إن نشأة الحضارة الإسلامية وتطورها في بنغلاديش ذات الطابع النهري تمثل حصيلة مسار تاريخي وجغرافي وثقافي متدرج تشكل عبر تعاقب القرون حتى استقر في وجدان المجتمع، وغدا جزءا أصيلا من نسيجه الحضاري. فقد أسهمت خصوصية هذه الأرض بما تزخر به من أنهار متشابكة، ومجاري مائية ممتدة، وسهول فياضة بالخصب، ومنظومة تواصل قائمة على الطرق النهرية في تهيئة بيئة فريدة لانتشار الإسلام وترسخ معالم حضارته.
ولم تكن الأنهار في هذا السياق مجرد مورد للرزق أو إطار طبيعي للحياة، بل كانت بمثابة شرايين نابضة تحمل في مجراها حركة الناس وتبادل الأفكار، وتؤدي دور الجسور التي تصل بين العوالم والثقافات. ومن خلال هذه الشبكة المائية الحيوية انفتحت بنغلاديش على آفاق العالم، وتسربت عبرها رسالة الإسلام إلى عمق البلاد، فلامست القلوب قبل أن تستقر في الواقع، وتشكلت في ظلها معالم حضارة امتزج فيها البعد الروحي بالواقع الاجتماعي في صورة متوازنة تنبض بالحياة.
لم يكن ورود الإسلام إلى بلاد البنغال حادثة عابرة أو ظاهرة اقترنت بالصراع والاصطدام، بل جاء في إطار مسار إنساني هادئ تميز بالتدرج واللين، وانفتح على القلوب قبل أن يفرض حضوره في الواقع. فقد كان التجار العرب يرسون بسفنهم على سواحل خليج البنغال، ثم يتوغلون عبر الشرايين النهرية إلى أعماق البلاد حاملين معهم إلى جانب تجارتهم منظومة أخلاقية رفيعة تقوم على الصدق والعدل والأمانة.
وقد انعكست هذه القيم في سلوكهم اليومي وتعاملاتهم، فبدوا في نظر السكان المحليين تجسيدا حيا لروح الإسلام، لا في خطابه النظري فحسب، بل في ممارسته الواقعية. ومن هنا لم يكن انتشار الإسلام نتيجة نفوذ سياسي أو قوة قاهرة، بل كان ثمرة تواصل إنساني صادق، أسس لعلاقات قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، فوجدت رسالته طريقها إلى النفوس، واستقرت في الوجدان قبل أن تتجلى في مظاهر الحياة.
وقد اضطلع المتصوفة بدور حاسم في تعميق هذه المسيرة وتوسيع دائرتها، إذ اتخذوا من ضفاف الأنهار مواطن إقامة، واندمجوا في نسيج المجتمع المحلي اندماجا واعيا، فنسجوا مع الناس علاقات قائمة على الألفة والثقة. وكانت حياتهم ترجمة حية لقيم الزهد، ومحبة الخلق، والسمو الروحي، فلم يكتفوا ببلاغة القول، بل جسدوا دعوتهم في أفعالهم، فكانوا قدوة صامتة تنطق سلوكا، وتؤثر حضورا. ومن خلال خدمتهم للناس، وتعاطفهم مع آلامهم، وحسن معاملتهم، استطاعوا أن يبلغوا القلوب دون تكلف، وأن يغرسوا معاني الإيمان في النفوس برفق وحكمة. وعلى ضفاف تلك الأنهار شيدوا زوايا وخوانق ومساجد، لم تكن مجرد أبنية جامدة، بل مراكز إشعاع روحي واجتماعي تتشكل فيها ملامح الحياة، وتنبض حولها حركة المجتمع.
وقد جاءت الطبيعة النهرية لتكون عاملا معينا على انتشار الإسلام واتساع رقعته، إذ يسرت شبكة الأنهار سبل التنقل، وجعلت الوصول إلى المناطق البعيدة أمرا ميسورا. فكان المتصوفة ينتقلون عبر هذه الشرايين المائية بخفة وسرعة حاملين معهم رسالة تلامس القلوب قبل العقول. وكانت التجمعات البشرية التي نشأت على ضفاف الأنهار بيئة خصبة لتلقي هذه الدعوة، حيث تتقاطع طرق الحياة، وتتلاقى وجوه الناس، فتتهيأ النفوس للانفتاح والتفاعل. وهكذا، انتشر الإسلام في ربوع البنغال انتشارا طبيعيا نابعا من الداخل، لم تدفعه قوة قاهرة، بل غذته جاذبية القيم، وصدق النموذج، فاستقر في القلوب قبل أن يترسخ في الواقع.
