17 - 02 - 2026

فوضى الفراغ: مصر في مرمى التهديدات (3-3)

فوضى الفراغ: مصر في مرمى التهديدات (3-3)

بعد أن شاهدنا في الجزءين السابقين كيف يتحول الحلفاء إلى خصوم في الخليج، وكيف تتحول القنبلة الإيرانية إلى غبار مشع تحت الأنقاض، وكيف يتحول شريان الحياة في النيل إلى عامل تهديد وجودي، نصل الآن إلى أخطر هذه التهديدات وأكثرها صمتاً وإلحاحاً: الانهيار الصامت لمنطقة الساحل الإفريقي

فتخيل أن حدودك الغربية والجنوبية تتحول تدريجياً إلى مصدر تدفق للإرهاب والسلاح واللاجئين، دون أن تشن حرباً معلنة، دون أن تعلن دولة قيام الحرب عليك، وهذا ما يحدث الآن على بعد أقل من ألف كيلومتر من الأراضي المصرية، حيث تسقط دول بأكملها في يد جماعات لا تعترف بحدود ولا تلتزم بقانون، حيث تتحول مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى نسخة طبق الأصل من أفغانستان ما قبل 2001، لكن هذه المرة على أعتاب ليبيا والسودان.

وما يجعل هذا التهديد مختلفاً أن الإرهاب هناك لم يعد يشبه داعش 2014 في الموصل والرقة، إنه إرهاب جديد: لا دولة مركزية يعلنها، لا مدن كبرى يحتلها، لا أعلام يرفعها، إنه إرهاب ينتهج أسلوب حرب العصابات، ينساب في الصحراء كالماء، يضرب ثم يختفي، يظهر ثم يندمج مع المدنيين، يبني دولة فعلية تحت الأرض وفوق الرمال، يحكم ويدفع رواتب ويفرض ضرائب دون أن يستفز العالم فيضرب بقنابله.

هذا الإرهاب الجديد لا يهدد الساحل وحده، فتقارير مركز ستيمسون (Stimson Center) تؤكد أن النزاعات الإفريقية لم تعد جزراً منفصلة، بل أرخبيلاً متصلاً تحت الماء، وما يحدث في مالي يصل إلى ليبيا عبر النيجر وتشاد، وما يحدث في ليبيا يعبر إلى السودان، ومن السودان إلى مصر، في حلقة مفرغة من العنف والسلاح والتهجير تنتج جيلاً كاملاً لا يعرف سوى القتال.

ومصر التي تواجه اليوم معركة استنزاف في سيناء وتدير توازناً دقيقاً على حدودها الغربية وتراقب بيقظة حركة النيل، تجد نفسها أمام سؤال وجودي: كم جبهة يمكن لدولة أن تتحمل في آن واحد؟ وماذا يحدث عندما تطبق الكماشة من الشرق والغرب والجنوب معاً؟

وهذا هو الجزء الثالث والأخير من رحلة التشريح، حيث نواجه التهديد الأقل ظهوراً، لكنه الأكثر ترجيحاً للانفجار، ثم نختتم بتوصيات استراتيجية متكاملة لمصر، وخاتمة ترسم ملامح الطريق في عام الفهم الجديد، ففوضى الفراغ التي حذرنا منها في الأجزاء السابقة تصل هنا إلى ذروتها، حيث يلتقي تآكل التحالفات مع الفوضى النووية مع أزمة المياه مع انهيار الساحل، في عاصفة واحدة تستهدف قلب القاهرة.

رابعاً: التهديد القادم من الجنوب

في قلب الصمت الاستراتيجي العربي، تحت رادار التحليلات اليومية المنشغلة بغزة وإيران وسوريا، ينزف جنوب آخر، نزيف لا يُرى لأنه بعيد، لا يُسمع لأنه لا يشبه انفجارات العناوين الرئيسية، لكنه يتقدم باتجاه الشمال ببطء منهجي لا يقل فتكاً عن أقوى الصواريخ وأعتى الجيوش.

فهناك، في الشريط الممتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، من موريتانيا حتى تشاد، منطقة الساحل الإفريقي تحتضر بصمت، وحين تسأل عن النعش ومن يحمله، لن تجد جنازة واحدة، بل عشرات الجماعات المسلحة التي تتناحر على تقسيم الجثة قبل أن تبرد.

وتقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في 31 يناير 2026 لا يترك مجالاً للشك: تهديد داعش لم يتراجع، بل ازداد تعقيداً وتكثيفاً في مسارح متعددة، والوضع أخطر ما يكون في إفريقيا، ففروع التنظيم، ولاسيما "ولاية الساحل" و"ولاية غرب إفريقيا"، لم تعد تختبئ في الجبال البعيدة، وهي اليوم تبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وتفرض ضرائب، وتدير معابر حدودية، وتنشر عدالتها الوهابية بقوة السلاح، والأخطر من كل ذلك أنها تتعلم من أخطاء الماضي

وداعش الساحل لا يبحث عن خلافة معلنة هذا العام، ولا يريد استفزاز العالم كما فعل أسلافه في الموصل والرقة، فقد تعلم الدرس جيداً: الشهرة جلبت الطائرات، والعناوين الرئيسية جلبت القنابل، وهو اليوم يبني دولة حقيقية تحت الأرض وفوق الرمال، يكسب قلوب القرويين بتوفير الأمن الذي عجزت عنه جيوش سبع دول، ويدفع رواتب، ويحكم نزاعات، ويقدم خدمات لا تقدمها حكومات تفقد السيطرة على نصف أراضيها.

وفي بوركينا فاسو، التي كانت مثالاً للتسامح الديني في غرب إفريقيا، لا تسيطر الحكومة اليوم إلا على أقل من نصف التراب الوطني، والثلثان الباقيان تحت نفوذ جماعات جهادية تتقدم يومياً نحو السواحل، وعدد القتلى المرتبط بالعنف المتطرف تضاعف ثلاث مرات في ثلاث سنوات فقط، وفي ديسمبر الماضي، استقالت الحكومة بعد سلسلة هجمات خطفت عاملين أجانب وقتلت مئات الجنود، وفي العاصمة واجادوجو ذاتها، لم يعد الموظفون ينامون في منازلهم القريبة من الأحياء الشرقية، خوفاً من أن يستيقظوا تحت حكم لا يعترف إلا بسيفه

وفي مالي، حيث بدأت القصة قبل عقد من الزمن، وصل الأمر إلى ذروته في سبتمبر 2025، فجبهة نصرة الإسلام والمسلمين، ذراع القاعدة الأقوى في الساحل، فرضت حصاراً اقتصادياً خانقاً على العاصمة باماكو، ومنعت ناقلات الوقود من الدخول، وقطعت الإمدادات عن مدينة بأكملها، والمجلس العسكري الحاكم، الذي وعد باستعادة السيادة وطرد القوات الفرنسية، عجز عن كسر الحصار، وأغلقت المدارس، ونزح الدبلوماسيون، وأدرك الجميع أن الدولة في مالي لم تعد موجودة خارج أسوار القصر الرئاسي

ثم جاءت الضربة الأكثر إيلاماً: في يوليو 2025، نفذت جبهة النصرة سبع هجمات متزامنة في منطقة كايس على الحدود مع السنغال وموريتانيا، ولأول مرة منذ اندلاع التمرد قبل خمسة عشر عاماً، امتدت النار إلى دولتي الساحل الناعم، الدولتان اللتان ظلتا لعقدين ملاذاً آمناً في محيط ملتهب، فالسنغال وموريتانيا، اللتان راهنتا على حظوتهما وعزلتهما الجغرافية، اكتشفتا فجأة أن الإرهاب لا يحترم حدوداً ولا عقود أمن ولا علاقات حسن جوار

وفي أكتوبر، بينما كان جيش مالي منهمكاً في محاولة فك الحصار عن العاصمة، انقضت الجماعات المسلحة على بلدة لولوني في منطقة سيكاسو، على بعد مئات الكيلومترات جنوباً، وكان هذا التوغل الأعمق باتجاه حدود ساحل العاج وغانا وتوجو منذ بداية الأزمة، والخطر لم يعد ساحلياً فقط، بل صار يطرق أبواب خليج غينيا، حيث تتركز الثروات والموانئ الاستراتيجية التي تغذي نصف القارة

والأكثر إثارة للقلق أن هذه التهديدات لم تعد منعزلة عن بعضها، فتقرير مركز ستيمسون يحذر من أن نزاعات إفريقيا لم تعد جزراً منفصلة، بل أرخبيلاً متصلاً تحت الماء، فالمقاتلون والتكتيكات والأسلحة والتمويل تنتقل الآن بين المناطق بسرعة مرعبة، ومجموعات الصومال المتطرفة تتلقى تدريباً ومواد من اليمن، وخلايا نيجيريا تتصل بشبكات التهريب الليبية عبر تشاد والنيجر، والفرق بين جبهة القتال في بحيرة تشاد وجبهة القتال في جبال درنة لم يعد سوى رحلة بطائرة صغيرة أو قافلة دفع رباعي تجتاز صحراء لا سلطان لأحد عليها.

