24 - 02 - 2026

حرب غزة وما بعدها | "صحاب الأرض" والدعم الواجب للقضية الفلسطينية

حرب غزة وما بعدها |

يوجه مسلسل "صحاب الأرض"، الذي أنتجته شركة المتحدة، شركة الإنتاج الإعلامي الرئيسية في مصر، وبدأ عرضه أول أيام رمضان، رسالة قوية تؤكد رؤية مصر ودعمها للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ولا تدع مجالًا للشك في أن هذه القضية لن تسقط رغم السياسات الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا التي تستهدف تصفيتها. ويأتي عرض المسلسل في وقت يمر فيه الشعب الفلسطيني، في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، وتمر فيه شعوب المنطقة بلحظات فارقة، فالعدوان الإسرائيلي والسياسات التوسعية لحكومتها اليمينية تَلقى دعمًا غير مسبوق من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي اختار القس المعمداني السابق مايك هاكابي، الذي يتبنى الرؤية التوراتية لليمين الإسرائيلي المتطرف، الشريك الرئيسي في حكومة بنيامين نتنياهو، سفيرًا لبلاده لدى إسرائيل. وأثار هاكابي ضجة كبيرة وإدانات من 16 دولة ومؤسسة عربية وإسلامية، بسبب تعليق في مقابلة يوم الجمعة، يؤكد إيمانه بالوعد التوراتي لأرض إسرائيل الكبرى، التي تمتد من النيل إلى الفرات. المسألة هنا تتجاوز تأييد إسرائيل، وتتعلق بساسة أمريكيين تملي عليهم معتقداتهم الدينية الاستمرار في دعم العدوان والتوسع الإسرائيليين على الشعب الفلسطيني وعلى شعوب المنطقة.

في ظل هذه الأجواء، يأتي مسلسل "صحاب الأرض"، الذي يحظى بنسب مشاهدة كبيرة ليس في مصر وحدها، وإنما في العالم العربي كله، ليعيد طرح الصراع كصراع بين شعب يقاوم من أجل الصمود على أرضه والبقاء في مواجهة عدوان شرس يستهدف وجوده، وهو طرح يثير، بلا شك، غضب الصهاينة وحكومة إسرائيل. وبغض النظر عما إذا كان ذهاب أطباء مصريين إلى قطاع غزة أثناء الحرب وتقديم الدعم الطبي في مستشفيات فلسطينية هناك حقيقي أم أنه من خيال المؤلف، إلا أنه هذه الفكرة تعبر عما تتمناه الغالبية الساحقة من المصريين ومن الشعوب العربية لمساندة الشعب الفلسطيني ودعم صموده على الأرض. هذه الحقيقة يجب أن تظل حاضرة في أذهان الجميع، وهي حقيقة تثير انزعاج الصهاينة ومناصريهم، لأنها، ببساطة، تؤكد أن القضية الفلسطينية ستظل حاضرة وصامدة في وجه كل محاولات التصفية عبر حرب الإبادة والتهجير. والمسلسل وحلقاته الخمسة عشرة الذي يذاع أكثر من مرة في النصف الأول من رمضان، عبر قنوات تلفزيونية ومنصات للدراما، يؤجج الغضب في صدور المشاهدين، بسبب صور الحرب التي لا تزال مستمرة والتي شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في غزة، في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر 2023، والتي لا تزال مستمرة على الرغم من بدء تنفيذ خطة السلام التي اقترحها ترامب في سبتمبر الماضي.

