جاء الدين ليحقق للإنسان سعادته في الدينا والآخرة، وليرفع عنه الحرج والضيق والمشقة، وليزيل عنه ركامات الجهل التي تكبله وتجعل على قلبه وعقله غشاوة؛ قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} (طه: 123). وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78). وقال عن وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم وطبيعة مهمته: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 157).
فالدين جاء ليحقق مصلحة الإنسان، وليكون له نورًا وهداية ورحمة، لا عنتًا ومشقة وحرجًا. ولهذا، كان على الفكر الديني أن يلتزم هذه الهدايات التي أنزل الله الدين من أجلها، وأن ينحاز هذا الفكر للإنسان.. ويتمثل انحياز الفكر الديني للإنسان في عدة أمور؛ منها:
•إعلاء مكانة الإنسان، وعدم التمييز في ذلك بسبب اختلاف الدين أو العرق أو اللون أو الطبقة؛ فالإنسان مكرم عند لله، وطاعته لله تعالى تزيده تكريمًا على تكريم.
•التيسير في الدعوة، والتزام خطاب يحبب الناس إلى منهج الله، وييسر لهم أمور دينهم، ويبصرهم بوظيفة الدين في حياتهم.
•التعبير عن آمال الإنسان وتطلعاته؛ من حيث تقليل الفجوة بين الطبقات، وضمان الحقوق الأساسية للإنسان، وإنصافه أمام خطابات الكراهية واستنزاف الثروات وتسفيه حريته وإرادته.
•مواجهة المفاهيم المغلوطة عن الدين؛ مثل فهم القضاء والقدر على أنه جبرية، أو فهم الاستسلام لله على أنه سحق لإرادة الإنسان، أو فهم الدعوة للاستعداد للآخرة على أنها نبذ لمتاع الدنيا وطيباتها، أو ربط تزكية الروح بتعذيب الجسد وإعناته.. إلى غير ذلك من مفاهيم تُشقي الإنسانَ باسم الدين!
الإنسان هو في القلب من الدين؛ فالدين لا يقوم في الحياة بذاته وإنما من خلال الإنسان.. الإنسان الذي يفهم الدين على أنه طاقة للعمل والإبداع، وسعي شريف لتحصيل الطيبات، وعون للإنسان على تحقيق ذاته وحفظ كرامته وضمان حقوقه.. ومن ثم، على الفكر الديني أن ينحاز للإنسان في كل ذلك..
---------------------------------------------
بقلم: د. السنوسي محمد السنوسي







