بعد أن شاهدنا في الجزء الأول كيف يتحول الخليج من حاضنة تحالف إلى ساحة اقتتال بين حلفاء الأمس، وكيف أن مصر باتت في مرمى تداعيات صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، ننتقل في هذا الجزء إلى تهديدين من نوع آخر، تهديدين لا يصدران ضجيجاً، ولا يخطفان عناوين النشرات، لكنهما ينخران في أساسات المنطقة بهدوء لا يقل فتكاً عن أي حرب معلنة.
الأول يختبئ تحت أنقاض المنشآت النووية الإيرانية المدمرة، فبينما كان العالم يصفق لتدمير القنبلة الإيرانية في يونيو 2025، كان اليورانيوم المخصب - ذلك الوقود المشع القادر على تحويل مدن بأكملها إلى مقابر غير صالحة للحياة - يتسرب بصمت من تحت الركام، ولا أحد يعرف مكانه الآن، ولا أحد يعرف من سيصل إليه أولاً، إنه الانتشار النووي العابر، أو بتعبير أدق "التسرب النووي"، حيث تتحول القنبلة المخيفة إلى غبار ينتظر من يذره في الريح.
والثاني يمشي على قدميه مع تيارات الأنهار، وأزمة المياه التي طالما اعتبرناها ملفاً بيئياً ثانوياً، تتحول اليوم إلى محرك رئيسي للصراعات والانهيارات الوطنية، ومن البصرة التي يموت سكانها عطشاً فوق بحر من النفط، إلى المغرب الذي يغرق بعد سبع سنوات من الجفاف، إلى الأردن الذي يبني محطات تحلية يائسة على حساب البحر الميت، وأخيراً إلى مصر التي يهدد سد النهضة شريان حياتها الوحيد.
تهديدان مختلفان في طبيعتهما، لكنهما يتشابهان في كونهما يعملان تحت الرادار، بعيداً عن أضواء الكاميرات، في صمت يصيب بالهلع، وهذا الجزء من المقال يسبر أغوارهما، ليكشف كيف أن المنطقة - ومصر في القلب منها - أصبحت رهينة لقنبلة لا أحد يعرف مكانها، ولنهر لا تسيطر على منابعه.
ثانياً: الانتشار النووي العابر
منذ اللحظة التي بدأ فيها الغبار يستقر فوق ركام منشآت نطنز وفوردو وأصفهان، في صبيحة الثاني والعشرين من يونيو 2025، والمنطقة تعيش على وهم خطير: أنها نجت من أسوأ السيناريوهات، فكان المشهد كما رسمته عناوين النشرات، واضحاً بذلاقة تثير الريبة: قنوات فضائية تعرض شريطاً أسفل الشاشة عن "تدمير المنشآت النووية الإيرانية"، محللون عسكريون يشرحون قدرة قنابل (GBU-57) على اختراق ثلاثين طناً من الخرسانة المسلحة، وبيانات نصر أمريكية-إسرائيلية تزف البشرى بأن "السلام بالقوة" أصبح في المتناول، وكان الجميع يصفقون للجراح الذي نجح في استئصال الورم، دون أن يسأل أحد: إلى أين ذهب الورم بالضبط؟
واليوم، بعد سبعة أشهر من انتهاء "عملية مطرقة منتصف الليل"، يخرج علي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى، على شاشات التلفزيون الإيراني ليفاجئ الجميع بحقيقة تبدو كأنها مأخوذة من سيناريو فيلم كارثة نووية: اليورانيوم المخصب بنسبة ستين بالمائة لايزال هناك، تحت الأنقاض، مدفون تحت آلاف الأطنان من الخرسانة المنهارة والفولاذ الملتوي، في موقعين على الأقل تعرضا لضربات مباشرة، وحجم هذا المخزون، الذي ظل لسنوات مدار مفاوضات شاقة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، أصبح اليوم مجهولاً تماماً، لا لسبب إلا لأن أحداً لا يجرؤ على استخراجه، ولا توجد حتى هذه اللحظة، أي مبادرة من أي طرف لرفع الأنقاض، لأن كل خبير نووي يدرك أن محاولة نبش قبر مشع قد تعني إطلاق جزيئات الموت في الهواء.
