24 - 02 - 2026

رامز جلال واللعب بالنار في وعي المصريين

رامز جلال واللعب بالنار في وعي المصريين

كل رمضان، تتكرر المشاهد نفسها: ضجيج يملأ الشاشات، وجدال يسيطر على مواقع التواصل، وأسماء تعرف جيدًا كيف تُثير الانتباه. في المقدمة، يظهر رامز جلال بصراخه وابتساماته التي تتحوّل إلى فزع.

لنكن صريحين: ما يقدمه رامز جلال في برنامج «رامز ليفل الوحش» ليس مجرد ترفيه بريء. البرنامج يقوم على إخافة الضيف، ودفعه إلى لحظة رعب حقيقية تُستثمر تجاريًا أمام ملايين المشاهدين. الضحك هنا لا ينبع من نكتة ذكية أو موقف طريف، بل من فزع شخص يُفاجأ بخطر يظنه حقيقيًا. السؤال هنا: هل أصبح ترويع الناس مقبولًا للتسلية، فقط لأنه يُعرض في برنامج رمضاني؟

المفارقة أن شهر رمضان، المفترض أن يكون موسمًا للسكينة والتأمل، يتحوّل إلى موسم لرفع الأدرينالين بالصراخ والتهديد والإهانة المُقنّعة بالكوميديا. تحويل الخوف إلى منتج سنوي ناجح يكشف أزمة أعمق في صناعة الترفيه، حيث تُقدَّم الإثارة على القيمة، ونسبة المشاهدة على الكرامة.

اللافت أن المشكلة تتعلق باللعب في وعي المصريين، والوقوف على حافة الاستفزاز. رامز يستفز مشاعر الخوف، ويدرك أن الجدل يساوي انتشارًا، وأن الاستقطاب يضمن البقاء في دائرة الضوء. كل لقطة مصممة لإثارة رد فعل فوري، وكل صرخة للضيف تتحوّل إلى رقم مشاهدة جديد. الجمهور، عن غير قصد، يصبح شريكًا في العرض، يصغي ويضحك، ويشارك في دورة الخوف والضحك التي تنتجها الشاشة.

لكن الإعلام ليس ساحة ألعاب نارية. الكلمة قد تهز القناعات، والصورة قد تكرّس السلوك. حين يعتاد الجمهور الضحك على الرعب، أو التصفيق للطرح المستفز لمجرد أنه جريء، فإننا نعيد تشكيل الذوق العام نحو مزيد من القسوة والانقسام. المعيار لم يعد الإبداع أو الموهبة، بل الجرأة على استفزاز المشاعر الإنسانية وتحويلها إلى مادة قابلة للبيع.

الطرح الصريح يقتضي الاعتراف بأن جزءًا من الأزمة لا يقع على صانع المحتوى وحده، بل على صناعة كاملة تكافئ الأكثر إثارة لا الأكثر عمقًا. ومع ذلك، تبقى المسؤولية الأخلاقية فردية. من يختار مخاطبة ملايين الناس في رمضان، لا يمكنه الادعاء بأن الأمر مجرد عرض عابر.

ليست القضية ترفيها مقابل جدية، بل ببساطة: ما الحد الفاصل بين الجرأة والانفلات؟ بين الكوميديا والإهانة؟ متى تتحوّل الابتسامة إلى صرخة، والضحكة إلى قسوة؟

الإعلام قوة ناعمة، لكنه قد يتحول إلى قوة جارفة إذا غابت المعايير. الكلمة مثل النار: قد تنير الطريق، وقد تحرقه بالكامل. رامز والبرامج المشابهة تمثل تجربة خطرًا في وعي المصريين، حيث تصبح التسلية مأخوذة من رعب الآخرين، ومكانتها على الشاشة مرتبطة بمدى الانفعال الذي تستطيع إثارته. وهنا يظل السؤال الأخلاقي قائمًا: هل يستحق المشاهد أن يكون ضحية اللعب بالنار كل عام، في شهر يُفترض أن يكون للسكينة، والصيام بالنهار، والقيام بالليل، وسماع وقراءة آيات الذكر الحكيم؟
------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

رامز جلال واللعب بالنار في وعي المصريين