القرآن الكريم هو ذلك الكتاب المعجز الذي أنزله الله تعالى هُدى للناس، وجعل فيه النور والرحمة والصلاح لأحوالهم. هذا الكتاب العزيز هو أساس الإسلام، وسر خلوده، وهو كتابه الجامع الهادي إلى صراط الله المستقيم..
من أراد التعرف على الإسلام، أو على مقصود الله تعالى من خلقه، أو على الدين كيف يكون هاديًا للنفس موجهًا للحياة.. فعليه أن يطالع هذا الكتاب العزيز، الذي قال عنه منزله سبحانه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29). وقال أيضًا: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 2).
والفكر الديني المطلوب عليه أن يتعامل مع القرآن الكريم بهذا المستوى الذي يرتقي إلى هدايات القرآن وأنوراه:
- سواء مما يتصل بالنفس وتزكيتها، وصقلها بفعل الطاعات والابتعاد عن المعاصي.
- أو يتصل بالعقل وتوسيع مداركه، وإقامته على البرهان والميزان.
- أو بالمجتمع وتمتين صفوفه وتشييد وحدة أبنائه.
- أو بترسيخ مفاهيم العدل والقسط والعمران والإصلاح في جنبات الحياة.
في كل هذه المجالات وغيرها، تأتي هدايات القرآن واضحة بينة شافية؛ تشبع العقل وتزكي النفس وتهدي للتي هي أقوم.
وهنا، نشير إلى أن ثمة مستويات للتعامل مع القرآن حجبت أو لم تبرز هذه الهدايات بشكل كافٍ، وذلك حين انشغلت بالتعامل مع القرآن على سبيل التبرك فحسب، أو اكتفت بالبحث فيه عن شواهد لغوية وبلاغية أو أدلة فقهية وتشريعية.
نعم، القرآن الكريم فيه كل ذلك.. لكنه يبقى في الأساس كتاب هداية، ومنبعًا للنور. واللافت أن التعبير عن هداية القرآن جاء في مفتتح الكتاب العزيز كما ذكرت آية سورة البقرة السابقة، ثم تكرر هذا المعنى فيما تلاها من السور.. في إشارة مهمة إلى مركزية هذه الخاصية من بين خصائص القرآن الكريم.
يقول الشيخ محمد الصادق عرجون: "والإعجاز بالهداية هو معجزة القرآن الخالدة خلود العقل. أما الإعجاز الأسلوبي في براعة البيان وروعة الأداء، فهو إعجاز خاص بمن يفهمه ويزنه بميزان ركائزه من البلاغة العربية التي ذهب أهلها بعد أن استعجموا… وبالهداية كان الإعجاز عامًّا شاملاً للزمان والمكان والأجيال والأفكار".
إذن، الفكر الديني عليه أن يمتن جسوره مع القرآن الكريم، وأن ينبع منه ويدور معه وينتهي إليه..
-------------------------------------------
بقلم: د. السنوسي محمد السنوسي