وهذه هي المفارقة المروعة التي يعجز الخطاب السياسي السائد عن استيعابها؛ فالمنطقة تخشى منذ أربعين عاماً القنبلة الإيرانية الجاهزة، المركبة على صاروخ باليستي، ذات الرأس الحربي الواضح، الجاهزة للانطلاق بأمر من غرفة عمليات في طهران، وبذلت الولايات المتحدة وإسرائيل ما يقرب من تريليون دولار، وخاضتا حروباً بالوكالة، وشنتا غارات جوية غير مسبوقة، وخاطرتا بحرب إقليمية شاملة، كل ذلك لمنع سيناريو واحد: أن تمتلك إيران قنبلة نووية، لكن النتيجة الوحيدة التي أتتها كل هذه الجهود، في سخرية تاريخية لا تخلو من عبثية مأساوية، هي تحويل هذا الخطر الواضح إلى خطر غامض، فلم تعد القنبلة في يد العدو، بل أصبحت في قبو منسي، بلا حارس، بلا جرد، بلا عدَّاد يقيس ما تبقى من عمرها النصفي، وبلا حتى خريطة دقيقة تحدد مكانها تحت الجبال المتهاوية.
وما دفع المحللين إلى تجاهل هذا السيناريو طوال السنوات الماضية ليس نقصاً في الخيال، بل إيمان راسخ ببديهية هندسية: المنشآت النووية تحرسها أعقد أنظمة الأمن في العالم، ولا يمكن أن تضيع قنبلة نووية، ولا يمكن أن يفقد مخزون استراتيجي، ولكن هذه البديهية انهارت في اللحظة التي تحولت فيها تلك المنشآت من معامل نشطة إلى مقابر خرسانية، فالحراس، أولئك الذين كانوا يفتخرون بحراسة وقود المفاعلات، إما قتلوا تحت الأنقاض أو فروا بحثاً عن وظائف أخرى في اقتصاد إيراني منهك، وأنظمة المراقبة دُمرت مع المباني، والجدران المضادة للإشعاع تصدعت وباتت تسمح بما كانت تمنع، وفجأة صار اليورانيوم المخصب الإيراني، الذي كان أحد أكثر المواد مراقبة في العالم، مجرد جمر مشع تحت رماد بارد، لا يعرف أحد مقداره ولا موقعه الدقيق، والأخطر من ذلك كله: لا أحد يعرف من يمكن أن يصل إليه أولاً.
وهنا يبدأ الكابوس الحقيقي، ذلك الذي لم تخصص له واشنطن غرفة عمليات طوارئ، ولم تعقد بشأنه اجتماعات لمجلس الأمن القومي، ولم تدرسه مراكز الأبحاث إلا في هوامش متفرقة من تقاريرها السنوية، فسيناريو الفوضى النووية لا يشبه أي شيء خططت له الاستراتيجيات العسكرية طوال العقود الماضية، لأنه لا يبدأ بانفجار مدوٍ، ولا برأس صاروخ ينطلق من صومعة، ولا بصفارة إنذار تخلي المدن، فالفوضى النووية تبدأ بهمس، بتاجر أسلحة في سوق غير رسمية يعرض سلعة غريبة، أو بضابط في الحرس الثوري، لم يتقاض راتبه منذ أربعة أشهر، يقرر أن هذا اليورانيوم المنسي هو معاشه التقاعدي، أو بوسيط دولي يتنقل بين مطارات إقليم كردستان وإسطنبول وبيروت، حاملاً في حقيبته ما لا يزيد عن كيلوغرامين من مادة لا ترى بالعين المجردة، لكنها كفيلة بجعل مدينة بحجم الكويت أو الدوحة غير صالحة للسكن لعقود. وهذا السيناريو، الذي يبدو مستبعداً حتى يبدأ، هو ما يشير إليه تقرير معهد هدسن (Hudson Institute) الصادر في يناير 2026 بعبارة واحدة، مقتضبة لكنها كافية لإحداث هلع صامت في أروقة صناع القرار: واشنطن مهووسة بمنع امتلاك إيران للقنبلة، لكنها غير مستعدة لتداعيات انهيار إيران نفسها، فالولايات المتحدة، التي صممت قنابل خارقة للتحصينات خصيصاً لاختراق جبال فردو، لم تصمم بعد أي آلية للتعامل مع اليورانيوم المخصب بنسبة ستين في المائة، المنتشر تحت أنقاض ما اخترقته، وإسرائيل، التي شنت هجماتها تحت شعار "منع التهديد الوجودي"، لم تسأل نفسها يوماً ما إذا كان هذا التهديد يمكن أن يتحول من رأس صاروخ في يد عدو عاقل، إلى كيس من الغبار المشع في يد عدواني غير عاقل لا يملك شيئاً ليخسره، وهذا هو العمى الاستراتيجي في أنقى صوره: النجاح في منع السيناريو المتوقع، والفشل الكامل في تخيل السيناريو البديل.
