20 - 02 - 2026

الإسلام في بنغلاديش في العصر الرقمي: تحولات الممارسة الدينية لدى الجيل الجديد

الإسلام في بنغلاديش في العصر الرقمي: تحولات الممارسة الدينية لدى الجيل الجديد

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين، غدت التكنولوجيا الرقمية فاعلا مركزيا يعيد تشكيل أنماط الحياة الإنسانية في مختلف تجلياتها. ولم تكن بنغلاديش، بوصفها مجتمعا مسلما عريقا في جذوره الحضارية، بمنأى عن هذه الدينامية المتسارعة، بل أضحت ساحة حيوية تتقاطع فيها المرجعيات الدينية مع معطيات العصر الرقمي، في مشهد تتداخل فيه الأصالة مع الحداثة.

وفي قلب هذا التحول يبرز الجيل الشاب، الذي نشأ في كنف البيئة الرقمية، بوصفه الفاعل الأبرز في إعادة صياغة أنماط التدين وممارساته. إذ لم تعد الممارسة الدينية محصورة في فضاءات تقليدية مغلقة، بل انفتحت على آفاق جديدة تتسم بالتفاعل والمرونة والانتشار العابر للحدود.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى استقراء ملامح التحول في الممارسة الدينية لدى الشباب المسلم في بنغلاديش في ظل العصر الرقمي، مع تحليل أبعاده المعرفية والدعوية والوجدانية، واستجلاء ما يتيحه من فرص، وما يطرحه من تحديات.

أولا: الثورة الرقمية وتوسيع أفق المعرفة الشرعية:

لقد أسهم الانتشار الواسع للإنترنت والهواتف الذكية في بنغلاديش في إحداث نقلة نوعية في طرائق تحصيل المعرفة الدينية. فبعد أن كان طلب العلم الشرعي يعتمد على التلقي المباشر في المساجد والمعاهد، بات الفضاء الرقمي يوفر إمكانات غير مسبوقة للوصول إلى مصادر المعرفة.

فلم يعد الشاب المسلم محكوما بحدود الجغرافيا أو ندرة الموارد، بل أصبح قادرا على الولوج إلى مكتبات رقمية، ومتابعة دروس ومحاضرات لعلماء من شتى بقاع العالم، والانخراط في برامج تعليمية متخصصة عبر منصات التعليم عن بعد. وقد أفضى هذا الانفتاح إلى تشكل وعي ديني أكثر اتساعا، يتجاوز الإطار المحلي الضيق إلى أفق عالمي متعدد المرجعيات.

غير أن هذا الاتساع المعرفي على ما ينطوي عليه من إمكانات واعدة، لا يخلو من إشكالات منهجية، إذ إن غياب أدوات التمحيص العلمي، وضعف الملكة النقدية لدى بعض المتلقين، قد يفضي إلى تلقي مضامين مشوشة أو تبني قراءات غير منضبطة في ظل فيض المعلومات وتباين مصادرها.

ثانيا: وسائل التواصل الاجتماعي وإعادة تشكيل الخطاب الدعوي:

أفرزت البيئة الرقمية أنماطا جديدة من العمل الدعوي، حيث تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات مركزية لإنتاج الخطاب الديني وتداوله. وقد برز في هذا السياق جيل من الدعاة الشباب الذين استطاعوا توظيف هذه الوسائط بذكاء، عبر تقديم مضامين دينية مكثفة بلغة معاصرة وأساليب تفاعلية.

فمن خلال المقاطع المرئية القصيرة، والمواد البصرية التوضيحية، والبث المباشر، والبودكاست أعيدت صياغة الرسالة الدعوية بما يتلاءم مع ذائقة المتلقي الرقمي، الذي يميل إلى السرعة والاختزال دون الإخلال بجوهر المعنى.

وقد أسهم هذا التحول في نقل الدعوة من فضائها التقليدي المحدود إلى فضاء عالمي مفتوح، حيث أصبح بإمكان الداعية البنغلاديشي أن يخاطب جمهورا متنوعا عابرا للحدود، وأن يشارك في تشكيل الوعي الإسلامي في سياق كوني متشابك.

ثالثا: تحولات الممارسة التعبدية في ظل الوسائط الرقمية:

لم تقتصر آثار التحول الرقمي على المجال المعرفي والدعوي، بل امتدت لتشمل أنماط الممارسة التعبدية ذاتها. فقد أضحت التطبيقات الذكية أدوات مساندة تسهم في تنظيم الحياة الدينية وتعزيز حضورها في الوعي اليومي للفرد.

فقراءة القرآن عبر التطبيقات، وضبط أوقات الصلاة بواسطة التنبيهات الرقمية، وتحديد اتجاه القبلة عبر تقنيات الملاحة، كلها مظاهر تعكس تداخلا عضويا بين التدين والتكنولوجيا. كما شهد شهر رمضان بروز أنماط جديدة من التفاعل الروحي، من خلال البث المباشر للصلوات، والمجالس العلمية الافتراضية، والمبادرات الجماعية لقراءة القرآن عبر الفضاء الرقمي.

