03 - 03 - 2026

التفاوض تحت مطرقة ترامب !

التفاوض تحت مطرقة ترامب !

أكتب هذا بينما تجري الإستعدادات لعقد الجولة الثالثة للمحادثات (والتي قيل أنها نهائية وحاسمة) بين الوفدين الإيراني والأمريكي بوساطة عمانية (محادثات غير مباشرة) .

لا تبدو المؤشرات متفائلة. إذا فشلت هذه الجولة، فإما تكون هناك جولة أخري، وهي ما يعني نجاح نسبي للدبلوماسية الإيرانية، وإما توجيه ضربات قوية ضد إيران قبل نهاية الأسبوع القادم. ولكن وارد أيضا أن ينزل ترامب من فوق الشجرة ويكتفي بفرض مزيد من الحصار والعقوبات علي إيران.

.. ويبدو أن المجتمع الدولي، بما في ذلك الشرق الأوسط يكتفون بالمتابعة، وكأنهم يشاهدون مباراة في الملاكمة!. لقد هددت إيران بأن كل القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة ستكون أهدافا مشروعة، إذا تم الإعتداء عليها. ذلك لو حدث ، سيكون زلزالا ضخما، تترتب عليه شروخ متعددة في أوضاع "الإستقرار القلق" في المنطقة بالكامل .

في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي للعام الصادرة في نوفمبر 2025 ، تضمنت إشارة إلي " عملية مطرقة نصف الليل " ( Operation Midnight Hamamer ) التي "قامت فيها أمريكا بسحق القدرات الإيرانية في التخصيب النووي"، وذلك وفقاً للرؤية الإستراتيجية الأمريكية للرئيس ترامب "من أجل إستعادة القوة الأمريكية في الداخل والخارج ، وإعادة السلام والإستقرار للعالم" .

وكانت هذه العملية قد تمت في يونيو  ٢٠٢٥، واشتملت علي المفاعلات النووية في " فوردو " و " ناطنس " و " أصفهان "، بإستخدام القاذفات الشبح B2  التي قذفت المواقع بقنابل خارقة للأعماق، فضلاً عن صواريخ توما هوك .

بعد تمام العملية تضمنت تصريحات ترامب وكبار مسؤولي إدارته أن العملية نجحت "وأن المطرقة سحقت قدرات إيران في تخصيب اليورانيوم"، وقد اختلفت التقديرات في أثر هذه الضربة، حيث ذهب البعض إلي أن الضرر كان كبيراً بالفعل إلا أنه مؤقت، بينما ذهب البعض الآخر إلي أن الأثر عطل عمليات التخصيب لأعوام قادمة، بينما أبدي آخرون التشكك فيما إذا كانت البنية الأساسية أو المواد المخصبة قد تم تدميرها بالفعل (وهؤلاء في الغالب يمثلون دوائر صهيونية يهمها الإبقاء علي إيران داخل الأجندة الأمريكية في العمل العسكري الأمريكي) .

ومن المدهش أن ترامب وآقطاب إدارته لم يقدموا أي تفسير للتهديدات الحالية إذا كانوا حقاً قد "سحقوا البرنامج النووي الإيراني في يونيو الماضي"!!

تجدر الإشارة إلي أن إيران منضمة بالفعل لمعاهدة حظر الإنتشار النووي NPT ، وبالتالي فإن هذا الهجوم علي منشآتها النووية غير مبرر علي الإطلاق من زواية القانون الدولي ، وهو عدوان عسكري يخالف ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن أنه انتهاك لحقوق دولة تتمتع بعضوية المعاهدة الدولية في حظر الإنتشار.

نشرت "وول استريت جورنال " تقريراً يوم ٢٣ فبراير الحالي حول التحذيرات التي قدمها رئيس الأركان الأمريكي جنرال "دان كين" ، ووزارة الدفاع الأمريكية خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي بشأن المخاطر التي قد تتعرض لها أمريكا وحلفاءها في المنطقة ( العرب بالطبع ) .

ومن ناحية أخري نشرت الجارديان في عددها الصادر في نفس اليوم أخباراً عن عملية إجلاء تنفذها أمريكا لأعضاء سفارتها في لبنان من أجل تفادي مخاطر المواجهة مع إيران ، حيث شوهدت أعداد من أفراد البعثة الأمريكية يغادرون من مطار رفيق الحريري في بيروت .