والمأساة أن إيران نفسها، التي ظلت طوال هذه السنوات تبني سرديتها على امتلاك برنامج نووي "شفاف" تحت إشراف الوكالة الدولية، باتت اليوم عاجزة عن تقديم أي ضمانات حقيقية، وتصريحات شمخاني المتكررة، التي تؤكد استعداد طهران لخفض نسبة التخصيب إلى عشرين بالمائة بل وإجراء مفاوضات مع واشنطن، لا تخفي الحقيقة الأكثر إزعاجاً: أن طهران لا تستطيع حتى أن تعد بدفن آمن لموادها النووية، لأن الدفن الفعلي قد تم بالفعل بقنابل أميركية، وما تبقى هو انتشال الجثث المشعة من تحت الركام، وهي عملية لا تملك أي دولة في العالم تجربة كافية فيها، ولا يملك الاقتصاد الإيراني المنهار الموارد اللازمة لتنفيذها.
في هذا الفراغ المريع، بين انهيار دولة نووية وتخليها الفعلي عن مسؤولياتها، وبين عدم اكتراث دولي مزدوج: عدم اكتراث بالخطر الجديد، وانشغال تام بالخطر القديم الذي لم يعد موجوداً، تتحول المنطقة العربية بأكملها إلى رهينة لقنبلة لا أحد يعرف مكانها، ومصر، التي تقع على بعد آلاف الكيلومترات من جبال زاجروس، ليست بمنأى عن هذا التهديد،
ليس لأن صاروخاً إيرانياً سيستهدف القاهرة، فهذا السيناريو التقليدي لايزال مستبعداً، ولكن لأن اقتصاد مصر، الذي يئن أصلاً تحت أعباء مديونية خارجية تتجاوز مئة وستين مليار دولار، يعتمد عضوياً على استقرار الخليج، وقناة السويس، التي تدر نحو سبعة مليارات دولار سنوياً، تعتمد على حركة ناقلات النفط والتجارة العالمية التي تمر بمضيق هرمز وباب المندب، وأي حادثة إشعاعية في أي ميناء خليجي، أي شحنة مشعة تُكتشف في ميناء الفجيرة أو الدمام، أي "قنبلة قذرة" تنفجر ولو محدودة الأثر في الكويت أو الدوحة، ستعني شيئاً واحداً: توقف حركة الملاحة، انهيار أسعار النفط ليس بسبب وفرته بل بسبب الخوف من نقله، وشلل يصيب الاقتصاد المصري من أقصاه إلى أقصاه.
ولكن الخطر الأعمق، الذي لا يمكن قياسه بمؤشرات البورصة أو أرقام إيرادات القناة، هو خطر الانهيار التدريجي لمنظومة الردع والثقة، فإذا أثبتت الأزمة الإيرانية أن القوى العظمى قادرة على تدمير تهديد نووي دون أن تكون قادرة على إدارة تبعات هذا التدمير، فما الذي يمنع جهات أخرى - دولاً أو جماعات - من السعي لامتلاك غبار نووي بدل القنبلة الكاملة؟ ما الذي يمنع أن يتحول القرن الحادي والعشرون في الشرق الأوسط إلى عصر "القنابل القذرة"، حيث لا يحتاج الطامح إلى الردع النووي إلى معامل تخصيب ضخمة وقباب خرسانية، بل فقط إلى كمية كافية من الوقود المستهلك تُشترى من سوق سوداء تنبثق تحت أنقاض المنشآت المدمرة؟
وهذا هو التهديد الحقيقي لعام 2026، ليس الحرب، بل الفوضى، ليس الانفجار، بل التسرب، وليس العدو الواضح على الحدود، بل العدو المجهول الذي قد يكون تاجر أسلحة في سوق السراج بطرابلس، أو قائد ميليشيا في البوكمال بسوريا، أو حتى ضابط سابق في الحرس الثوري تقاعد قسراً وقرر أن يسعِّر ما تبقى له من نفوذ، وفي هذه الفوضى، تصبح المسافات الجغرافية وهمية، فالخطر لم يعد يأتي من دولة بعيدة تمتلك جيشاً ونظاماً، بل من جزيئات لا ترى بالعين، تحملها حقائب السفر عبر مطارات مهترئة الرقابة، لتستقر في أقبية مباني سكنية في ضواحي مدن لم تسمع بإيران من قبل.
في قلب هذه العاصفة من المجهول، تقف مصر، ليست لأنها المستهدف المباشر، بل لأنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي لاتزال تمتلك مؤسسات قادرة على استيعاب الصدمات، واقتصاداً متنوعاً نسبياً، وجيشاً يحظى بثقة شعبية، وهذا يجعلها الهدف غير المباشر لكل فوضى في الجوار، ولأن انهيار الخليج يعني انهيار شريانها المالي، وفوضى القرن الإفريقي تعني تدفق اللاجئين والسلاح عبر حدودها الجنوبية، وتحول سوريا والعراق إلى ساحات مفتوحة لصراعات القوى الكبرى بالوكالة يعني أن الإرهاب العابر للحدود سيجد طريقه حتماً إلى سيناء، والآن، اليورانيوم المفقود تحت أنقاض إيران يعني أن أي هامش أمان ظل متبقياً قد تبخر.