ومع ذلك، يظل السؤال مطروحا حول حدود هذا التداخل: هل تمثل هذه الوسائط بديلا عن التجربة الروحية المباشرة التي تتأسس على الحضور الجماعي والتفاعل الوجداني أم أنها تظل أدوات مكملة تعزز تلك التجربة ولا تنوب عنها؟

رابعا: تشكل الهوية الإسلامية في الفضاء الرقمي:

أفضى الحضور المكثف للشباب في المنصات الرقمية إلى بروز أشكال جديدة من التعبير عن الهوية الإسلامية. فلم يعد الانتماء الديني شأنا خاصا محصورا في المجال الفردي، بل غدا مكونا ظاهرا في الخطاب الرقمي، يتجلى في الصور، والرموز، وأنماط المحتوى المتداول.

وقد شهدت موضوعات مثل الحجاب، والالتزام الديني، وأنماط الحياة الإسلامية انتشارا واسعا، حتى باتت تشكل ما يشبه الثقافة الرقمية ذات الطابع القيمي، بما في ذلك ما يعرف بظاهرة الموضة المحتشمة، التي تعكس تداخلا بين الهوية الدينية ومتطلبات العصر.

غير أن هذا الحضور المتنامي للهوية في الفضاء الرقمي يحمل في طياته مفارقة دقيقة، إذ إنه من جهة يعبر عن يقظة دينية متجددة واعتزاز بالانتماء، ومن جهة أخرى قد ينزلق نحو اختزال التدين في مظاهر شكلية على حساب العمق القيمي والبعد الروحي.

خامسا: الإرباك المعرفي في الفضاء الرقمي وتحدياته المركبة:

يمثل الفضاء الرقمي بما يتيحه من تدفق غير مسبوق للمعلومات، ساحة معقدة تتقاطع فيها مصادر المعرفة وتتشابك فيها المرجعيات، الأمر الذي أفضى إلى حالة من الإرباك المعرفي لدى فئات واسعة من الشباب. فوفرة المحتوى على تنوعه وتباينه، لم تعد تعني بالضرورة وضوح الرؤية، بل قد تفضي في ظل غياب الضوابط المنهجية إلى تداخل المفاهيم واختلاط المعايير.

وفي هذا السياق، تتسع دائرة التحدي مع انتشار مضامين متطرفة أو مشوهة، تجد في البيئة الرقمية أرضا خصبة للانتشار، مستفيدة من سرعة التداول وضعف التحقق. وهو ما قد يسهم في إعادة إنتاج تصورات منقوصة عن الدين، أو ترسيخ قراءات منحرفة لا تعبر عن مقاصده الكلية وروحه المتوازنة.

كما أن طبيعة التفاعل الرقمي، التي يغلب عليها الطابع الانفعالي والسجالي، كثيرا ما تحول النقاشات الدينية إلى ساحات استقطاب حاد، تتراجع فيها قيم الحوار العلمي الرصين لصالح خطاب متوتر تغذيه النزاعات اللفظية والاصطفافات الأيديولوجية.

ولا يقل عن ذلك خطورة ما بات يعرف بالإدمان الرقمي، حيث يستغرق الأفراد في عوالم افتراضية تستنزف أوقاتهم وطاقاتهم، وتؤثر في صفاء حضورهم الذهني والروحي مما ينعكس سلبا على جودة أدائهم التعبدي وعمق صلتهم بالله.

سادسا: نحو استثمار أمثل للفضاء الرقمي واستشراف آفاق المستقبل:

على الرغم من تعقيدات المشهد الرقمي، فإنه ينطوي في جوهره على إمكانات واعدة لإعادة تفعيل الخطاب الإسلامي وتجديد آلياته بما يجعله أكثر قدرة على التفاعل مع متطلبات العصر. وإذا ما أحسن توجيه هذه الإمكانات ضمن رؤية واعية، فإن بنغلاديش تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتقديم نموذج متميز في توظيف التكنولوجيا لخدمة القيم الإسلامية.

ويستدعي ذلك تبني جملة من المسارات التكاملية، من أبرزها:

- إنتاج خطاب معرفي رصين، يجمع بين التأصيل العلمي ووعي الواقع، ويقدم المحتوى الإسلامي في صورة دقيقة وجذابة

- إعداد جيل من الدعاة يمتلكون الكفاءة المزدوجة: فهما شرعيا متينا، ومهارات رقمية متقدمة. وتعزيز الشراكة بين العلماء وخبراء التقنية، بما يفضي إلى ابتكار منصات وأدوات دعوية أكثر تأثيرا وانتشارا.

- ترسيخ ملكة التفكير النقدي لدى الشباب لتمكينهم من التمييز بين المعارف الموثوقة والمضامين المضللة.

لقد أعاد العصر الرقمي تشكيل البنية العميقة للممارسة الدينية في بنغلاديش، خاصة في أوساط الجيل الجديد، حيث تداخلت أنماط التدين الموروثة مع أدوات الحداثة الرقمية في صيغة مركبة تعكس تحولات المرحلة.

وإذا كان هذا التحول قد أتاح فرصا غير مسبوقة لتعزيز الحضور الإسلامي في الفضاء العام، فإنه في المقابل يفرض تحديات دقيقة تتطلب وعيا منهجيا وإدارة حكيمة. ومن ثم، فإن حسن استثمار هذه التحولات كفيل بأن يعيد إبراز القيم الإسلامية في صورتها المتوازنة، وأن يرسخ حضورها في عالم متغير، ويجعل من بنغلاديش نموذجا حيا يجمع بين أصالة الانتماء وفاعلية الانخراط في العصر.
----------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي


مقالات اخرى للكاتب

الإسلام في بنغلاديش في العصر الرقمي: تحولات الممارسة الدينية لدى الجيل الجديد