27 - 02 - 2026

المعاشات و مشروع تعديلات قانون التأمينات في ضوء المعطيات الاقتصادية

المعاشات و مشروع تعديلات قانون التأمينات في ضوء المعطيات الاقتصادية

 يُشكّل نظام التأمينات الاجتماعية الركيزة الأساسية لشبكة الحماية الاجتماعية وضمانا لاستقرار المواطن بعد سنوات طويلة من العطاء والعمل، وفي ظل التغيرات الاقتصادية المتسارعة وضغوط التضخم التي يعيشها ملايين من أصحاب المعاشات تقدمت الحكومة المصرية بمشروع تعديلات على قانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019 موجهة إلى مجلسي النواب والشيوخ بهدف تعزيز الاستدامة المالية للنظام ومواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، إلا أن أي نقاش حول هذه التعديلات لا يمكن فصله عن الواقع المعيشي للمتقاعدين الذين تواجه معاشاتهم فجوة متزايدة بين قيمتها الفعلية وتكاليف الحياة اليومية، ويسعى هذا التحليل للإجابة على سؤال جوهري، هل التعديلات المقترحة قادرة على توفير حياة كريمة للمتقاعدين أم أن الواقع يتطلب آليات أكثر جرأة وفعالية لسد الفجوة بين المعاش وتكاليف المعيشة؟

حين يصبح المعاش غير كافٍ

 تكشف البيانات الرسمية عمق الفجوة بين دخل المتقاعدين وتكاليف الحياة الفعلية، مما يضع التعديلات المقترحة لقانون التامينات أمام اختبار صعب، فقد بلغ متوسط المعاش الشهري ما بين 2800 و3000 جنيه تقريباً بينما يصل متوسط إنفاق الأسرة على الغذاء وحده إلى نحو 5600 جنيه، ما يعني أن المعاش يغطي أقل من نصف احتياجات الأسرة الأساسية دون احتساب السكن أو الصحة أو التعليم، أما معدل الإحلال (وهو يعني نسبة المعاش إلى آخر أجر فعلي كان يتحصل عليه المتقاعد قبل احالته للمعاش) فيتراوح بين 35 و45% فقط في حين توصي منظمة العمل الدولية بألا تقل هذه النسبة عن 65% لضمان حياة كريمة (أي ان علي سبيل المثال لو كان آخر أجر للمتقاعد قبل تقاعده 10000 ج فيكون معاشه مقدر ب 6500 ج) ما يشير إلى أن العامل حين يخرج إلى المعاش فقد نصف قيمة دخله تقريباً، ورغم الزيادات الدورية للمعاشات إلا أن نحو 34% من أصحاب المعاشات ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر، مما يعكس أن تلك الزيادات كانت شكلية ولم تواكب معدلات التضخم التي تجاوزت 30% في بعض الفترات. وتتفاقم الأزمة بالنسبة للعمالة غير المنتظمة إذ يبلغ عددهم نحو 10.2 مليون عامل تقريبا لا يشمل التأمين سوى مليون عامل فقط، أي أقل من 10% ما يضع ملايين المصريين في مواجهة خطر الفقر المدقع عند التوقف عن العمل، هذا بالإضافة إلي أن النظام التأميني يعاني من عجز استثماري، حيث لا يتجاوز العائد على صناديق التأمينات 7 إلى 8% سنويا، في وقت يتجاوز فيه التضخم 25 إلى 30% مما يؤدي إلى تآكل مستمر في القيمة الحقيقية لأصول الصندوق بدلاً من نموها، كل هذه المؤشرات تؤكد أن الفجوة بين المعاش وتكلفة المعيشة ليست مشكلة مستقبلية، بل واقعا يوميا يواجهه ملايين المتقاعدين ويشكل تحديا أمام أي إصلاح تشريعي.

هل تحمل التعديلات المقترحة حلول جذرية أم أنها إجراءات شكلية ؟

أولاً: محاولة الحكومة ربط زيادة المعاشات بمعدلات التضخم عبر تعديل المادتين 22 و156 من القانون 148 لسنة 2019 تمثل خطوة تشريعية تهدف إلى منع تآكل القيمة الشرائية للمتقاعدين، والانتقال من الزيادات الاستثنائية بقرارات رئاسية إلى آلية دورية، يضمن استقرارا لأصحاب المعاشات، لكن التحفظ يكمن في وضع سقف للزيادة بحد أقصى 15% سنويا وهو ما يتناقض مع واقع التضخم المتقلب.