العدوان مستمر رغم الاتفاقيات

الحقيقة الواضحة للجميع هي استمرار العدوان الإسرائيلي، دون رادع، وعلى جميع الجبهات في فلسطين وفي جوارها المباشر في لبنان وسوريا، مع التهديد بتوسيعه ليشمل دولًا أخرى في الجوار القريب، وتوسيعها ليشمل إيران، للقضاء على أي إمكانية لتبلور أي محور للمقاومة المسلحة المناهضة لإسرائيل وسياساتها العدوانية والتوسعية، على النحو الذي نراه مع الاستعدادات لحرب أمريكية - إسرائيلية جديدة ضد إيران، أو إجبارها على قبول الشروط الأمريكية والإسرائيلية للاستسلام دون حرب. مثل هذه الأوضاع لا بد وأن تدعم أحلام هاكابي، ومن على شاكلته، باقتراب تحقق وعد "إسرائيل الكبرى" الكاذب، وهي الأحلام التي تؤرقها أبسط إشارات على المقاومة وإيقاظ وعي الجماهير العربية. هذه الإشارات رغم أنها رمزية تذكرهم بأن أحلامهم ليست سوى أوهام في مخيلاتهم، لا تتوافر لها أي مقومات للتحقق، مهما بلغت شراسة العدوان، ومهما تكن المخططات الرامية إلى تصفية الوجود الفلسطيني كحلقة أولى في سبيل تحقيق هذا الحلم الذي تحول مع قيام إسرائيل إلى مشروع مستمر للعدوان والتوسع. لذا، لا ينبغي التعويل فقط على عدم قابلية هذه الأوهام للتحقق، والعمل على التصدي للعدوان الإسرائيلي وتقييد طموحاته التوسعية، التي لم تعد تقيدها المقاومة المسلحة ولا الاتفاقيات التي جرى توقيعها. ويشير المسلسل إلى أنه لا تزال هناك مساحات للحركة والمقاومة، على الرغم من الدعم الأمريكي اللامحدود، وتسخير الولايات المتحدة لقدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية وكذلك علاقاتها الاستراتيجية مع معظم الدول العربية لخدمة المخططات الإسرائيلية للتوسع على حساب الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة. 

فالدعم الأمريكي للعدوان الإسرائيلي المستمر على جماعة حزب الله، وتمكين إسرائيل من احتكار العمل العسكري في جنوب لبنان وفي سوريا وفي قطاع غزة والضفة الغربية، وامتداد عدوانها إلى اليمن وإيران وقطر، وتهديداتها للعراق وسعيها لجر مصر إلى دائرة المواجهة العسكرية، وتصعيد الضغط الأمريكي على إيران، يساهم في تعزيز السياسات الإسرائيلية التوسعية، التي لا تراعي مبادئ القانون الدولي ولا التزاماتها بموجب اتفاقيات السلام المبرمة مع مصر والأردن ودول عربية أخرى، والذي يشير إلى أن التصعيد الإسرائيلي لا يقتصر فقط على محور المقاومة وفصائل المقاومة المسلحة، وإنما يشمل أيضًا الدول والفصائل التي اختارت الحلول والتسويات السياسية للصراع، وعلى نحو يكشف أن غطرسة القوة الأمريكية امتدت إلى إسرائيل، مستغلة هجوم السابع من أكتوبر، ومستفيدة من دعم إدارة ترامب وصمت البلدان الأوروبية أو عجزها عن تغيير الوضع القائم على الأرض في المنطقة وعلى الصعيد العالمي، وفي ظل ميزان للقوة يميل بقوة لصالح إسرائيل وأمريكا.

هنا يبرز المسلسل ليشير إلى أساليب جديدة للمقاومة وتحدي السياسات الأمريكية والإسرائيلية، وفي هذا السياق يكون رد الفعل الإسرائيلي على المسلسل مفهومًا. ويثير غضب إسرائيل أكثر مشاركة ممثلين فلسطينيين وعرب مع أبطال المسلسل المصريين. كذلك وضع المسلسل صور الحرب في سياق درامي مؤثر، استفاد من الصور التي توثق جريمة الإبادة وتدمير البنية التحتية المدنية في غزة واقتحامها للمستشفيات وإخراج جثث الشهداء من ثلاجات المشرحة ونبش القبور بحثا عن قتلاها من الرهائن. ويقدم المسلسل مشاهد من الكارثة الإنسانية التي حلت بسكان غزة المدنيين، ويعرض ملحمة الصمود في ظل الحرب الوحشية التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى تدمير كل مظاهر الحياة في القطاع وجعله منطقة غير قابلة للعيش فيها، ويسلط الضوء على أوضاع الفلسطينيين في القدس الشرقية، وممارسات المستوطنين والجنود الإسرائيليين هناك. ويكشف المسلسل، الذي ينحاز بقوة للشعب الفلسطيني ولحقه في مقاومة الاحتلال، بواقعية مطلوبة مدى تعقد العلاقات فيما بين الفلسطينيين الذين يواجهون الحرب والحصار والمجاعة، وأشار إلى دور عملاء إسرائيل الذين باعوا ضمائرهم قبل أن يبيعوا أبناء وطنهم للعدو، والذي يجسده أحد المسعفين في المستشفى في شمال القطاع. 

