مع إعلان الحكومة علي لسان رئيس الوزراء عن حزمة اجتماعية تضمنت فيما تضمنت وعود بزيادات في الحد الأدنى للأجور ودعم مباشر للأسر لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وهو تحرك مهم يهدف إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية عن ملايين المواطنين إلا أن هذه الإجراءات رغم أهميتها لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في الفجوة المستمرة بين الأجر الإسمي وما يحتاجه العامل فعلياً لتغطية نفقات حياته اليومية، فالتحدي الحقيقي يكمن في غياب منهجية مستمرة تربط الزيادات بتغيرات تكلفة المعيشة.
منذ عام 2022 دخل الاقتصاد المصري مرحلة من الضغوط التضخمية المتتالية ارتبطت بتغيرات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة علي أسعار السلع والخدمات الأساسية، وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلي أن معدل التضخم السنوي في المدن سجل مستويات قياسية خلال 2023، قبل أن يبدأ في التراجع النسبي لكنه ظل في نطاق مرتفع مقارنة بمتوسطات ما قبل 2020 وهو ما يعني عمليا أن اي زيادة في الأجور كان عليها أن تعوض تراكم سعري كبير وليس مجرد زيادة سنوية عادية، في المقابل شهدت سياسات الأجور تحركات متلاحقة تمثلت في رفع الحد الأدني عدة مرات، وصولا إلى مستوى 7000 آلاف جنيه، وهو تطور مهم من حيث القيمة الإسمية، لكنه لا يعكس بالضرورة تحسنا موازيا في القدرة الشرائية إذ أن الزيادة في الرقم لا تعني شيئا إذا كانت تكلفة الحياة تتحرك بوتيرة أسرع.
تظهر أهمية هذه المفارقة عند النظر إلي هيكل إنفاق الأسرة المصرية، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلي أن الغذاء والسكن والمرافق تستحوذ علي النسبة الأكبر من ميزانية الأسرة، خاصة في الشرائح منخفضة ومتوسطة الدخل، وهذه البنود تحديداً كانت الأكثر تأثرا بموجات التضخم، وهو ما يفسر شعور قطاعات واسعة بأن دخولها الفعلية تتراجع حتي في ظل الزيادات الإسمية، ولا يقتصر أثر تآكل الأجور الحقيقية علي المستوى الفردي، بل يمتد إلي الاقتصاد ككل، فضعف القدرة الشرائية ينعكس في تراجع الطلب المحلي وهو أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، كما يدفع الأسر إلي تقليص الإنفاق علي التعليم والصحة أو اللجوء إلي الاستدانة، وهو ما يعمق الهشاشة الاجتماعية علي المدي المتوسط.
في هذا السياق يصبح النقاش حول الأجر الحقيقي وليس الأجر الإسمي هو المدخل الأكثر دقة لفهم تحولات سوق العمل، فالأجر الحقيقي هو ما يتبقي من قيمة الراتب بعد خصم أثر التضخم، أي أنه يقيس ما يستطيع الدخل شراءه فعلا من سلع وخدمات، وهو المؤشر الذي يعكس مستوى المعيشة بصورة أقرب إلي الواقع، حيث تشير المقارنات بين تطور الأجور الإسمية ومعدلات التضخم خلال السنوات الأخيرة إلي أن الفجوة بينهما ظلت قائمة بدرجات متفاوتة، وهو ما يعني أن جزءاً من الزيادات التي حصل عليها العمال كان موجها في الأساس لتعويض ارتفاع الأسعار، وليس لتحسين مستوى المعيشة وهو فارق جوهري يفسر لماذا لا يشعر كثيرون بأن دخولهم تحسنت رغم ارتفاعها رقميا.
إن فهم هذه الديناميكية يمثل الخطوة الأولي نحو صياغة سياسات أكثر فعالية في مجال الأجور، إذ لا يكفي رفع الحد الأدني بصورة دورية دون وجود أداة قياس تربطه بتكاليف الحياة الفعلية وهو ما يفتح الباب للنقاش حول الحاجة إلي منهجية واضحة لاحتساب الأجر العادل تضمن الحفاظ علي قيمته، مع مرور الوقت بهذا المعني لا يدور النقاش حول رقم بعينه بقدرما يتعلق بكيفية بناء نظام يربط الأجوربالواقع الاقتصادي والاجتماعي بصورة مستمرة وهو ما يمثل التحول الضروري إذا أريد لسياسات الأجور أن تقوم بدورها في تحقيق الاستقرار وتحسين مستوى المعيشة.
