماسكها، وتصونها من عوامل التفرق والانقسام.
وقد ترك إنتاجه العلمي والأدبي بصمة راسخة في مسار المعرفة الإسلامية في بنغلاديش، إذ جاءت مؤلفاته صورة ناصعة لاجتماع صفاء العقيدة مع صحة العمل، مشفوعة برؤية إصلاحية واعية تستقرئ واقع المجتمع وتستجيب لتحدياته. وقد تميزت كتاباته بعمق التحليل، ونقاء العبارة، وجمال السبك حتى غدت معينا ثرا للمعرفة، ومرجعا موثوقا يستضيء به طلاب العلم، ويأنس إليه الباحثون في مسالكهم العلمية.
وتنهض سيرة الشيخ الدكتور عبد الله جهانغير رحمه الله شاهدة على حقيقة كبرى، مؤداها أن الدعوة إلى الإسلام لا تقوم على مجرد الحماسة العابرة، بل ترتكز على دعائم راسخة من الحكمة، والصبر، والعلم المتين، والمنهج السديد. فقد جسد في تجربته أن التغيير الأصيل إنما يبنى بالحجة الواضحة، ويترسخ بالعقل الراجح، ويكتمل بحسن العرض وجمال البيان، حتى يبلغ أثره القلوب والعقول معا.
وخلاصة القول، أنه يمثل علامة فارقة في مسار الدعوة الإسلامية في بنغلاديش، إذ تجاوز عطاؤه حدود الزمن، وامتد أثره عبر فكره ومؤلفاته ومؤسساته ليظل حضوره متجددا في واقع الأمة. لقد أرسى معالم منهج متكامل يقدم الإسلام في صورته المشرقة، القائمة على العلم، والاعتدال، والبعد الإنساني، وهو منهج جدير بأن يظل نبراسا هاديا للأجيال القادمة، وركيزة ثابتة في تاريخ نشر الإسلام وترسيخ قيمه في بنغلاديش.
----------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي
المراجع:
- كتب الدكتور عبد الله جهانغير رحمه الله.