والمنطقة لم تعد تواجه تهديد انتشار نووي، المنطقة تواجه تهديد تسرب نووي، والفرق ليس في المصطلح، بل في المصير، الانتشار يمكن احتواؤه بالردع والحوار والعقوبات، أما التسرب لا يحتويه إلا جهد استخباراتي هائل، وتعاون إقليمي غير مسبوق، ويقظة لا تعرف الكلل، وهي كلها أشياء لا تمتلكها منطقة منهكة، منشغلة بصراعات الأمس، عاجزة عن تخيل مخاطر الغد، فالقنبلة الإيرانية، التي أرعبت العالم أربعة عقود، انتهت، ولكن شيئاً أسوأ منها بدأ للتو.
ثالثاً: أزمة المياه
ليس ثمة تهديد في الشرق الأوسط يُذكر ويُنسى كأزمة المياه، ليس لأنها أقل خطراً - بل لأنها تنمو بصمت، تحت سطح الخطاب السياسي اليومي، بعيداً عن عدسات الكاميرات التي تطارد الانفجارات والقذائف، فبينما يتبارى المحللون في فك شيفرات التصريحات النووية الإيرانية، وتحليل دلالات زيارة مسؤول أميركي إلى الرياض، تتسرب أزمة المياه إلى شرايين المنطقة بهدوء قاتل، لا يوقظ النائمين إلا وقد بلغ العطش الروى.
وفي يناير 2026، أعلنت جامعة الأمم المتحدة ما كان كثيرون يخشون حتى التفكير فيه: العالم لم يعد يعاني أزمة مياه مؤقتة، بل دخل رسمياً عصر "الإفلاس المائي"، والمصطلح الجديد يحمل في طياته نعي أنظمة مائية بأكملها - أنهار وبحيرات وخزانات جوفية وأراض رطبة - تجاوزت "نقاط التحول" التي لا عودة بعدها، ولم تعد هذه الأنظمة قادرة على استعادة مستوياتها السابقة، حتى لو توقفت كل أشكال التلوث والاستنزاف اليوم، فالموت ليس مهدداً، بل وقع بالفعل.
هذا الإفلاس ليس مجرد استعارة بلاغية، وتعني "نقاط التحول" أن الإنسان استنزف المياه الجوفية بما يفوق قدرتها على التجدد لعقود، ولوَّن طبقات الأرض العذبة حتى غزتها الملوحة والمواد السامة، ودمَّر الأراضي الرطبة - كل الكوكب - بمعدل فقد 35% منها منذ سبعينيات القرن الماضي، التكلفة السنوية للجفاف الناتج عن النشاط البشري وحده تقدَّر بحوالي 307 مليارات دولار، ويعيش نحو ملياري إنسان في ظروف جفاف دائم.
وفي قلب هذا الإفلاس العالمي، يتربع الشرق الأوسط على عرش العطش، فأحواضه الأربعة الكبرى - النيل، دجلة والفرات، الأردن - أضحت ساحات صراع هادئ لكنه مميت، ليس لأنها تشهد حروباً معلنة، بل لأنها تعيش حالة موت بطيء تحت وطأة أربعة عوامل متداخلة، لا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الآخر.
العامل الأول: الجفاف الممتد، منذ ثمانينيات القرن الماضي، انخفض تدفق نهري دجلة والفرات بنسبة 30%، ليس فقط بسبب السدود التركية، بل لأن المناخ نفسه تغير، والعامل الثاني: سوء الإدارة، في أكثر من نصف مدن المنطقة، تخسر شبكات المياه العامة 30% من مياهها قبل وصولها إلى المستهلك - لا تسرباً فنياً فقط، بل سرقة وإهمالاً وفساداً، والعامل الثالث: الانفجار السكاني، فالمنطقة ستكون بحاجة إلى 25 مليار متر مكعب إضافي من المياه سنوياً بحلول 2050 لمجرد الحفاظ على مستويات الاستهلاك الحالية، أما العامل الرابع: النزوح القسري، فالهجرة الناجمة عن شح المياه مسؤولة عن 10% من إجمالي حركة التنقل البشري عالمياً، وفي العراق وحده، أجبر الجفاف 1727 عائلة على ترك أراضيها في محافظات القادسية وواسط والنجف وبابل وكربلاء، لتتحول إلى أعباء إضافية على مدن تئن في الأصل تحت وطأة بنية تحتية انهارت منذ زمن.