والمفارقة المأساوية أن كل هذا يحدث تحت أنظار العالم المتغافل، والغرب الذي أنهكه الانسحاب من أفغانستان والانشغال بأوكرانيا وغزة، يتعامل مع الساحل وكأنه مشكلة فرنسية قديمة لا تخص أحداً، وبعض القوات الخاصة لا تزال موجودة هنا وهناك، لكن وجودها مجرد قطرة في محيط من الرمال المتحركة، والإدارة الأمريكية الحالية، المنشغلة بوعودها الانتخابية بإنهاء الحروب الأبدية، لا تجد وقتاً لتهديد لا يلوح مباشرة على شاشات التلفزيون

ولكن الأدهى أن الوعي الاستراتيجي العربي مازال أسيراً لنموذج داعش 2014: تنظيم مركزي يسيطر على مدن، ويرفع أعلاماً سوداء، ويعلن خلافة، ثم يسقط تحت قنابل التحالف الدولي، هذا النموذج انتهى، فداعش الساحل لا يريد مدناً يضطر للدفاع عنها، يريد صحراء لا نهاية لها، يريد حدوداً مفتوحة تسمح بالحركة والاختفاء، يريد قرى صغيرة يشتري ولاءها بالمال والخوف معاً، إنه إرهاب ينتهج حرب العصابات، لامركزي، متكيف، يضرب ثم يختفي، ويظهر ثم يندمج مع المدنيين، ولا يمكن هزيمته بغارة جوية واحدة، لأنه ليس هدفاً ثابتاً، ولا يمكن القضاء عليه باقتحام مدينة واحدة، لأنه ليس في مدينة.

هذا هو التهديد الذي يتشكل الآن على بعد أقل من ألف كيلومتر من الحدود الغربية لمصر، والساحل ليس قارة منفصلة عن مصر، فالساحل هو الحزام الناعم الذي يسبق الصحراء الليبية، وهو الحاضنة التي تسبق العاصفة، وكل كيلومتر يخسره جيش النيجر أو تشاد لصالح الجماعات المسلحة هو كيلومتر يقترب فيه الإرهاب من تخوم الكفرة والجغبوب، وكل قطعة سلاح ثقيل تسقط في أيدي متمردي مالي هي قطعة سلاح قد تجد طريقها غداً إلى بنغازي أو درنة أو سبها، وكل مليون لاجئ يفر من جحيم بوركينا فاسو هو مليون إنسان قد يبحث عن ممر إلى أوروبا عبر شواطئ مصر الشمالية.

والارتباط الاستراتيجي الخفي بين ليبيا والساحل هو أحد أكثر الأسرار المكشوفة إزعاجاً في جيوبوليتيك المنطقة، وفشل تسوية الأزمة الليبية عام 2015، عندما طردت قوات البنيان المرصوص داعش من سرت، لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية فصل جديد، فالتنظيم لم يُهزم، بل تفرق وانتشرت خلاياه جنوباً نحو سبها ومرزق، ثم عبرت الحدود الناعمة نحو النيجر وتشاد، ومن هناك وجدت طريقها إلى شمال نيجيريا ومالي، والسلاح الذي كان في سرت أصبح اليوم في بحيرة تشاد، والمقاتلون الذين قاتلوا في الهلال النفطي يقاتلون اليوم على تخوم باماكو، وليبيا لم تعد فقط ساحة صراع، بل أصبحت ممراً استراتيجياً يمد جبهات القتال في عمق إفريقيا بالذخائر والخبراء والأموال

وهذه الحلقة المفرغة من العنف والتطرف والتهجير تنتج جيلاً كاملاً لا يعرف سوى الحرب، أطفال ولدوا في مخيمات اللجوء، كبروا على صوت الرصاص بدلاً من أغاني الأطفال، تدربوا منذ سن الثانية عشرة على حمل الكلاشنيكوف، فهؤلاء لا يعرفون مهنة غير القتال، ولا اقتصاداً غير الغنيمة، ولا قانوناً غير قانون البندقية، وفي كل عام، ينضم آلاف منهم إلى الجماعات المسلحة، ليس إيماناً بالعقيدة بالضرورة، بل لأنها الوظيفة الوحيدة المتاحة، والانتماء الوحيد المتاح، والهوية الوحيدة المتاحة

