لم تعد الديون في عالم اليوم مجرد علاقة مالية بين دائن ومدين، بل تحولت إلى أصل قابل للتداول والتجزئة وإعادة الهيكلة داخل أسواق المال العالمية، هذا التحول نقل الدين من كونه أداة تمويل تقليدية إلى سلعة مالية لها سعر يومي ومخاطر وعوائد ويتم تداولها بين مؤسسات استثمارية وصناديق عالمية، ومع اتساع نطاق العولمة المالية وتحرير تدفقات رأس المال أصبح سوق الدين الثانوي أحد أهم مكونات النظام المالي المعاصر، حيث يجري تسعير المخاطر بشكل مستمر وفقا لتوقعات المستثمرين، وليس فقط وفقا لأساسيات الاقتصاد الحقيقي.
في هذا السياق برزت أدوات التوريق والمنتجات الائتمانية المركبة كمرحلة متقدمة من تطور التجارة في الديون، وعلى رأسها التزامات القروض المضمونة المعروفة باسم CLO والتي تقوم على تجميع قروض الشركات المثقلة بالديون داخل محافظ مالية يعاد إصدارها في شرائح استثمارية متفاوتة المخاطر والعائد، وقد ساهم هذا النموذج في توسيع قاعدة المستثمرين في سوق الدين لأنه يسمح بتوزيع المخاطر بدلا من تركزها في ميزانيات البنوك، كما يزيد من سيولة الأصول الائتمانية ويحول القروض إلى أوراق مالية قابلة للتداول. وازداد توسع هذا السوق بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة مدفوعا بزيادة الطلب على الأصول مرتفعة العائد في ظل تقلب أسعار الفائدة العالمية، حيث تجاوزت القيمة القائمة عالميا لسوق CLO ما يزيد على تريليون دولار مع استمرار نمو الإصدارات في الولايات المتحدة وأوروبا، ويعكس هذا النمو تحولا هيكليا في النظام المالي العالمي حيث تتراجع الحدود بين التمويل المصرفي التقليدي وأسواق رأس المال، ويصبح الدين نفسه مادة خام لإنتاج أدوات مالية جديدة.
هذا التحول يرتبط أيضا باتجاه أوسع يتمثل في صعود الائتمان الخاص وتراجع اعتماد الشركات الكبرى على التمويل البنكي المباشر، وهو ما عزز دور المستثمرين المؤسسيين مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين في تمويل الشركات عبر أدوات الدين المهيكل، وبذلك لم تعد البنوك وحدها حاملة لمخاطر الائتمان، بل أصبحت هذه المخاطر موزعة على شبكة واسعة من المستثمرين العالميين ما يزيد من عمق السوق، لكنه يزيد أيضا درجة الترابط بين مكوناته ,في قلب هذه الديناميات تتداخل الاعتبارات المالية مع السياسات الاقتصادية، حيث تلعب المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي دورا في إعادة هيكلة الديون السيادية وتحديد أطر الاستدامة المالية، وهو ما يؤثر بدوره في تسعير المخاطر عبر الأسواق العالمية، وبهذا المعنى فإن التجارة في الديون لم تعد مجرد نشاط استثماري، بل أصبحت جزءا من بنية الحوكمة الاقتصادية العالمية.
آلية عمل CLO ومخاطر التعثر
يقوم نموذج CLO على تجميع عدد كبير من القروض الممنوحة للشركات، خاصة القروض ذات العائد المرتفع، داخل محفظة واحدة ثم إعادة إصدارها في صورة شرائح استثمارية متفاوتة المخاطر والعائد، تسمح هذه الشرائح بتوزيع المخاطر بين المستثمرين المختلفين، فهناك شرائح عالية الأمان بعوائد منخفضة وشرائح عالية المخاطرة بعوائد مرتفعة، وقد أدى هذا التصميم إلى جذب مؤسسات مالية عالمية تبحث عن عوائد أعلى في بيئة تتسم بتقلب أسعار الفائدة، كما ساهم في توسيع سوق الدين المهيكل وتوفير سيولة إضافية.
رغم ذلك تبرز مسألة التعثر في القروض الأساسية كعامل حاسم يؤثر على عوائد المستثمرين في جميع الشرائح، فقد ارتفعت معدلات التعثر في القروض المرتبطة بسوق CLO عالميا من نحو 2 % في عام 2022 إلى حوالي 6 % بحلول نهاية عام 2025، وهو ما يعكس الضغوط التمويلية المتزايدة على الشركات المقترضة وتدهور جودة الائتمان في بعض القطاعات، كما تشير البيانات إلى أن حالات التعثر ليست ظاهرة معزولة بل جزءا من اتجاه أوسع في أسواق الديون عالية المخاطر، حيث سجلت حالات تعثر الشركات عالميا ارتفاعا ملحوظا خلال 2024 و2025 مع توقع استمرار معدلات التعثر للشركات منخفضة التصنيف بين 4 و5 % سنويا خلال منتصف العقد الحالي، ويظهر أثر هذه التعثرات بوضوح في المحافظ الاستثمارية لشركات وصناديق الاستثمار، إذ تؤثر على التدفقات النقدية المتوقعة وتضغط على العوائد خاصة في الشرائح عالية المخاطرة، كما يمكن أن تتطلب إعادة هيكلة المحافظ أو تمديد آجالها في بعض الحالات القصوى، ومن زاوية أوسع فأن نقل المخاطر من البنوك إلى المستثمرين لا يلغيها بل يعيد توزيعها، وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات مالية أسرع إذا ارتفعت معدلات التعثر بشكل متزامن مع انخفاض السيولة في الأسواق العالمية.