ولكن المأساة الحقيقية أن هذا التهديد المركب يضرب المنطقة في أسوأ لحظة ممكنة، فدول مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن، التي تعاني من انهيار سياسي واجتماعي حاد، تجد في شح المياه وقوداً إضافياً يذكي احتجاجاتها ويقوض شرعية حكوماتها، والبصرة نموذج صارخ: أغنى مدن العراق نفطاً، الأكثر حراً في الصيف، والأفقر مياهاً نقية، وفي صيف 2018، انتفضت المدينة ليس بسبب داعش أو إيران، بل لأن مياه الشرب ذاتها باتت تسبب أمراضاً للأطفال، واليوم بعد ثماني سنوات، لم يتغير شيء سوى أن الاحتجاجات أصبحت روتيناً موسمياً.
وإذا كان هذا هو حال العراق - بلد يمتلك نهرين عظيمين - فما بالك بحوض النيل؟ فمصر وحدها، التي تضم ربع سكان العالم العربي، تعتمد على شريان مائي واحد يأتي 97% من مياهه من خارج حدودها، ولا توجد دولة في العالم بهذا الحجم السكاني بهذه الدرجة من التبعية المائية، ومنذ عام 2011، وإثيوبيا تبني على هذا الشريان الوحيد سداً هو الأكبر في إفريقيا، دون اتفاق مع المصب، ودون ضمانات قانونية ملزمة، وفي تحدٍ صريح لكل قواعد القانون الدولي.
وفي سبتمبر 2025، شهد العالم افتتاحاً رسمياً مهيباً لسد النهضة، احتفالات في أديس أبابا، أغاني وطنية، أضواء ومؤتمرات صحفية، ورئيس الوزراء آبي أحمد يصف السد بأنه "تحرير إثيوبيا من عبودية الفقر"، وفي القاهرة والخرطوم، لا احتفالات، فقط بيانات رسمية باردة تصف الخطوة بأنها "إجراء أحادي يهدد الأمن المائي"، والمفاوضات التي استمرت أحد عشر عاماً، رعتها سبع إدارات أميركية وثلاث منظمات دولية وملك سعودي وبابا الفاتيكان، انتهت لا باتفاق، بل بتدشين واقع جديد: السد يعمل، ومصر والسودان أمام خيارين أحلاهما مُرّ.
لكن المثير في هذه القصة - الجزء الذي لا يظهر في النشرات - هو ما تفعله مصر تحت سطح الأزمة، فالقاهرة لا تنتظر المعجزة، ففي يناير 2026، أطلقت آلية تمويلية بميزانية 100 مليون دولار لمشروعات تنموية في دول حوض النيل الجنوبي: محطات رفع، آبار جوفية تعمل بالطاقة الشمسية، مراسٍ نهرية، خزانات أرضية، معامل تحليل مياه، ومراكز للتنبؤ بالأمطار في الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان وكينيا وتنزانيا، إنها استراتيجية "العمق الإفريقي": تحويل التهديد الوجودي إلى فرصة لبناء تحالفات تنموية تضمن لمصر، ليس فقط حصتها، بل شراكات تدوم لعقود.
ومع ذلك، حتى هذه التحركات لا تكفي وحدها، لأن إثيوبيا لا تهدد مصر فقط بالملء الأحادي لبحيرة السد، بل بتوريطها في مستنقع جيوبوليتيكي أوسع، ففي السودان، تتهم الحكومة أديس أبابا والإمارات بتسليح مليشيات تهاجم الجيش انطلاقاً من أراضي إقليم بني شنقول - الذي يضم سد النهضة نفسه، وملف المياه، الذي يفترض أن يكون قضية تنمية، يتحول تدريجياً إلى ورقة في لعبة صراعات إقليمية متشابكة، لا تلتزم بقواعد القانون الدولي ولا بأخلاقيات حسن الجوار.
هناك طبقة أخرى أعمق من التعقيد، الوساطة الأميركية التي رحبت بها مصر رسمياً، تحمل في طياتها "ثمناً محتملاً" لا تعلنه واشنطن لكنها لا تخفيه تماماً، فتسريبات الصحافة الإسرائيلية تشير إلى أن إدارة ترامب، التي جمدت مساعداتها لإثيوبيا عام 2020 ثم رفع التجميد لاحقاً، تدرس اليوم صفقة كبرى: اتفاق على مياه النيل مقابل تنازلات مصرية في ملفين: ضخ مياه مستقبلاً إلى قطاع غزة وإسرائيل، ومنح السفن الأميركية - العسكرية والتجارية - حق المرور المجاني في قناة السويس، وأمام هذا المشهد، تتحول معادلة الأمن المائي المصري من صراع ثنائي مع إثيوبيا إلى مثلث مركب: أديس أبابا تبتز بالمياه، وواشنطن تبتز بالوساطة، ومصر تدفع الأثمان.