وقد تجلت آثار الإسلام في المجتمع البنغالي في صورة متعددة الأبعاد، إذ أرسى رؤية اجتماعية مغايرة تقوم على إعلاء قيمة الإنسان، وترسيخ مبدأ المساواة في الكرامة، بحيث لا يعلو فرد على آخر إلا بقدر ما يحمله من تقوى وقيم. وفي مجتمع كان مثقلا بقيود التراتبية الطبقية والتمايز الاجتماعي الحاد، جاء الإسلام ليقوض تلك الحواجز، ويؤسس لبنية اجتماعية أكثر عدلا وتوازنا. ومن هنا، وجدت الفئات المهمشة في هذه الرسالة أفقا رحبا للكرامة، ومجالا لاستعادة إنسانيتها، فانجذبت إليها لما حملته من وعود بالمساواة والإنصاف.
أما في المجال الثقافي فقد تسربت روح الحضارة الإسلامية إلى أعماق الوجدان البنغالي، فانعكست في اللغة، وتجلت في الأدب، وتبلورت في الفنون حتى غدت جزءا من التعبير الحضاري لهذه الأمة. وأسهمت العمارة الإسلامية بما تحمله من جماليات المساجد وروحانيتها إلى جانب فنون الخط العربي، وتأثيرات العربية والفارسية في إضفاء بعد جمالي ومعرفي جديد على الثقافة المحلية. ولم يكن هذا التأثير قطيعة مع الموروث، بل كان تفاعلا خلاقا أفضى إلى صياغة هوية ثقافية متفردة، تزاوج بين الخصوصية المحلية والانتماء الحضاري الأوسع في انسجام بديع.
وعلى الصعيد الاقتصادي برز أثر الحضارة الإسلامية في تنشيط الحياة الاقتصادية وإضفاء الحيوية على حركتها. فقد أتاحت الشبكة النهرية الواسعة بيئة مثالية لازدهار التجارة، حيث سهلت حركة التنقل والتبادل بين مختلف الأقاليم، فانتعشت الأسواق، وتوسعت دائرة النشاط التجاري، ولا سيما في أوساط التجار المسلمين الذين رسخوا قيم الأمانة والعدل في معاملاتهم. كما شهد القطاع الزراعي تطورا ملحوظا بفضل خصوبة الأراضي التي تغذيها الأنهار بطميها مما أدى إلى وفرة الإنتاج واستقرار الموارد. وبهذا أسهم هذا الازدهار في تعزيز تماسك المجتمع، وتهيئة الأرضية لنمو متوازن يجمع بين الاستقرار الاقتصادي والرقي الحضاري.
وقد تجلى أثر الحضارة الإسلامية في ميدان التعليم إشراقا ممتدا، إذ لم تقتصر المدارس على تلقين العلوم الدينية، بل غدت منارات للمعرفة، تنفتح على آفاق اللغة والأدب وسائر ضروب العلم، فتسهم في صياغة عقلية تجمع بين عمق الروح وسعة الإدراك. ومن خلال تعلم العربية والفارسية انفتح أهل البنغال على رحاب العالم الإسلامي، فارتبطوا بمصادره الفكرية، وتفاعلوا مع تراثه العلمي، فانبثقت من ذلك بيئة معرفية خصبة، غذت الوعي، وأيقظت العقول، وأسهمت في ارتقاء المجتمع ونضجه.
ومن الخصائص اللافتة لهذه الحضارة قدرتها البارعة على التكيف، إذ لم تأت في صورة صدام مع الموروث المحلي، بل انخرطت في حوار خلاق معه، فأنتجت صيغة حضارية متوازنة، تتآلف فيها الخصوصية الثقافية مع الانتماء الإسلامي في انسجام رفيع. ومن هذا التفاعل، نشأ مجتمع يتسم بالسماحة والإنسانية، تتجاور فيه القيم الدينية مع روح التعايش في صورة تعكس تنوعا غنيا دون أن تفقد وحدتها الداخلية.
أما المساجد فقد تجاوز دورها حدود العبادة لتغدو مراكز إشعاع حضاري تنبض بالحياة الاجتماعية والثقافية حيث يلتقي الناس للتشاور، ويتلقون العلم، ويتداولون شؤونهم، فتتشكل فيها ملامح الجماعة، وتترسخ فيها قيم المشاركة والتكافل. وهكذا أصبح المسجد قلب المجتمع النابض، ومركز تفاعله، يجمع بين البعد الروحي والواقع المعيش في صورة متكاملة.
وخلاصة القول، إن مسار الحضارة الإسلامية في بنغلاديش ذات الطبيعة النهرية لم يكن وليد لحظة عابرة، بل كان تشكلا تاريخيا عميقا، تسلل إلى الوجدان، وترسخ في البنية الاجتماعية، وارتسم في ملامح الثقافة. ولم تكن الأنهار مجرد عنصر جغرافي صامت، بل كانت قوة تاريخية حية حملت رسالة الإسلام عبر مجاريها حتى استقرت في القلوب، واستمرت آثارها ممتدة في الحاضر، ومرشحة لأن تظل فاعلة في رسم معالم المستقبل.
-------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي
المراجع:
- رفيع الدين أحمد، المسلمون في البنغال (من ١٨٧١ إلى ١٩٠٦).
- عبد الكريم، التاريخ الاجتماعي للمسلمين في البنغال.