مصر ودعم الصمود الفلسطيني

يمكن تلخيص سياسة مصر وجهودها منذ بدء الحرب في غزة في عبارة "دعم صمود الشعب الفلسطيني" على أرضه في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، باعتبار أن هذا الصمود هو الآلية الأساسية لمقاومة خطط تهجير الفلسطينيين من وطنهم وعن ديارهم. وتحت هذا العنوان تندرج كل الجهود الدبلوماسية والإغاثية المصرية، والتي شملت أيضًا إظهار الاستعداد عسكريًا للتصدي لأي تهور قد تقدم عليه الحكومة الإسرائيلية. ويوثق المسلسل هذا الدعم من خلال تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه أطقم الإغاثة الإنسانية المتمركزة في العريش وفي رفح والمعبر وفي قطاع غزة، ربما بقدر من المبالغة التي تكشف الطموح الذي يمكن أن تصل إليه مصر، شعبًا وحكومة، للمشاركة في دعم الصمود الفلسطيني على الأرض، وهي مهمة في غاية التعقيد والصعوبة، بالنسبة لشعب يواجه حصارا شاملا ويحيط به الموت من كل جانب. ورغم أن المسلسل يسلط الضوء على قصص الصمود والألم، وفقدان الأمان والحرية، إلا أنه لا يتخلى عن التسلح بالأمل الذي لا ينكسر، ويقدم صورة حية لإرادة الشعب الفلسطيني الذي يكافح من أجل البقاء والكرامة.

الجانب الحقيقي في المسلسل هو قوافل الإغاثة المصرية لشعب غزة والتي لم تتوقف طوال الحرب، والتي تشرف عليها هيئة الهلال الأحمر المصري، والتي بدأت مع بداية العدوان، واعتمدت على جهود 65 ألف متطوع، الجانب المتخيل، أو على الأقل الذي لا تتوافر معلومات توثقه، هو وجود طبيبة مصرية تعمل في قسم الطوارئ والحالات الحرجة في مستشفى بشمال غزة، وهي الشخصية التي جسدتها النجمة المصرية منة شلبي التي لعبت دور الطبيبة سلمى شوقي، وشاهدت بأم عينيها جرائم الجيش الإسرائيلي التي يصورها المسلسل مستخدمًا مادة وثائقية لمشاهد العدوان وقصف منازل المدنيين الفلسطينيين وتسويتها بالأرض. فجميع شخصيات المسلسل تتحرك وسط الأنقاض وبين خيام اللاجئين في محيط المستشفى. وساهمت مشاركة ممثلين فلسطينيين وعرب في إضفاء مسحة من الواقعية على أحداث المسلسل. فالدور الذي لعبه النجم الأردني إياد نصار، الذي منحته أصوله الفلسطينية مساحة للتعبير عن شخصية فلسطينية تعيش في غزة وسط الحرب والقصف وما يعانيه من تمزق نظرًا لوجود أسرته في القدس الشرقية، وتعرض منزل عائلته في غزة لقصف أودى بحياة عائلته بالكامل باستثناء طفل استطاع انتشاله من وسط الأنقاض. واستطاع نصار أن يجسد بصدق وعمق الصراع الوجودي المرير، الذي يعانيه كثير من الفلسطينيين، والذي يعكس مساحة التفاعل بين غريزة النجاة والتمسك بالحياة وسط أهوال الحرب، وبين الرغبة في الصمود على الأرض وتأكيد حقهم المشروع في الحياة على أرضهم وفي وطنهم المدمر. في قلب المعاناة تنمو علاقة إنسانية عميقة، بين الطبيبة المصرية والفلسطيني والتي تعبر عن تقاطع الألم والأمل في زمن الحرب، والتي تعكس بشكل غير مباشر تلك العلاقة الإنسانية العميقة التي تنمو بين الشعوب العربية المغلوبة على أمرها وبين الشعب الفلسطيني الصامد.