لكن الكارثة لا تأتي من الشرق فقط، ففي غرب القارة، يعيش المغرب العربي تناقضاً مناخياً مرعباً، حيث سبع سنوات من الجفاف القاسي انتهت فجأة بأمطار غزيرة، لكن هذه الأمطار - التي كانت نعمة منتظرة - تحولت إلى سيول جارفة، أكثر من 150 ألف مغربي نزحوا عن ديارهم في أسبوع واحد، في فبراير 2026، بعد فيضانات اجتاحت قرى ومدنًا لم تكن مستعدة لهذا الكم من الماء دفعة واحدة، والعلماء يسمون هذه الظاهرة "وجهان لعملة واحدة": الاحترار العالمي لا يعني فقط جفافاً أطول، بل هطولاً أقوى وأكثر عنفاً، لأن الغلاف الجوي الساخن يحمل بخار ماء أكثر، والمغرب الذي كان يعاني العطش، بات يغرق.
والأردن بدوره، يعيش كابوساً من نوع آخر، فالدولة التي تحتل المرتبة الثانية عالمياً في شح الموارد المائية، أعلنت في فبراير 2026 عن بناء ثاني أكبر محطة تحلية في العالم على البحر الأحمر، باستثمارات 6 مليارات دولار، والمحطة ستضخ 225 مليون جالون من مياه الشرب يومياً إلى عمان عبر أنبوب طوله 450 كيلومتراً، إنه مشروع طموح، بل يائس، لكن السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه: ماذا سيبقى من البحر الميت - ذلك المعجزة الجيولوجية - عندما تمتص ست دول متشاطئة مياه الأحمر وتحولها إلى شرب وزراعة وصناعة؟
وهذه هي الوجهة التي يتجه إليها الشرق الأوسط: تحلية كمصدر رئيسي، سدود عملاقة على كل نهر، حروب صامتة على الطبقات الجوفية، واتفاقيات ثنائية تتجاهل حقوق الأجيال القادمة، والخيارات التكنولوجية متاحة، لكنها باهظة التكلفة بيئياً واقتصادياً، وهي تؤجل فقط الأسئلة الصعبة بدل أن تجيب عليها.
في النهاية، تعود البوصلة إلى مصر، فلا توجد دولة في المنطقة تواجه معادلة وجودية بهذه القسوة، فندرة المياه هنا ليست تهديداً بيئياً يمكن تأجيله، ولا مشكلة تنموية يمكن حلها بمشروع ري جديد أو محطة تحلية، فندرة المياه في مصر هي تهديد مباشر لوجود الدولة كما نعرفها، لأن انهيار حصة مصر من النيل - ولو بنسبة 10% فقط - يعني انهيار قطاع زراعي يوظف ربع القوى العاملة، ويغذي مئات المصانع، ويؤمن غذاء 115 مليون إنسان، ويعني احتجاجات لا تتوقف في الريف المصري، يعني هجرة جماعية من الصعيد إلى القاهرة والإسكندرية، وتُزيد الضغط على بنية تحتية بلغت حد الاختناق، يعني فقدان القدرة على استضافة لاجئين جدد من السودان وإريتريا والصومال، ويعني انهيار كل تقديرات النمو الاقتصادي، ويعني ببساطة، نهاية معادلة الاستقرار التي صمدت سبعة عقود.
ولهذا، فإن معركة مصر على المياه ليست معركة دبلوماسية عادية، ولا يمكن قياسها بمقاييس النزاعات الحدودية أو الخلافات التجارية، هي معركة وجود، فالخطاب المصري الرسمي، الذي يردد عبارة "الأمن المائي خط أحمر" منذ أربعين عاماً، لم يكن يوماً مبالغة سياسية، بل كان توصيفاً دقيقاً لواقع جغرافي قاس: دولة تقع في المصب، تعتمد على نهر لا تسيطر على منابعه، ويقطنها عدد من البشر يعادل ثلاثة أضعاف ما تستطيع أرضها تحمله دون مياه النيل.
والرهان الآن ليس على التفاوض فقط، الرهان هو على قدرة مصر - دولة ومجتمعاً - على اجتياز هذا العقد دون انهيار، على ذكاء دبلوماسي يبني تحالفات في حوض النيل لا تعتمد فقط على الوعود، بل على مشروعات تنموية حقيقية تشعر دول المنبع بأن التعاون مع مصر أنفع من الصراع، وعلى استثمارات داخلية في تحلية المياه ومعالجة الصرف الزراعي وترشيد الاستهلاك، تُخرِج الاقتصاد المصري من دائرة التبعية المطلقة للنيل، وعلى صبر شعب يدرك - بوعي أو من دونه - أن الماء هذه المرة ليس مجرد مورد، بل قدر.