ومصر اليوم تقود معركة استنزاف شرسة في سيناء، وتدير توازناً دقيقاً على حدودها الغربية مع ليبيا، وتراقب بيقظة حركة المياه في النيل، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: كم جبهة يمكن لدولة أن تتحمل في آن واحد؟ وماذا يحدث عندما تطبق الكماشة من الشرق والغرب والجنوب معاً؟

فانهيار الساحل يعني شيئاً واحداً لمصر: إحكام طوق إرهابي مزدوج، فمن الغرب، عبر ليبيا التي تتحول تدريجياً إلى ساحة خلفية لصراعات الساحل، ومن الجنوب، عبر حدود مباشرة مع السودان الذي يعاني أصلاً من حرب أهلية شرسة أودت بحياة 400 ألف إنسان وشردت 13 مليوناً، 

فالسودان اليوم لم يعد دولة، بل أرخبيل من مناطق النفوذ المتناحرة، تغذيها أطراف إقليمية ودولية، وتتدفق إليها الأسلحة من كل اتجاه، والساحل يغذي السودان، والسودان يغذي ليبيا، وليبيا تعيد تدوير التهديد نحو مصر.

وهذه ليست نظرية مؤامرة، فلا اعتقدت يوماً بتلك النظرية بعد البحث المضني، وإنما هي قراءة باردة لخرائط التمدد، وتقرير مركز ستيمسون يحذر من أن "النزاعات الإفريقية لم تعد معزولة عن بعضها"، فالمقاتلون ينتقلون بين الجبهات، والأسلحة تجتاز القارات، والتمويل يعبر الحدود كالماء بين أصابع من يحاول احتواءه، وفي هذا السياق، تصبح مسافة الألف كيلومتر بين القاهرة وباماكو وهمية، والعولمة لا تعني فقط تدفق البضائع والأفكار، بل أيضاً تدفق الإرهاب.

ولطالما نظرت النخب الاستراتيجية العربية إلى إفريقيا جنوب الصحراء كعمق جيوبوليتيكي أو "سوق واعدة" أو "مجال حيوي"، ولكن هذه النظرة من أعلى إلى أسفل تحتاج اليوم إلى مراجعة جذرية، فإفريقيا لم تعد هامشاً ينتظر من يكتشفه، بل أصبحت مركزاً لاضطرابات تعيد تشكيل النظام الدولي، والساحل ليس مجرد بقعة على الخريطة، بل هو معمل اختبار لنماذج جديدة من العنف المنظم، قد تنتقل عدواها إلى شمال القارة في أي لحظة.

وفي عام 2011، تجاهل العالم تحذيرات قليلة عن تنامي جماعة بوكو حرام في شمال نيجيريا، وفي عام 2013، استهان المحللون بقدرة داعش على التحول من فرع لتنظيم القاعدة في العراق إلى دولة خلافة عابرة للحدود، وفي عام 2020، راهن كثيرون على أن جائحة كورونا ستوقف الإرهاب، فكان أن استغل التنظيم الوباء لتجديد صفوفه، واليوم في 2026، تتكرر نفس القصة: العالم مشغول بغزة وأوكرانيا وتايوان، وداعش الساحل يبني دولته بهدوء.

ومصر لا تملك رفاهية الانشغال، ليست لأنها تمتلك قدرة استخباراتية خارقة، بل لأنها تواجه التهديد من مسافة الصفر، وكل تأخير في فهم طبيعة الخطر القادم من الجنوب هو رهان على مستقبل الأمن القومي، وكل اختزال للإرهاب الساحلي في كونه "مشكلة فرنسية" أو "أزمة إفريقيةهو تجاهل لحقيقة أن الحدود لم تعد تحمي أحداً.

والمسافة بين تمبكتو والقاهرة تقاس بالأيام على الطرق الصحراوية، لا بالسنوات الضوئية، والأسلحة التي تسقط اليوم في أيدي مسلحي مالي قد تصل غداً إلى أطراف سيناء، فوحدها اليقظة الاستباقية، والفهم العميق لطبيعة التهديد الجديد - اللامركزي، المتكيف، الصامت - هي القادرة على منع تكرار سيناريوهات الأمس، وما لم يدرك صناع القرار أن معركة مصر على حدودها الغربية بدأت فعلياً قبل سنوات، في رمال مالي وصحراء النيجر، فسيبقى الرد متأخراً، وثمن التأخير هذه المرة قد يكون باهظاً لا قبل لمقدرة أمة به.

