23 - 02 - 2026

في فكرنا الديني (2) | فكر ينفتح على غيره

في فكرنا الديني (2) | فكر ينفتح على غيره

من الصفات المطلوبة في الفكر الديني، صاحب الدور الفاعل في حياة المجتمعات، أنه فكر ينفتح على غيره؛ يطلب العلم ولو بَعُد طريقه، ويبحث عن الحكمة ولو عند المخالفين.

فالفكر الديني بما أنه فكر، أي يقوم على إعمال العقل في النص الديني.. وبما أنه ينبع من الإنسان، ويحاول أن يبحث في مشكلاته وتطلعاته.. فإنه يدرك أن التجارب البشرية تتشابه، وهموم الإنسان تتقارب، رغم اختلاف الزمان والمكان.. كما يدرك أن الله تعالى أنزل الدين ووضع فيه - لاسيما في جوانب المعاملات - أصولاً عامة، ومبادئ ضابطة، وترك عن عمد كثيرًا من التفصيلات، حتى لا يشق على الإنسان، وحتى يترك مساحة لاستيعاب المتغيرات التي تتراكم عبر مختلف الزمان والمكان..

ولهذا، كان على الفكر الديني أن يُعمل العقل، كما هو مأمور بذلك في الدين نفسه، وأن يوسع مداركه وينفتح على ما لدى الآخرين من أفكار ورؤى.

رأينا ذلك فيما اقتبسه المسلمون في غزوة الأحزاب من فكرة حفر الخندق التي كانت معروفة لدى الفرس.. وفيما نقله المسلمون بعد ذلك من علوم اليونان.. وفي البعثات العلمية الحديثة لأوروبا؛ والتي خرجت لنا علماء ومفكرين تركوا بصمات مميزة في فكرنا على وجه العموم، والديني منه على وجه الخصوص؛ أمثال رفاعة الطهطاوي وطه حسين ومحمد عبد الله دراز وعبد الحليم محمود ومحمد البهي.

وهذا الانفتاح المطلوب هو انفتاح واعٍ يدرك ما بين الثقافات والحضارات من اختلاف بالضرورة؛ فلكل ثقافة أو حضارة ما يميزها عن سائر الثقافات والحضارات، وإلا لَكَانت نسخًا مكررة من بعضها البعض، ولَمَا كانت هناك حاجة للتأكيد على الحوار والتلاقح الفكري بينها.

مجرد الدعوة للانفتاح والاستفادة مما لدى الآخرين، تعني أن ثمة اختلافًا هنا وهناك. وليس هذا الاختلاف مشكلة في حد ذاته. المهم، أن نعرف كيف نوظفه بحيث يؤدي للتكامل، وكيف نوجهه بحيث يبتعد عن الصدام..

الفكر الديني مدعو لهذا الانفتاح، لاسيما في عالمنا المعاصر الذي أزيلت فيه كثير من الحواجز، وأصبح تقاربه حقيقة ملموسة أكثر من أي وقت مضى..
--------------------------------------------
بقلم: د. السنوسي محمد السنوسي

مقالات اخرى للكاتب

في فكرنا الديني (5) | يعيش مع هدايات القرآن