من المتوقع أن تعقد جولة المحادثات الثالثة ( غير المباشرة ) في جنيف اليوم الخميس الموافق 26  فبراير 2026 بشأن تحديد وتقليص البرنامج الإيراني ، وقد صرح ترامب أنه يريد صفقة ذات معني " مقبولة " meaningful deal تؤدي إلي منع إيران من بناء سلاح نووي ، وحذر أن "أشياء سيئة" قد تحدث إذا لم يتم التوصل إلي صفقة .

وتجدر الإشارة إلي أن أمريكا قامت بإخلاء سفاراتها وقواعدها العسكرية في المنطقة في الفترة التي سبقت هجومها علي إيران في يونيو  ٢٠٢٥ ، عندما قامت بإجلاء الموظفين غير الأساسيين مؤقتاً من سفاراتها في العراق والبحرين والكويت .

وقد صرح مسؤول رفيع في الخارجية الأمريكية يوم الإثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ أنه قد صدرت أوامر بمغادرة موظفي الحكومة غير الأساسيين وأفراد أسرهم من السفارة الأمريكية في بيروت ، مبرراً ذلك بأنه من الحكمة تقليص الوجود الأمريكي بحيث يقتصر علي الموظفين الأساسيين فقط  essential personnel  .

ويبدو أن هناك تخوف في بعض الدوائر الأمريكية من أن إيران قد تقذف صواريخها علي سفارات أمريكا وقواعدها العسكرية، وعن طريق إعطاء الضوء الأخضر للقوات الحليفة لها في المنطقة بشن هجمات علي أهداف أمريكية .

مع ملاحظة أن إيران  أجرت مناورات عسكرية الأسبوع الماضي مع روسيا، حيث تم تجربة صواريخ مضادة للسفن يمكن إستخدامها لإغلاق مضيق هرمز .

وقد  صرح ستيف ويتكوف مبعوث ترامب الذي يقود عملية التفاوض مع إيران (يوم السبت ٢١ فبراير) أن الرئيس لا يفهم لماذا لم تستسلم إيران حتي الآن Capitulated  في المحادثات حول برنامجها النووي، موضحاً أن الرئيس لديه العديد من الخيارات الأخرى ( فوكس نيوز في لقاء مع لارا ترامب زوجة ابن ترامب ) .

هذا التصريح ، في هذا التوقيت له مغزي سياسي هام ، لأن استخدام مصطلح " إستسلام " Capitulation يحمل مفاهيم سياسية عديدة في القاموس الدبلوماسي ، فهو قد يعني: "توقع تنازل أحادي من إيران"، أو تحديد نطاق التفاوض ليس في التوصل إلي تفاهمات ، وإنما بإعتباره وسيلة ضغط ، أو أن هذا الإستخدام مجرد موقف تفاوضي يمثل " الحد الآقصي " .

وبإفتراض أن " ويتكوف " يفهم معني هذا المصطلح ، وأنه تعمد استخدامه ، فهو يشير بلا شك إلي إستراتيجية تعتمد علي الضغط المتواصل ، وليس التفاهم المتفق عليه .

ويتكوف .. مطور عقاري، ومن الأصدقاء المقربين من ترامب، واختياره كمبعوث له، يعكس تفضيل ترامب للوسطاء الشخصيين الموثوق بهم ، وليس الدبلوماسيين المحترفين بما يصبغ تلك المفاوضات ( وغيرها كما في غزه ) بما يلي :

-أنها تحمل طابعاً يميل إلي شكل عقد الصفقات التجارية .

-كما تحمل طابعاً شخصياً ، ولا تعتمد علي المؤسسات والقنوات الدبلوماسية المعتادة .

أن هذا اللقاء الذي أجراه " ويتكوف " مع "فوكس نيوز"، قد يشير إلي أنه يحمل رسالة تخاطب أولاً: الرأي العام الداخلي في أمريكا ، كتأكيد علي موقف الإدارة المتصلب والخشن، ولكنها ثانياً: رسالة للقادة الإيرانيين توضح إحتمالات اللجوء لبدائل تصعيدية ( التي ربما تكون عسكرية أو إقتصادية ) ، وثالثاً: هي رسالة للحلفاء والأطراف الإقليميين في الشرق الأوسط بأن أمريكا جادة وتعني ما تقول It means business  .