والأمم المتحدة قالتها بوضوح في تقريرها الذي صدر قبل أيام: الإفلاس المائي ليس نهاية المطاف، بل هو بداية خطة تعافٍ منظمة، ولكن هذه الخطة لن تنجح ما لم تدرك النخب السياسية في المنطقة أن أمن المياه لم يعد قضية وزارة الري وحدها، بل هو قضية مجلس دفاع قومي، ووزارة خارجية، ومخابرات عامة، ومجتمع مدني، وقطاع خاص، وإعلام، هو قضية الجميع، لأن العطش إذا دق الباب، لا يسأل عن انتماءات أحد.
وفي الشرق الأوسط، حيث تُختزل السياسة غالباً في سباق التسلح والصراعات المذهبية والتحالفات المتقلبة، تقبع أزمة المياه تحت الرادار، ولا تثير عناوين رئيسية كالبرنامج النووي الإيراني، ولا تشعل تغريدات كزيارة مسؤول أميركي، لكنها هناك، تنخر في أساسات الدول من الأسفل، ببطء، بصبر، وبلا ضجيج، وذات صباح، عندما يستيقظ الجميع على وقع احتجاجات مدينة كبرى تشتكي العطش، سيكتشفون أن الخطر الحقيقي لم يكن قط حيث وضعوا أعينهم، بل كان في قعر النهر، تحت أقدامهم مباشرة.
مصر واستباق الكارثة
في خضم هذا المشهد المركب، حيث يختلط الغبار النووي الإيراني بمياه النيل المتدفقة من أعالي الهضبة الإثيوبية، تقف مصر أمام اختبار وجودي مزدوج، اختبار لا يقل خطورة عن الحروب المعلنة، بل ربما يفوقها تعقيداً لأنه يأتي بصمت، من تحت الأنقاض ومن خلف السدود، دون صفارات إنذار تسبقه. وما كشفته صفحات هذا الجزء ليس مجرد تحذيرات نظرية، بل وقائع تتشكل الآن: يورانيوم مفقود تحت أنقاض إيران ينتظر من يلتقطه، وسد يهدد شريان حياة 115 مليون إنسان، وفي كلا الملفين، أثبتت الأحداث أن الانتظار ليس خياراً، وأن الرهان على حسن نوايا الآخرين وهم استراتيجي قد يدفع ثمنه الأبرياء.
لمواجهة هذين التهديدين المصيريين، تقف مصر اليوم أمام ضرورة تبني حزمة متكاملة من التوصيات الاستراتيجية:
أولاً: في مواجهة التهديد النووي العابر: بناء منظومة إنذار مبكر واستباق دبلوماسي، فالخطر النووي الجديد لا يأتي بصواريخ عابرة للقارات، بل بحقائب سفر تحمل غباراً مشعاً عبر مطارات لا تعمل فيها أجهزة المسح الإشعاعي. أمام هذا الواقع، على مصر أن تتحرك في أربع اتجاهات متوازية:
- تفعيل الدبلوماسية الوقائية: المكالمة الهاتفية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الإيراني بزشكيان في 31 يناير 2026، والتي أعرب فيها الرئيس عن "قلق مصر العميق" وأكد أن الدبلوماسية هي "السبيل الوحيد والأمثل" لحل الأزمة، تشكل نقطة انطلاق مهمة، وعلى مصر البناء على هذا الاتصال لتوسيع نطاق التشاور مع طهران، ليس فقط حول الملف النووي التقليدي، بل حول المخاوف الجديدة المتعلقة بسلامة المواد النووية تحت الأنقاض، وإعلان مصر "الدعم الكامل" لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط يؤهلها لتكون طرفاً فاعلاً في ضمان أن أي اتفاق قادم يتضمن آليات واضحة للإشراف الدولي على المواد المفقودة.
· تطوير التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية: الاتصالات المكثفة التي أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع المدير العام للوكالة رافاييل جروسي في فبراير 2026 يجب أن تتطور إلى شراكة تقنية دائمة، وعلى مصر أن تطلب دعماً فنياً عاجلاً لتطوير قدراتها الوطنية في مجال رصد المواد المشعة على حدودها وفي موانئها، خاصة مع تدفق البضائع عبر قناة السويس.
· بناء تحالف إقليمي لرصد التهديدات النووية غير التقليدية: الدعوة التي أطلقتها مصر مراراً لإنشاء "منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط يجب أن تتسع لتشمل إنشاء "مركز إقليمي لرصد المواد المشعة والتعامل مع كوارث الفوضى النووية"، وهذا المركز يمكن أن يضم خبراء من دول الخليج والعراق والأردن، ويتولى مسؤولية تبادل المعلومات الاستخبارية حول تحركات السوق السوداء للمواد النووية.
· تأمين البنى الحيوية: على الحكومة المصرية إجراء مراجعة شاملة لإجراءات الأمن الإشعاعي في الموانئ والمطارات والمعابر الحدودية، بالتعاون مع الوكالة الدولية. كما أن تطوير سيناريوهات طوارئ لمواجهة أي حادثة إشعاعية في مضيق هرمز أو باب المندب، بالتعاون مع دول الخليج، يضمن استمرارية حركة الملاحة في قناة السويس حتى في أسوأ الظروف.