التوصيات: الإفلات من وطأة الفراغ

في اللحظة التي تتشابك فيها التهديدات الأربعة الكبرى، وتغدو الخريطة الإقليمية أشبه بلوحة شطرنج تتحرك قطعها من تلقاء نفسها، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بماذا نفعل غداً؟، بل بسؤال أعمق وأخطر: كيف ننتقل من موقع الدفاع عن النفس إلى موقع صناعة قواعد اللعبة ذاتها؟

وهذا التحول ليس ترفاً استراتيجياً، ولا خياراً من بين عدة خيارات، بل هو ضرورة وجودية تفرضها طبيعة التهديدات الجديدة - التهديدات التي لا تعترف بالحدود، ولا تنتظر دورها في قائمة الأولويات، ولا ترد الجميل للتحالفات القديمة، وأمام هذا المشهد، لا تكفي سياسات الدفاع التقليدية، ولا تجدي المقاربات التي تكتفي بمعالجة الأعراض تاركة الأمراض تنخر في العمق، والمطلوب هو إعادة اختراع جذري للعقلية الأمنية والدبلوماسية المصرية، ليس انطلاقاً من نزعة مغامرة غير محسوبة، بل من وعي عميق بأن الجمود في زمن الانهيارات ليس حياداً، بل انتحار بطيء.

وعلى مصر إذن؛ أن تخرج من دائرة ردود الأفعال إلى فضاء صناعة الأفعال، وهذا يتطلب أربع تحولات استراتيجية كبرى، لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى، لأنها جميعاً تشكل معاً شبكة أمان واحدة.

التجلي الأول لهذا التحول يبدأ في الخليج، حيث لم تعد المعادلة البسيطة قائمة: تحالف سعودي إماراتي موحد في مواجهة تحالف إيراني معزول، فالخليج اليوم يتسع لقطبين متنافسين، وربما أكثر، ومصر التي راهنت طويلاً على وحدة هذا المحور تجد نفسها أمام امتحان صعب: كيف تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع طرفين يتحولان تدريجياً إلى خصمين، دون أن تخسر أحدهما أو تنحاز ضد الآخر؟

والحل لا يكمن في الانحياز الكامل، ولا في الحياد السلبي الذي يقرأه الطرفان كضعف أو تخلٍ، فالحل هو في ابتكار نموذج جديد للعلاقات، يمكن تسميته بتوازن القوى الإيجابي أو التعاون المرن، ونموذج تقيم فيه مصر علاقات ثنائية مع كل دولة خليجية على حدة، لا بوصفها كتلة واحدة، وفق مصالح محددة بوضوح، وشروط معلنة، وآليات تنفيذ لا تترك مجالاً للتأويل، نموذج تعلن فيه القاهرة - بصوت مسموع - أن أراضيها ومياهها وخطوطها الجوية ليست منصة لتصفية حسابات إقليمية، وأن أي محاولة لاستخدام النفوذ المصري كورقة في الصراعات الخليجية - الخليجية ستقابل برفض حازم لا يعرف المزايدة.

ولكن توازن القوى الإيجابي لا يكتمل دون بعد إقليمي أوسع، فمصر تمتلك من الثقل التاريخي والجغرافي ما يؤهلها لتكون صانعة تحالفات، لا مجرد عضوة فيها، وحان الوقت لمبادرة مصرية - أردنية - خليجية مشتركة لإدارة الأزمات في الساحات الساخنة: سوريا، اليمن، السودان، مبادرة لا تنتظر تفويضاً من أحد، ولا تجعل نجاحها مرهوناً بموافقة الأطراف المتصارعة، بل تخلق وقائع جديدة على الأرض، وتقدم نفسها كبديل عملي عن منطق التنافس الأحادي الذي أكلت المنطقة ثماره المُرَّة لعقود.

والتجلي الثاني يحدث في مجال هو الأكثر غموضاً والأخطر: الأمن النووي الإقليمي، فالقنبلة الإيرانية - أو ما تبقى منها تحت الأنقاض - لم تعد تهديداً عسكرياً تقليدياً يمكن ردعه بالصواريخ المضادة أو الدروع الصاروخية، صارت تهديداً بيئياً، وإنسانياً، وأمنياً بكل معنى الكلمة، وهي تهديد لا يحترم مسافات، ولا ينتظر انتهاء المفاوضات.