ومن ناحية أخري ، يعد إستخدام جملة : "لدينا العديد من البدائل" ، التي استخدمها ويتكوف في لقائه التليفزيوني المشار إليه سابقاً ، بمثابة تمهيد وتحذير بشكل مبطن ،  إلي وجود خيارات غير دبلوماسية بما في ذلك زيادة العقوبات أو إجراءات عسكرية جزئية أو شاملة .

وقد لا يزيد كل ذلك عن كونه جانبا من الحرب النفسية التي تستخدم في عمليات التفاوض ، فمجرد طرح سؤال : "لماذا لم تستسلم إيران؟" ، يضيف الضغوط علي المفاوض الإيراني، ويقوي المعارضين الإيرانيين في الداخل ، ويقلص هامش المرونة الدبلوماسية إلي حد الإنعدام .

ولكن من ناحية أخري ، وبدراسة نفسية المفاوض الإيراني وثقافته وسوابقه التفاوضية ، يمكن أستخلاص أنه يعتبر أن عملية التفاوض تدخل في "مقاومة الضغوط" وأهمها طرح خيار الإستسلام نفسه ، لأن استخدام هذه اللغة سوف تؤدي إلي تقوية الخط المتشدد في القيادة الإيرانية ، فلا يتحقق الهدف من التفاوض ، بل قد يدفع الجانب الإيراني إلي إبداء المزيد من التشدد .

أن ما يبدو كهدف إستراتيجي للمفاوضات من وجهة النظر الأمريكية هو "فرض حدود لعمليات التخصيب ، مع وجود ضمانات للمراقبة والشفافية" . بينما تهدف إيران فيما يبدو إلي التوصل لتخفيف العقوبات ، والإعتراف بحقوقها القانونية النووية وفقاً لمعاهدة حظر الإنتشار النووي . أي أن الطرفين يستخدمان إنطباع القوة في التفاوض بشكل أو بآخر .

وكملاحظة عامة ، يمكن القول بالتجربة أن استخدام اللغة الخشنة في الإعلام  قد لا تعكس في أغلب الأحوال اللغة الأكثر هدوءاً خلف أبواب التفاوض المغلقة .

أن من يفهم أسلوب ترامب الذي تحدث عنه في كتابه " فن الصفقة " The Art of Deal ، يمكنه أن يتوقع أن غاية ما يسعي إليه هو التوصل إلي صفقة مع الإيرانيين من خلال "التنازلات المتدرجة" incremental conssessions  ، وذلك بالتلويح بعصا التصعيد المحتمل " الغامض " ، وبإستخدام الرسائل الإعلامية والتصريحات التي تحمل التهديد والترغيب بما يقترب بشكل ما من سياسة حافة الهاوية Brinkmanship Policy  .

إلا أنه ينبغي التنبه إلي أن المخاطر التي تحيط " الدبلوماسية النووية " العالية في خبرة الحرب الباردة ، ومفاوضات نزع السلاح ، التي تجعل من استخدام مصطلحات مثل " إستسلام " سبباً في تباطؤ التوصل إلي حل، حيث تتصلب مواقف الأطراف بدلاً من تحقيق اختراق ونتيجه وسط متفق عليها ، فمن المحتمل مثلاً أن تنظر القيادة الإيرانية إلي كلمة / مصطلح (الإستسلام) ، بإعتباره مقصودا ليحمل طابعاً تهديدياً ، حيث أن الثقافة الإيرانية تربط مفهوم " الإستسلام " تاريخياً، بالإذلال والخضوع للهيمنة الأجنبية، ومن ناحية أخري تقوم شرعية النظام الإيراني الحالي في الأساس علي إعتباره مقاوما للضغوط الخارجية .