هناك ملحمة حقيقية في كواليس المسلسل، ظهر جانب منها من خلال بعض مشاهده التي صورت جهود الهلال الأحمر المصري الذي برز اسمه على سيارة الإسعاف التي كانت تقل الطبيبة والمسعفين المصريين إلى داخل قطاع غزة، وفي مشاهد أخرى في المسلسل. إلا أن الدور الذي يلعبه الهلال الأحمر المصري يفوق كثيرًا ما ظهر على الشاشة من خلال أحداث المسلسل. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن حجم مساعداته الإنسانية والإغاثية المقدمة إلى غزة، منذ بدء الحرب، بلغ 850 ألف طن شملت أكثر من 72,500 طن من المستلزمات الطبية، التي أرسلت عبر معبري رفح وكرم أبو سالم، والتي شملت تقديم 214 سيارة إسعاف للمنظمات الصحية العاملة داخل القطاع، والتنسيق لدخول أربع مستشفيات ميدانية من خلال المنظمات الدولية والمحلية الشريكة، وتنسيق المساعدات التي قدمتها الدول العربية ودول العالم، جوًا وبحرًا وبرًا، والدعم اللوجستي الذي قدمته مراكز الهلال الأحمر في العريش لضمان عبورها إلى داخل القطاع وفقًا للمعايير الدولية، عبر جسر بري يربط بين بين هذه المراكز وبين القطاع، من خلال معبر رفح لم يٌغلق من الجانب المصري نهائيًا منذ بدء الأزمة، خلافًا لمزاعم تتهم مصر بالتقاعس عن تقديم الدعم للقطاع، سواء داخل القطاع أو للمصابين وأسرهم الذين قدموا إلى مصر.

الدعم المطلوب بين المأمول والواقع

قد يكون من المبكر الكتابة عن المسلسل الذي من المتوقع أن يكون أفضل مسلسل عربي في رمضان وربما ما بعده، إلا أن المسلسل كشف عن الفجوة الهائلة بين الدعم الواجب والمأمول للشعب الفلسطيني في غزة وفي الضفة الغربية، وبين الواقع المرير الذي يكشف عن تعقيدات عملياتية وميدانية، وهنا تكمن قيمته، في تعبئة الجماهير العربية وتسليحها بالوعي من خلال عمل درامي ملحمي ويدفعهم للتفكير في أساليب عملية لمواجهة التحديات الجسيمة لوضع متدهور. المسلسل قدم توثيقًا مهمًا يظهر بشاعة جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية ضد المدنيين العزل، لكنه أظهر في الوقت نفسه قدرة الشعب الفلسطيني على التشبث بالحياة بكل ما تعنيه وصموده في صبر وجلد في مواجهة التجويع والتشريد والقصف واللحظات الفارقة بين الموت والحياة، واستفاد بلا شك من مجموعة الأفلام الوثائقية التي أعدها مخرجون فلسطينيون والتي جرى عرضها ضمن فيلم "من المسافة صفر". ظل مشهد انتصار شعب عزة ولا يزال يؤرق حكومة إسرائيل، وعلى الرغم من قسوة الوضع فإن مسلسل "صحاب الأرض" استطاع ببراعة تجسيد لحظة الانتصار هذه رغم الانكسارات، وأكد أن "صحاب الأرض" باقون بالرغم من العدوان الشرس الذي يستهدف زرع اليأس في النفوس. ويطرح المسلسل إيمان الفلسطيني بحقه المشروع في أرضه المغتصبة، التي تسرق منه كل يوم، في مواجهة الأوهام التوراتية التي يؤمن بها اليمين الصهيوني المتطرف ومناصروه في أمريكا.

إن وجود ترجمة باللغة الإنجليزية مقروءة في المسلسل قد يساهم في توصيل الرسالة لأصحاب الضمائر الحرة في العالم والتي تقف في وجه أطماع دونالد ترامب التي لا تقف عند حدود منطقة الشرق الأوسط، وإنما تمتد إلى مختلف بقاع العالم شرقًا وغربًا والتي تجسد رؤية الرئيس الأمريكي التوسعية والعدوانية التي لا تجلب سوى الحروب والدمار على الرغم من حديثه الكاذب المتكرر عن السلام وعن وقف الحروب، وطموحاته الإمبراطورية التي تتجاوز حدود السياسة الأمريكية. السؤال كيف يمكن أن يكون هذا المسلسل وسيلة لتبصير الشعوب الأوروبية والغربية بجرائم إسرائيل وإبلاغهم أن هناك شعبًا صامدًا على الأرض في مواجهة هذه الجرائم ومتمسك بحقه في الحياة وفي البقاء، كيف يمكن أن يصبح هذا المسلسل محورا لسلسلة من الفاعليات التي يجرى تنظيمها في عواصم العالم وفي المدن الكبرى؟ وكيف يمكن توصيل رسالته إلى وسائل الإعلام العالمية والمنصات؟
-------------------------------
بقلم: أشرف راضي

 

مقالات اخرى للكاتب

حرب غزة وما بعدها |