ومصر، التي تمتلك تراكماً علمياً وتجارياً في المجال النووي السلمي، يمكنها أن تتحول من دولة متفرجة إلى دولة قائدة، والخطوة الأولى: طرح مبادرة في جامعة الدول العربية لإنشاء مركز إقليمي لرصد المواد المشعة والتعامل مع كوارث الفوضى النووية، مركز لا يكون مجرد مكتب إداري، بل كيان عملي بآليات تمويل ثابتة، وخبراء دائمين، ومعدات رصد وتدخل سريع، وبروتوكولات تعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والخطوة الثانية: وضع سيناريوهات طوارئ لفقدان السيطرة على المنشآت النووية في دول الجوار، ليس استباقاً لانهيار إيران فقط، بل لأن أي دولة نووية - أو شبه نووية - في المنطقة يمكن أن تواجه لحظة انهيار داخلي، والخطوة الثالثة: تحويل القلق الخليجي المشتت من الملف النووي إلى مشاورات جادة حول سيناريوهات انهيار إيران، وتأثير ذلك على الملاحة في الخليج وباب المندب، واستراتيجيات حماية البنى التحتية النفطية من تهديد قد لا يأتي بصاروخ، بل بحقيبة يدوية تحمل غباراً مشعاً.

أما التجلي الثالث، فهو الأكثر وجودية، أزمة المياه، فلا يمكن لمصر أن تواجه هذا التهديد بالرهان على القانون الدولي وحده، لأن القانون في العلاقات الدولية (وأحياناً الإنسانية) لا يحمي الضعفاء، بل ينظم انتصارات الأقوياء، اثنا عشر عاماً من المفاوضات مع إثيوبيا لم تنتج اتفاقاً، ليس لأن الدبلوماسية المصرية فشلت، بل لأن أديس أبابا تدرك أن الوقت في صالحها، وأن التلكؤ هو تكتيك وليس عجزاً.

والخروج من هذا المأزق يتطلب تحولاً جذرياً في المنطق: الانتقال من استراتيجية "الدفاع عن الحقوق" إلى استراتيجية "إدارة الندرة"، وليس لأن الحقوق غير مهمة، بل لأن انتظار اعتراف دولي بها قد يستغرق وقتاً لا تملكه الأجيال القادمة، وإدارة الندرة تعني استثماراً وطنياً ضخماً في أربعة مسارات متوازية: تحلية المياه بوصفها صناعة مستقبلية لا مجرد حل مؤقت، الزراعة الذكية التي تنتج أكثر باستهلاك أقل، ترشيد الاستهلاك الذي يتحول من شعارات إعلامية إلى سياسات عمومية بآليات تحفيز وعقاب واضحة، والتوسع في استخدام التكنولوجيا المائية المبتكرة التي تحول كل قطرة إلى أقصى طاقة إنتاجية ممكنة.

ولكن إدارة الندرة لا تعني الانكفاء على الداخل، بل تعني أيضاً توظيف العلاقات الإفريقية المصرية - وهي أقدم وأعمق من أن تلغى - لبناء تحالفات مائية موازية في حوض النيل، تحالفات لا تركز فقط على مواجهة إثيوبيا، بل تقدم نموذجاً تعاونياً مختلفاً: محطات رفع تعمل بالطاقة الشمسية في أوغندا، آبار جوفية في جنوب السودان، محطات تنبؤ بالأمطار في الكونغو، خزانات أرضية في كينيا، وكل مشروع من هذه المشاريع هو سهم في قلب منطق الصراع الأحادي، وكل شراكة تنموية هي استثمار في مستقبل المياه وليس فقط في حصتها.

وبالتوازي مع ذلك، على مصر أن تكسر تابوهات قديمة، فربط الأمن المائي بالأمن الغذائي عبر شراكات استراتيجية مع دول لا تعاني من شح مائي - أوكرانيا، رومانيا، دول أميركا اللاتينية - هو خط دفاع متقدم، وليس هروباً من المواجهة، استيراد الغذاء ليس بديلاً عن حماية حقوق النيل، لكنه تأمين للجبهة الداخلية في زمن الحروب الطويلة، والدولة التي تطعم شعبها لا يمكن هزيمتها، حتى لو طالت المفاوضات وتعقدت التحالفات.

والتجلي الرابع والأخير يأتي من الجنوب، حيث التهديد الأقل ظهوراً لكنه الأكثر ترجيحاً للانفجار، فمصر تواجه اليوم خطر الإرهاب على جبهتين: سيناء شرقاً، وليبيا غرباً. لكن الجبهة الثالثة - الجنوبية - تتشكل الآن بهدوء، في رمال مالي وصحراء النيجر وغابات بوركينا فاسو، وخطر هذه الجبهة ليس أنها جديدة، بل أنها متصلة بالجبهتين الأخريين عبر شبكات تمويل وسلاح ومقاتلين لا تعترف بالحدود.