بناء علي ذلك، فقد ينظر إلي ما قاله " ويتكوف " بشأن " الإستسلام "، بإعتباره مجرد " زلة لسان " من " مقاول " لا يفهم شيئاً في الدبلوماسية ، وبالتالي لا تعتبره طهران جزء من الحملة ضدها لإضعاف موقفها التفاوضي ، وإنما هو محض إستعراض بلاغي ، اعتاد عليه العالم من ترامب وإدارته ، بأنهم الأقوي والأقدر ، رغم أن ذلك لا يحتاج إلي كلام ، وقد يقلل الكلام فيه من مصداقيته .

ولكن ماذا عن أثر ذلك علي الوضع الداخلي في إيران ؟

سوف يختلف رد الفعل ما بين التيار المتشدد ، والتيار البراجماتي ، فقد يري المتشدد الذي يتمثل في الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة الأمنية ، ودوائر المرشد الأعلى ، أن ذلك يعني أن أمريكا لا تسعي إلي تسوية ، وإنما إلي إخضاع ، ويؤكد أن المفاوضات غير مجدية لأنها غير متكافئة ، وأن أي تنازل سيؤدي إلي مطالب إضافية مثل موضوعات ترسانة الصواريخ بعيدة المدي ، بل وقد يصل إلي المطالبة بتحديد آعداد وقدرات القوات المسلحة الإيرانية ..إلخ ، وهو ما يعزز في الواقع خطاب النظام في " إقتصاد المقاومة " والتقشف ، والإلتفاف حول العلم .

أما التيار البراجماتي في إيران ، فقد يري في تصريح " ويتكوف " أنه مجرد خطاب موجه للإستهلاك المحلي الداخلي في أمريكا ، مع الحذر من أن تكون مؤشراً حقيقاً لبدائل تصعيدية لدي واشنطن بالفعل ، أو قد تندفع إليها ، وربما يستنتج هذا التيار أن ذلك يتطلب أن يمزج التفاوض الإيراني ما بين الصلابة المحسوبة ، والتراجع المحسوب .. أو الانسحاب من التفاوض.

وعلي جميع الحالات ، فلابد أن القيادات الإيرانية مشغولة في الوقت الحالي في تفسير الرسائل الأمريكية المتعاقبة ما بين تصريح " ويتكوف " وتعليق " ترامب " ، وهي في ذلك قد تطرح ثلاث أسئلة جوهرية : السؤال الأول :هل التهديد هو تهديد لفظي ؟ ،  وللإجابة عليه ، فظني أنه لابد من بحث مدي الإستعدادات العسكرية الفعلية التي تؤكد جدية التهديد ، ومدي الإجماع السياسي علي الخيار العسكري داخل واشنطن ، ومدي الدعم الإقليمي وخاصة في منطقة الخليج لهذا الإحتمال .

السؤال الثاني الذي ينبغي أن تطرحه القيادة الإيرانية يتعلق بالوسيلة التي نقلت تصريح " ويتكوف " ، وربما تفترض طهران أن استخدام " فوكس نيوز " بإتجاهها المعروف ، يشير إلي أن التصريح يستهدف ولو بشكل جزئي الجمهور الأمريكي .

أما السؤال الثالث فهو " هل تقوم أمريكا فعلياً بالتحضير للتصعيد ؟ ، والحقيقة أن عبارة " لدينا بدائل كثيرة " قد تشير إلي عدة معاني ، فقد تعني " تشديد العقوبات " ، وقد تعني " عمليات خاصة وسرية غير معلنة لكسر تماسك الجبهة الداخلية " ، وقد تعني أخيراً " مجرد ضربات محدودة ، ربما أشد قسوة من مطرقة يونيو الماضي ، وآوسع إنتشاراً "

وأخيراً تجدر الإشارة إلي أن " ويتكوف " قد تساءل في حديثه التليفزيوني المشار إليه : " لا أعرف لماذا لا يأتون إلينا ، ويقولون ببساطة : نحن نعلن رفضنا للسلاح النووي ، وهاكم ما نحن مستعدون للقيام به لتنفيذ ذلك الإعلان " ، رغم كل الحشد العسكري البحري ، لا يزال من الصعب إقناعهم بذلك .

هل يمكن إستخلاص أن الحل الدبلوماسي ممكن ... أم أن " مطارق " ترامب لابد أن تنزل فوق الرؤوس في الشرق الأوسط ؟
-------------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق

مقالات اخرى للكاتب

التفاوض تحت مطرقة ترامب !