ثانياً: ينص المشروع على إلزام وزارة المالية بسداد قسط سنوي يبدأ من 238.55 مليار جنيه في يوليو 2025 ويزيد بنسبة مركبة تصل إلى 7% وهو ما يعكس اعترافا ضمنيا بوجود عجز هيكلي في الميزانية الاكتوارية للصندوق، ورغم ضخامة المبلغ الا أن الاستدامة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر ضخ سيولة، بل عبر إصلاح منظومة الاستثمار نفسها، طالما أن عائد استثمارات الصندوق لا يتجاوز 7 إلى 8% سنويا بينما يتجاوز التضخم 25 إلى 30% ستظل الأصول تتآكل رغم الدعم الحكومي.

ثالثاً: يركز مشروع القانون على توسيع مظلة التأمين لتشمل العمالة غير المنتظمة، لكنه لا يقدم آلية إلزامية قوية أو حوافز جذابة لدمج ما يقرب من 10.2 مليون عامل غير منتظم، في حين أن الواقع يوضح أن دون معالجة عقبات التسجيل للعمالة غير المنتظمة وتعقيدات الإجراءات، سيظل ملايين المصريين خارج دائرة الحماية بما يتعارض مع مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يهدف القانون لتحقيقه.

باختصار يشكل مشروع الحكومة إطارا مؤسسيا ضروريا للإصلاح، لكنه يحتاج إلى تعديلات جذرية لضمان فعاليته، فبدون مراجعة سقف التضخم وبدون استراتيجية استثمارية تحقق عائدا حقيقيا فوق معدل الغلاء وبدون آلية إلزامية لشمول العمالة غير المنتظمة، قد تتحول هذه التعديلات إلى مجرد إدارة للأزمة بدل أن تكون حلاً جذرياً لها.

توصيات 

لمعالجة فجوة المعاشات وضمان نظام تأميني عادل ومستدام يمكن :-

أولاً: تحديد حد أدنى للمعاشات ليمثل الأرضية الاجتماعية الأساسية وربط الحد الأدنى للمعاش بالحد الأدنى للأجر، يقرب المسافة من توصيات منظمة العمل الدولية الخاصة بالمعاشات ويضمن حياة كريمة أساسية بدلاً من معاشات تغطي أقل من نصف الاحتياجات.

ثانياً: تقترح الدراسة آلية مرنة لزيادة المعاشات عبر معادلة واضحة ، تكون فيها نسبة زيادة المعاش السنوية تساوي 0.8 من معدل التضخم الفعلي ما يحافظ على 80% على الأقل من القوة الشرائية، على سبيل المثال إذا بلغ التضخم 30%، تصبح الزيادة 24% وهو ما يلغي الجدل السياسي حول مواعيد الزيادة ويجعلها حقا تلقائيا للمتقاعدين.

ثالثاً: التمويل يجب أن يكون عادلا ومستداما عبر مزيج ثلاثي لتحسين استثمار الصندوق عبر أدوات عالية العائد تفوق التضخم، وتحصيل متأخرات الدولة بشكل فوري لضخ سيولة دون أعباء جديدة على الموازنة، ومساهمة مؤقتة من القطاعات الأعلى ربحية مثل الاتصالات والبترول لضمان تمويل المرحلة الانتقالية لرفع الحد الأدنى دون التأثير على دخول العاملين الحاليين.

رابعا: معالجة العمالة غير المنتظمة تشمل إنشاء صندوق مخصص داخل الهيئة القومية للتأمينات بدعم حكومي جزئي لتشجيع الاشتراك وتبسيط الإجراءات عبر الربط الرقمي مع قواعد البيانات والمنصات الرقمية، وتطبيق مبدأ المرونة في نسب الاشتراك بما يتناسب مع طبيعة الدخل غير المنتظم لدمج الـ 10.2 مليون عامل خارج المظلة التأمينية.

خامسا: الحوكمة والشفافية تشكلان عنصراً محورياً لاستعادة الثقة عبر نشر تقارير ربع سنوية مفصلة عن أداء الاستثمارات والعوائد، وتشكيل لجنة دائمة تضم الحكومة والبرلمان والنقابات والخبراء المستقلين لمراجعة سياسات المعاشات سنوياً وربطها بتكلفة المعيشة الفعلية.

سادساً وأخيراً: التوصيات تتوج بتعديل تشريعي حاسم للمادة 22 من قانون 148 لسنة 2019 لتصبح النصوص صريحة حول وجود حد أدنى للمعاش مرتبط بالأجر، وآلية زيادة سنوية مرتبطة بالتضخم، ومراجعة دورية آلية دون الحاجة لقرار سياسي منفصل، وتؤكد الدراسة أن تطبيق هذه السياسات سواء بشكل فوري أو تدريجي يمثل استثمارا اجتماعيا حقيقيا يعزز من العدالة الاجتماعية ويحفز الاستهلاك المحلي ويعيد الثقة في العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
-----------------------------------
بقلم: حسن البربري

مقالات اخرى للكاتب

تجارة الديون وآلية CLO ومخاطر التعثر