ومصر لا تملك رفاهية انتظار وصول التهديد إلى تخومها الجنوبية، وهي لا تستطيع مواجهته بجدران عازلة أو حقول ألغام، فالطريق الوحيد لقطع هذا الخطر من جذوره هو تحول جذري في العقيدة الأمنية المصرية تجاه إفريقيا: من دولة تواجه تهديدات من الجنوب، إلى دولة تصدِّر الأمن إلى الجنوب.

وهذا التحول يعني أولاً تفعيل دبلوماسية وقائية نشطة في منطقة الساحل، لا تكتفي بالتحذيرات والتصريحات، بل تترجم إلى برامج تنموية ملموسة على الأرض، كمدارس تفتح أبوابها لأطفال لم يعرفوا سوى الخيام، آبار مياه تحفر في قرى لم تصلها أنابيب، وحدات صحية متنقلة تجوب مناطق تحولت فيها الأمراض البسيطة إلى أوبئة قاتلة، والتنمية هنا ليست عملاً خيرياً، بل هي أقوى أسلحة مكافحة التطرف، لأن الجوع والجهل هما أعظم مجندي الجماعات المسلحة.

وهذا التحول يعني ثانياً بناء شراكات أمنية حقيقية مع دول تشاد والنيجر ومالي، وشراكات لا تقوم على منطق الوصاية أو التفوق، بل على تبادل المصالح والخبرات، كتدريب قوات محلية على حرب الصحراء، وتبادل المعلومات الاستخبارية عن تحركات الجماعات المتطرفة، وإنشاء غرف عمليات مشتركة لمراقبة الحدود، وقطع طرق الإمداد التي تربط بين ساحات القتال في الساحل وليبيا، وهذه ليست تدخلاً في الشؤون الداخلية، بل هي دفاع عن الأمن القومي المصري في عمقه الجيوبوليتيكي.

وهذا التحول يعني ثالثاً - وهو الأصعب والأهم - تقديم نموذج تنموي مصري في حوض النيل والساحل، يكون بديلاً جاذباً للنماذج الإيرانية والتركية والخليجية المتنافسة، نموذج لا يشتري النفوذ بالسلاح والمال فقط، بل يبني قدرات، وينقل تكنولوجيا، ويخلق فرص عمل، ويحترم كرامة الشعوب، فمصر لا تستطيع منافسة الخليج في حجم المساعدات المالية، ولا منافسة تركيا في سرعة تنفيذ المشروعات، لكنها تملك ما لا يملكه أي منافس: الجغرافيا المشتركة، والتاريخ الممتد، واللغة المفهومة، والدم المختلط عبر آلاف السنين من الهجرة والزواج والتجارة، وهذه ميزة لا تقدر بثمن، وهي الميزة الوحيدة القادرة على قلب المعادلة في سباق النفوذ الإفريقي.

أربعة تحولات كبرى، أربع مقاربات جذرية، أربع رهانات على المستقبل في زمن لا يرحم، وليس فيها ضمانات مطلقة، ولا وعود بالنصر السريع، ولا اختصارات توهم بالحلول السحرية، لكنها معاً تشكل خريطة طريق واضحة، تنتقل بمصر من موقع المستهدَف بالتهديدات إلى موقع صانعة قواعد الاشتباك الجديدة، وفي عالم ما بعد التحالفات الهشة، وما بعد العدو المشترك، وما بعد الأيديولوجيات الكبرى، لا خلاص لأمة إلا بيقظة لا تعرف الكلل، وعقلية منفتحة على إعادة اختراع نفسها كل صباح، وإيمان راسخ بأن الجمود موت، وأن الحركة - مهما كانت محفوفة بالمخاطر - هي وحدها طريق الحياة، فمصر ليست ضحية جغرافيتها، بل هي صانعة مصيرها، وهذا المصير يبدأ اليوم، ليس بانتظار ما تخبئه الأقدار، بل بما تزرعه القرارات.

الخاتمة: إدارة المخاطر

عام 2026 لن يكون عام الانتصارات الكبرى في الشرق الأوسط، ولا عام الانهيارات النهائية، سيكون عاماً مختلفاً تماماً عن كل ما اعتادته المنطقة: عام إدارة المخاطر في غياب القواعد، عام التكيف مع واقع لا يشبه أمسنا، عام الاختبار الحقيقي للدول التي تملك مشروعاً وتلك التي تكتفي بردود الأفعال.

