28 - 02 - 2026

مؤشرات | مقايضة الديون وماذا بعد قناة السويس؟

مؤشرات | مقايضة الديون وماذا بعد قناة السويس؟

لم يتوقف الجدل في الوسط الاقتصادي حول مقترح رجل الأعمال حسن هيكل، لحل أزمة تفاقم الدين المحلى بمقايضة لاستبداله بأصول هيئة قناة السويس، ونقل ملكية الهيئة من وزارة المالية إلى البنك المركزي.

وشرح حسن هيكل مقترحه خلال لقاء تلفزيوني على قناة "القاهرة والناس"، والذي تضمن إجراء الدولة تقييما لهيئة قناة السويس عبر الجهاز المركزي للمحاسبات وبمشاركة شركة عالمية، مقدرا قيمة الهيئة بنحو 200 مليار دولار، اعتمادا على الإيرادات المحققة سنويًا خلال الفترة الأخيرة والبالغة نحو 10 مليارات دولار، باستثناء فترة الأزمات.

واقترح حسن هيكل- وللعلم هو نجل الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل – أن يتم منح البنك المركزي قيمة هيئة قناة السويس بأقل نحو 100 مليار دولار، مقابل تقييم الديون المحلية بقيمة 5 تريليونات جنيه فقط.

وفي حال تخطت إيرادات القناة حاجز الـ 10 مليارات دولار تتم مشاركة الأرباح بين البنك المركزي ووزارة المالية، على أن يتم تخفيض سعر الفائدة لنحو 16%.

وسيدفع البنك المركزي الفائدة للبنوك عن أموال المودعين، بدلا من وزارة المالية، من عوائد هيئة قناة السويس التي تصل إلى 6% سنويًا بالدولار، بجانب تعويض القيمة الأخرى المتبقية عبر رفع حد الاحتياطي الإلزامي على البنوك إلى 18%، وبالتالي لن تتأثر أموال المودعين بعد المقايضة.

وإلى هنا ينتهي اقتراح هيكل، وهو في مجمله، وفي شكله العام جيد جداً، إلا أن الجدل حوله لم يتوقف، ودار نقاش من خبراء ومتخصصين حوله، وسط تخوفات من مخاطر كبيرة تتعلق خشية أن يكون بداية لإعلان افلاس، ووسط غياب عن حلول لمشاكل ديون السندات الخارجية مثل "اليوروبوند"، والتي استدانت بها الحكومة لسد متطلبات الإنفاق الحكومي، وتمويل عجز الموازنة والميزان التجاري.

وتشير البيانات الرسمية لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي إلى أن حجم الدين المحلي بلغ نحو 11.05 تريليون جنيه، بنهاية الربع الأخير من العام المالي حتى نهاية يونيو 2024- 2025، مرتفعاً 3.5% بين الربعين الأول والثاني من 2025، حيث سجل 10.685 تريليون جنيه بنهاية الربع الأول من العام نفسه، فيما تشير التقديرات إلى اقترابه من حاجز الـ 13 تريليون جنيه بنهاية العام 2025.

في المجمل العام أن الجدل قائم بسبب التزامن بين طرح هذا المقترح، وما قاله رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بأن الحكومة تعمل وفق رؤية واضحة لخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 عاماً، وما قاله إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96% قبل عامين إلى نحو 84% حالياً.

مدبولي قال أيضاً إن الدولة دخلت بالفعل في المسار التنازلي للدين، ومع تراجع أسعار الفائدة ستنخفض أعباء خدمة الدين، بما يتيح مساحة أكبر للاستثمار في قطاعات خدمية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، منوها إلى أن أموال الديون التي حصلت عليها الدولة تم توجيهها لبناء بنية أساسية قوية ودعم قطاعات حيوية تمس حياة المواطن بشكل مباشر.

خطة الحكومة وفقاً للسردية الوطنية تتضمن أن نسبة الدين للناتج المحلي ستنخفض من 85% في عام 2024-2025 إلى 81% في 2025-2026، ثم إلى 79% في 2026-2027، ونحو 77.5% في 2027-2028، و75% في 2028-2029.

رغم كل هذا تبقى قضية الديون، ومنها الديون المحلية تثير القلق، بعدما وصلت لرقم مزعج وصل 13 تريليون جنيه، وهي مثار نقاش، بين الخبراء، وجاء اقتراح حسن هيكل في هذا الشأن بفكرة المقايضة، إلا أن الاقتراح يراه البعض مثل هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي غير متكامل، في وقت يستحوذ الأجانب على 40% من الأذون الحكومية، وكيف سيتم تسوية ديونهم، وهل سيتم منحهم أصولا مقابل مديوناتهم، وما الموقف من أموال المودعين المصريين، وهل ربما يكون مصير أموالهم المصادرة.

المنتقدون لم يطرحوا بدائل لما طرحه حسن هيكل، إلا أن عز العرب في حوار مع هيكل على السوشيال ميديا يرى أن نمو الإيرادات هو الحل، خاصة مع تآكل 50% من إيرادات الموازنة العامة لتغطية خدمات الديون، وفي نفس الوقت من المهم أيضاً تعظيم دور القطاع الخاص ونموه في الاستثمارات والإنتاج لزيادة الحصيلة الضريبية، وإعادة توجيه مدخرات المواطنين في استثمارات ذات عوائد.

عز العرب ابدى تخوفه من طرح هيكل من أن يتكرر نموذج أزمة لبنان، في حال مقايضة الديون المحلية، والتي هي بالأساس أموال مواطنين، والتخوفات من ضياع أموالهم في حال المقايضة للديون بين وزارة المالية والبنك المركزي.

وفكرة انتقال ملكية هيئة قناة السويس ستحرم وزارة المالية والموازنة العامة واحدا من أهم عائدات النقد الأجنبي، الأمر الذي سيؤدي إلى أزمة في الإيرادات، وميزان المدفوعات، خاصة أن مقترح هيكل ربط حصول وزارة المالية على حصة من عائدات قناة السويس بزيادة العائدات عن 10 مليارات دولار سنوياً، وهو الأمر الذي يواجه صعوبة حالياً في ظل الأزمات السياسية في البحر الأحمر.

والخطر هنا يكمن في أن الدولة مازالت تعاني معاناة شديدة من عوائد النقد الأجنبي، رغم الارتفاع في تحويلات المصريين في الخارج، والتي ترتبط بحجم فرص العمل في الخارج للمصريين والاستقرار في سعر الصرف.

معالجة الديون لن تحلها مقايضتها بالأصول السيادية، بل تتطلب معالجات السياسات الاقتصادية، والتنمية الإنتاجية، وزيادة فرص العمل، ونمو الصادرات، وإعادة النظر في جدوى العديد من المشروعات التي تحتاج لتمويلات محلية، والحد من الاقتراض، وتحديد أولويات المشروعات التي يتم تمويلها بالقروض، ونمو الصادرات.
----------------------------
بقلم: 
محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | مقايضة الديون وماذا بعد قناة السويس؟