تأثير سوق الديون على الدول المقترضة
يقدم سوق الديون الحديث للدول المقترضة أدوات تمويلية متنوعة من القروض التقليدية إلى التوريق وسندات التمويل الاستهلاكي والديون السيادية، والتي تسمح للقطاع العام والخاص بتحويل الالتزامات المالية إلى مستثمرين أو أدوات مالية قابلة للتداول، لكن هذه الفرص تأتي مع مجموعة من التحديات والضغوط منها :-
أولا: ضغط على المالية العامة والاستقرار الاقتصادي حيث تعتمد الدول على أدوات الدين لتغطية العجز المالي أو تمويل مشاريع التنمية. ومع تزايد حجم هذه الالتزامات، ترتفع مدفوعات خدمة الدين (أقساط وفوائد)، ما يقلص قدرة الدولة على تمويل القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية. كما أن ارتفاع نسبة خدمة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يزيد من تعرض الدولة للصدمات المالية الخارجية، ويحد من مرونة السياسات النقدية والمالية.
ثانيا: مخاطر التعثر والاعتماد على الأسواق المالية، فتراكم الديون قد يؤدي إلى زيادة احتمالات التعثر، خاصة إذا تزامن مع انخفاض جودة الأصول المورقة أو ضعف تصنيفها الائتماني، في هذه الحالة يصبح الاقتصاد أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، حيث يمكن أن يؤدي أي شكوك حول قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها إلى ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تكلفة التمويل، مما يخلق حلقة تضغط على المالية العامة وتحد من الاستثمار الخاص.
ثالثا: إعادة توزيع المخاطر وليس إلغاءها، فأدوات مثل التوريق تسمح للبنوك بنقل جزء من المخاطر إلى المستثمرين، لكنها لا تزيل الخطر نفسه في حالة عدم وجود رقابة قوية وشفافية، قد يتراكم الدين في القطاع الخاص ما يزيد من احتمالات أزمات سيولة أو انهيارات جزئية في الأسواق المالية. هذا يعكس أن التوسع في أدوات الدين رغم فوائده يحمل تهديد إذا لم يتم التعامل معه بحذر.
رابعا: تأثير مباشر على السياسات الاقتصادية للدولة، فالدول المقترضة تصبح أقل قدرة على اتخاذ قرارات مالية مرنة، والالتزامات الكبيرة تجاه الدين العام والخارجي بالتحديد تحد من القدرة على ضبط السياسة المالية وتجعل الاقتصادات أكثر عرضة للتقلبات الناتجة عن الأزمات الاقتصادية العالمية مثل ارتفاع أسعار الفائدة.
خامسا: تراكم الديون يمكن أن يؤدي إلى توجيه الموارد بعيداً عن البرامج الاجتماعية والتنموية لسداد الفوائد والأقساط ما يزيد من ضغوط عدم المساواة، ويضعف القدرة على دعم القطاعات الإنتاجية، كما يمكن أن يؤدي إلى تقييد قدرة الدولة على مواجهة الصدمات الاقتصادية أو الاجتماعية، مثل أزمات التضخم أو البطالة مما يعزز الحلقة المفرغة بين الدين وتدهور المؤشرات الاقتصادية.
بالتالي صحيح أن أدوات الدين تمنح للدول سيولة فإن إدارتها بشكل غير متوازن أو بدون رقابة صارمة يعرض الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للخطر، ويجعل الدول أكثر ضعفا أمام تقلبات الأسواق العالمية.
الحالة المصرية وتوريق الديون
بينما تتطور أدوات التمويل المهيكل مثل القروض المضمونة المهيكلة (CLO) في الأسواق المتقدمة، يأخذ المشهد في مصر شكلا مختلفا لكنه يعكس في جوهره حركة متزايدة نحو التوريق كأداة تمويل، وكذلك توسع الديون المحلية وتأثير ذلك على الاستقرار المالي.
1- نمو سوق التوريق وأدوات الدين
توسع سوق التوريق في مصر خلال السنوات الأخيرة، خاصة في سندات التوريق المرتبطة بمحافظ التمويل الاستهلاكي والعقاري، فقد ارتفع إجمالي إصدارات سندات التوريق إلى نحو 87.6 مليار جنيه في عام 2025 بزيادة أكثر من 64٪ مقارنة بالعام السابق، مدفوعا بشكل أساسي بطلب شركات التطوير العقاري على هذا النوع من التمويل، وفي 2023 بلغ إجمالي قيمة السندات المورَّقة نحو 96.1 مليار جنيه وهو أكثر من ضعف ما كان عليه في 2022 (45.4 مليار جنيه).