تطور الأجور والتضخم قراءة في فجوة القوة الشرائية
في طبيعة النقاش حول الأجور فإن قراءة الإحصائيات الرسمية تكشف بصورة أوضح حجم الفجوة التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة بين نمو الأجور الإسمية وارتفاع تكاليف المعيشة، فهذه الفترة تمثل واحدة من أكثر المراحل التي تعرضت فيها القوة الشرائية لضغط متواصل نتيجة تزامن عدة عوامل اقتصادية في وقت واحد، حيث تشير بيانات التضخم الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلي أن موجة الارتفاع الكبيرة في الأسعار بدأت تتبلور بوضوح منذ النصف الثاني من 2022 مدفوعة بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتغيرات سعر الصرف ثم بلغت ذروتها خلال 2023 حين سجل معدل التضخم السنوي مستويات غير مسبوقة منذ سنوات طويلة قبل أن يبدأ مسارا هبوطيا تدريجيا خلال 2024 و2025 لكنه ظل في نطاق مرتفع مقارنة بالمعدلات التاريخية، في المقابل تحركت الأجور الإسمية بوتيرة أقل انتظاما، إذ شهد الحد الأدني عدة زيادات متتابعة كان آخرها الوصول إلي مستوى 7000 آلاف جنيه، وهي زيادة تعكس محاولة لمواكبة الضغوط المعيشية، لكنها في الواقع جاءت بعد فترة من التآكل في القوة الشرائية ما جعل جزءا كبيرا منها يذهب لتعويض خسائر سابقة، عند المقارنة بين المسارين يتضح أن التضخم التراكمي منذ 2022 تجاوز بكثير متوسط الزيادة في الأجور خلال الفترة نفسها، وهو ما يعني أن الأجر الحقيقي تعرض لانخفاض ملحوظ قبل أن يبدأ في الاستقرار النسبي مع تباطؤ التضخم، وهو نمط يتكرر عادة في الاقتصادات التي تشهد صدمات سعرية حادة حيث تتحرك الأجور دائما بعد الأسعار وليس معها.
وتظهر دلالة هذه الفجوة كأثر ملموس علي حياة الأسرة، فإذا افترضنا أسرة عاملة تعتمد علي دخل قريب من الحد الأدني فإن الجزء الأكبر من دخلها يوجه إلي الغذاء والسكن والمواصلات، وهي بنود شهدت زيادات أعلي من المتوسط العام للتضخم، وهو ما يعني أن تراجع القوة الشرائية الفعلي لهذه الأسرة كان أكبر من الرقم الذي تعكسه المؤشرات العامة، ومن منظور اقتصادي كلي فإن استمرار هذه الفجوة لفترة طويلة يؤدي إلي إعادة توزيع غير مباشر للدخل من العمل إلي عناصر التكلفة الأخرى، وهو ما يضعف حصة الأجور في الناتج ويؤثر علي مستويات الاستهلاك المحلي ويحد من قدرة الاقتصاد علي تحقيق نمو مدفوع بالطلب الداخلي.
كما تكشف أيضا القراءة للإحصائيات أن توقيت زيادات الأجور يمثل عاملا حاسما في أثرها الفعلي إذ أن الزيادة التي تأتي بعد موجة تضخم كبيرة تكون في جوهرها تعويض جزئي عن خسارة سابقة، بينما الزيادة التي ترتبط بمؤشر دوري يمكن أن تحافظ علي الاستقرار النسبي للقوة الشرائية وتقلل من حدة التقلبات، وتقود هذه الملاحظة إلي نتيجة أساسية مفادها أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في مستوى الأجور، بل في الفجوة الزمنية بين تحرك الأسعار وتحرك الرواتب، وهي الفجوة التي تجعل العامل يتحمل عبء التكيف مع التضخم قبل أن تصل إليه آثار أي زيادة، ومن هنا يصبح من الضروري الانتقال من سياسة رد الفعل إلي سياسة استباقية تعتمد علي متابعة تطور تكلفة المعيشة بصورة منتظمة، بحيث يتم تعديل الأجور في التوقيت الذي يمنع تآكلها بدلا من محاولة تعويض التآكل بعد وقوعه.