والتهديدات الأربعة التي شُخصت في هذا المقال ليست سيناريوهات بعيدة، ولا تحذيرات نظرية يمكن تأجيلها إلى اجتماعات الغد، إنها وقائع تتشكل الآن، تحت أنظار قادة لايزال بعضهم منشغلاً بسرديات الأمس، وبحروب أيديولوجية انتهت صلاحيتها، وبأعداء قد رحلوا تاركين فراغاً أخطر منهم، واليمن ينزف ليس لأن الحوثي قوي، بل لأن الحلفاء يتقاتلون على تقسيم ما تبقى، وإيران تتحلل داخلياً وقنبلتها النووية مدفونة تحت الأنقاض، لكن لا أحد يعرف من سينبش القبر أولاً، والساحل يحترق بصمت، والنار تقترب من الحدود المصرية ببطء منهجي، والمياه شريان الحياة، لم تعد قضية بيئية بل معادلة وجودية.

وهذه ليست أسباباً لليأس، بل هي على العكس، لحظة استثنائية تتساوى فيها الفرص مع المخاطر، وتكون فيها الدول القادرة على الفهم الجديد هي وحدها القادرة على الفوز، ومصر بتاريخها الممتد وثقلها الجيوبوليتيكي وجيشها الذي لم يهزم في حرب وجودية، تمتلك أدوات لا يمتلكها غيرها في هذه المنطقة المنهكة، والمطلوب ليس اختراع هذه الأدوات، بل إعادة توظيفها بمنطق لا يشبه منطق الأمس، والمطلوب تحول في العقلية: من الدفاع عن المكتسبات إلى صناعة الفرص، من انتظار المبادرات الدولية إلى ابتكار المبادرات الوطنية، من قراءة الخريطة بأعين الآخرين إلى رسمها بأيدينا.

وهذا التحول ليس حلماً بل مشروعاً، مشروع دولة واعية بمخاطر "ما بعد العدو"، تدرك أن الخطر الأكبر لم يعد يأتي من خصم معلن على الحدود، بل من فراغ يتسع بين الحلفاء على مائدة المصالح، ودولة تقرأ الخريطة بلا أوهام، ولا تخلط بين التحالفات الدائمة والمصالح المؤقتة، دولة تملك الشجاعة لدفع ثمن اليقظة - ثمن الاستثمار في البنية التحتية للمياه والطاقة، ثمن بناء تحالفات إفريقية لا تعتمد على المال وحده، ثمن تطوير عقيدة نووية إقليمية تستبق الكوارث بدل إدارة تداعياتها، ثمن التوازن الدقيق في خليج منقسم على نفسه - بدلاً من أن تدفع ثمناً أغلى هو ثمن المفاجأة.

والفراغ لا يُستصلح بالتمني، ولا تملأه الخطب الرنانة ولا الشعارات المستهلكة، الفراغ يستصلح بمشروع، والمشروع يحتاج إلى رؤية، والرؤية تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن أدوات الأمس لم تعد كافية.

فعام 2026 ليس عام الحلول الكبرى، لكنه يمكن أن يكون عام البدايات الكبرى، عام تُرسم فيه ملامح شرق أوسط جديد، ليس شرق أوسط القوى الخارجية والمحاور المنهارة، بل شرق أوسط الدول الوطنية التي تدرك أن بقاءها مرهون بقدرتها على التكيف مع عالم لا يرحم، والتعاون حيث يمكن التعاون، والتنافس حيث يجب التنافس، والمواجهة حيث تفرض الضرورة المواجهة.

ومصر ليست ضحية جغرافيتها، ولا رهينة تاريخها، وهي صانعة مصيرها، كما أثبتت في كل المحطات الفارقة، والفرق الوحيد بين النجاح والفشل في هذه المحطة هو شيء واحد: الفهم الجديد، أن نفهم أولاً - بعمق ودون أوهام - ثم نتحرك، لأن التحرك بلا فهم مغامرة، والفهم بلا تحرك انتحار.

والرهان على مصر ليس رهاناً عاطفياً، بل رهان استراتيجي، فدولة بهذا العمق الديموغرافي، وهذه المساحة، وهذا الموقع، وهذا التاريخ، لا يمكن أن تنهار ما دامت تملك مشروعاً، والمشروع الآن بين أيدي قادة يجب يدركوا حجم المسؤولية، وشعب أثبت عبر آلاف السنين أن قدرته على الصمود أعظم من أي تهديد، فعام الفهم الجديد يبدأ اليوم، وقرار أن نكون صانعي قواعد الاشتباك، لا ضحايا انهيار القديم منها، هو القرار الوحيد الذي يستحقه وطن بحجم مصر.
---------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش
مقالات فوضى الفراغ

مقالات اخرى للكاتب

فوضى الفراغ: مصر في مرمى التهديدات (3-3)