ففي 2025 اعلنت شركة ثروة للتوريق الذراع التابع لمجموعة كونتكت المالية عن إتمام الإصدار رقم 46 لسندات التوريق بقيمة 1.312 مليار جنيه لتكون واحدة من أكبر الصفقات في السوق المصري للتوريق حتى الآن، كما يظل بنك Commercial International Bank – CIB لاعبا رئيسيا في السوق حيث قاد عدة إصدارات لسندات التوريق خلال عام 2023 بقيمة إجمالية حوالي 57.5 مليار جنيه أي ما يعادل نحو 1.86 مليار دولار وهكذا فإن التوريق في مصر لا يبقى مجرد أداة تنظيمية متخصصة، بل تحول إلى سوق نشط يمثل منصة تمويل مهمة لقطاعات متعددة مثل التمويل الاستهلاكي التمويل العقاري وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة.
2- التمويل الاستهلاكي والاعتبارات التنظيمية
سوق التمويل الاستهلاكي في مصر نما بشكل لافت، لكنه ما زال يشكل نسبة صغيرة من النشاط الاقتصادي الكلي، مما يشير إلى إمكانيات أكبر للنمو وأيضًا لمخاطر محتملة تشير بيانات لخبير اقتصادي إلى أن حجم نشاط التمويل الاستهلاكي بلغ نحو 66 مليار جنيه، لكنه يمثل نحو 2% فقط من حجم التجارة الداخلية الإجمالية في مصر، وهو مؤشر على أنه بالرغم من ارتفاعه النسبي فإنه لم يصل بعد إلى تأثير شامل على النشاط الاقتصادي العام.
هناك مخاوف من أن معايير منح القروض لدى بعض شركات التمويل الاستهلاكي تكون منخفضة في بعض الحالات، مما يعزز احتمالات التعثر في السداد وسط بيئة اقتصادية تشهد ضغوطًا على القدرة الشرائية للأفراد.
كما أن قانون التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020 ومنظومة الرقابة تحت إشراف الهيئة العامة للرقابة المالية وضع قواعد وضوابط لعمل هذا القطاع، إلا أن سرعة منح القروض وقلة إجراءات التحري في بعض الممارسات قد ترفع من مخاطر تراكم الديون على الأفراد إذا لم تُصاحبها آليات قوية للرقابة.
3- تنظيم التوريق والرقابة المصرفية
على الرغم من تعزيز البنك المركزي المصري والهيئة العامة للرقابة المالية لضوابط عمليات التوريق يظل التطبيق الفعلي لهذه الضوابط تحديا كبيرا، فالإجراءات مثل التأكد من جودة الأصول المورَّقة واشتراط التصنيف الائتماني تساعد على تقليل المخاطر لكنها لا تضمن بالكامل منع تراكم الديون أو التعثر المالي، خاصة في ظل توسع السوق وسرعة إصدار الصفقات الكبيرة، كما أن الرقابة تعتمد بشكل كبير على البيانات المعلنة من البنوك وشركات التوريق ما قد يحد من قدرتها على كشف الاختلالات في جودة الأصول أو تكرار المخاطر التي ظهرت في أسواق أخرى.
4- ديون الشركات ومعدلات التعثر والدين العام
في السياق المصري لا تتوفر بيانات مركزية حديثة لمعدلات التعثر على مستوى الشركات بنفس شمولية السجلات العالمية، لكن المؤشرات العامة للجهاز المصرفي تشير إلى وجود بعض المخاطر في جودة الأصول، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف التمويل، وفق بيانات البنك المركزي تبلغ نسبة القروض غير المنتظمة في النظام المصرفي نحو 2.3% من إجمالي القروض بنهاية ديسمبر 2024 وهو مؤشر على تحسن نسبي في القدرة على السداد لكنه لا يلغي الحاجة لمراقبة دقيقة لقطاع الشركات المثقلة بالديون، أما على صعيد الدين العام تواجه الحكومة المصرية ضغوطا مستمرة على خدمة الدين السيادي ، مع تقديرات تشير إلى أن أقساط وفوائد الدين ستتجاوز 21 مليار دولار خلال العام المالي 2025–2026 ويشكل الدين العام نحو 82.9% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025/26 بعد الإجراءات الحكومية لخفضه .
هذه المؤشرات تعكس مسارا مزدوجا للاقتصاد المصري، فمن جهة توحه نحو سوق أدوات الدين غير التقليدية مثل التوريق والتمويل غير المصرفي، ومن جهة أخرى استمرار الضغوط على المالية العامة والاستقرار المالي وهو ما يربط بين تجارة الديون وأثرها على الاستقرار الاقتصادي الكلي.
-----------------------------
بقلم: حسن البربري