مؤشر الأجور وضبط العلاقة بين الدخل وتكاليف الحياة
بعد قراءة مسار الأجور والتضخم خلال السنوات الأخيرة يصبح السؤال المنطقي هو كيف يمكن منع تكرار فجوة القوة الشرائية مستقبلا، وهنا يظهر مفهوم مؤشر الأجور باعتباره ليس مجرد فكرة نظرية بل أداة عملية تهدف إلي ربط تطور الأجور بتطور تكلفة المعيشة بصورة منتظمة، ويقوم جوهر الفكرة علي الانتقال من تحديد الأجور عبر قرارات دورية منفصلة عن الواقع إلي نظام قياس مستمر يعتمد علي بيانات فعلية عن أسعار السلع والخدمات التي تشكل النفقات الأساسية للأسر، وبهذا المعني يصبح الأجر مرتبطا مباشرة بمستوى الحياة لا بقيمته الإسمية.
عمليا يمكن تصور المؤشر من خلال تحديد سلة معيشة معيارية تمثل الحد الأدني المقبول للحياة الكريمة لأسرة عاملة في المدن المصرية، وتشمل هذه السلة الغذاء والسكن والمرافق والطاقة والمواصلات والرعاية الصحية والتعليم والملبس والاتصالات، ويتم تحديث تكلفة هذه السلة بشكل دوري استنادا إلي بيانات رسمية لأسعار المستهلك، ومن خلال متابعة التغير في تكلفة هذه السلة يمكن حساب معدل التغير في تكلفة المعيشة الفعلية، ومن ثم استخدامه كمرجع عند مراجعة الأجور بحيث تعكس الزيادات التطور الحقيقي في الأسعار وليس المتوسط العام فقط، وهو ما يجعل الأجر الحقيقي مستقرا نسبيا مع مرور الوقت، وترجع أهمية هذا النهج أنه لا يقتصر علي طبقة العمال، بل تمتد إلي أصحاب الأعمال وصناع السياسات إذ يوفر المؤشر رؤية أوضح لاتجاهات التكاليف والدخول، ويساعد علي التخطيط الاقتصادي بصورة أكثر دقة، كما يقلل من حالة عدم اليقين المرتبطة بزيادات مفاجئة أو تفاوضات غير مبنية علي بيانات مشتركة، كما أن وجود مؤشر دوري يتيح التعامل مع التحولات الاقتصادية بصورة تدريجية، فبدلا من الانتظار حتي تتراكم الضغوط المعيشية ثم اتخاذ قرارات كبيرة يمكن إجراء تعديلات أصغر لكن منتظمة تحافظ علي التوازن وتقلل من الصدمات في سوق العمل، ومن زاوية اجتماعية يسهم المؤشر في تعزيز الشعور بالعدالة إذ يصبح تحديد الأجور عملية شفافة يمكن فهمها ومتابعتها، وهو ما يعزز الثقة بين الأطراف المختلفة ويحد من الشعور بأن الأجور تحدد بمعزل عن الواقع، وتكشف التجارب الدولية أن ربط الأجور بمؤشرات تكلفة المعيشة لا يؤدي فقط إلي حماية القدرة الشرائية، بل يسهم أيضا في استقرار التوقعات الاقتصادية، حيث يصبح مسار الأجور أكثر قابلية للتنبؤ، وهو عامل مهم للاستثمار والنمو.
وفي السياق المصري يكتسب هذا الطرح أهمية خاصة نظرا لتكرار دورات التضخم المرتفع خلال العقد الأخير، وهو ما يجعل وجود أداة قياس تعكس خصوصية هيكل الإنفاق المصري خطوة ضرورية لضمان أن تكون سياسات الأجور أكثر استجابة للواقع بذلك يمكن وضع الاطار المؤسسي الذي يسمح بتحويل ملف الاجور من قرارات متقطعة الي سياسة مستمرة قائمة علي البيانات، وهو التحول الذي يمكن ان يعيد التوازن بين نمو الدخول وتكاليف الحياة.
هذا الفهم يقود مباشرة إلي السؤال التطبيقي الأهم ،وهو كيف يمكن ترجمة هذا المنهج إلي تقدير رقمي للحد الادني في 2026 وهو ما سنتناوله في المقال القادم.
-------------------------------
بقلم: حسن البربري