ثانياً: في مواجهة أزمة المياه: من استراتيجية الدفاع عن الحقوق إلى استراتيجية إدارة الندرة وبناء التحالفات، وذلك بالتأكيد الرسمي المتكرر على أن مصر "لن تتنازل عن قطرة ماء واحدة من حصتها في النيل" يعبر عن ثوابت وطنية لا يمكن المساس بها، ولكن حماية هذه الثوابت تتطلب أدوات جديدة تتجاوز الخطاب الدبلوماسي التقليدي، ووزير الري المصري وضع الأسس لمرحلة جديدة عندما أطلق "الجيل الثاني من النظام المائي المصري (Water 2.0)"، الذي يرتكز على التكنولوجيا الحديثة والرقمنة، وهذا التوجه يحتاج إلى تعزيز على عدة مستويات:
· التحول من "الدفاع عن الحقوق" إلى "إدارة الندرة": الاستثمارات المستهدفة في قطاع الري والزراعة البالغة 144.8 مليار جنيه في خطة 2025/2026 يجب أن توجه بكفاءة عالية نحو مشروعات تعظيم العائد من وحدة المياه، وتطوير شبكات الري الحقلي، والتوسع في أنظمة الري الحديثة، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، كلها مسارات لا تقل أهمية عن المفاوضات الدولية. وزير الري أكد أن الخطة تشمل استبدال وصيانة بوابات الترع، وتطوير شبكات المراقبة المائية بتكلفة منخفضة، ما يعكس إدراكاً لأهمية الحلول المحلية.
· تعميق استراتيجية "العمق الإفريقي": المشروعات التنموية التي تنفذها مصر في دول حوض النيل الجنوبي، والتي كشف عنها وزير الخارجية مؤخراً، تمثل نموذجاً يحتذى به. 28 محطة رفع تعمل بالطاقة الشمسية في جنوب السودان، و180 بئراً جوفياً في كينيا، و75 بئراً في أوغندا، و12 محطة رفع في الكونغو الديمقراطية، ومحطات للتنبؤ بالأمطار، كلها استثمارات في العلاقات الإنسانية والتنموية قبل أن تكون استثمارات سياسية. هذا النهج، الذي بلغت تكلفته 100 مليون دولار حتى الآن، يجب أن يتوسع ليغطي المزيد من المشروعات التي تلامس حياة المواطنين في دول المنبع، وتجعلهم شركاء في الرخاء لا مجرد جيران في الجغرافيا.
· توظيف القانون الدولي بذكاء: إعادة إحياء المفاوضات حول "الاتفاق الإطاري التعاوني" لحوض النيل، والتي أشار إليها وزير الخارجية، تمثل إنفراجة دبلوماسية مهمة. على مصر استثمار هذا الزخم للوصول إلى صيغة توافقية تحمي حقوق الدول المتشاطئة جميعاً، وتضع ضوابط واضحة لأي مشروعات مستقبلية على المجرى الرئيسي للنهر.
· الاستثمار في تحلية المياه كمصدر مستقبلي: التوجه نحو تحلية مياه البحر لم يعد رفاهية، بل ضرورة وجودية، والتجربة الأردنية في بناء ثاني أكبر محطة تحلية في العالم، رغم تكلفتها الباهظة، تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة المرحلة، وقانون مياه الشرب والصرف الصحي الجديد المقرر تطبيقه في مارس 2026 يفتح الباب أمام مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية التحتية للمياه، ويجب استغلاله لجذب استثمارات ضخمة في مجال التحلية.
· ربط الأمن المائي بالأمن الغذائي عبر شراكات دولية: تنويع مصادر استيراد الغذاء، خاصة القمح والذرة، وإنشاء شراكات استراتيجية مع دول لا تعاني من شح مائي مثل أوكرانيا ورومانيا ودول أميركا اللاتينية، يشكل خط دفاع متقدماً يخفف الضغط على الموارد المائية المحلية.
· بناء وعي مجتمعي بأزمة المياه: وزارة الري تدرك أهمية بناء جيل واعٍ بقضايا المياه، كما يتجلى في مشاركة الوزير في برامج دبلوماسية الشباب، وهذه التوعية يجب أن تتحول إلى حملة وطنية كبرى، تشرك الإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية، لترسيخ ثقافة الترشيد كقيمة وطنية لا تقل أهمية عن الدفاع عن الحدود.
في الجزء الأول من هذا المقال كشف تحول الحلفاء إلى خصوم في الخليج، والجزء الثاني كشف عن تهديدين أكثر غموضاً: قنبلة تحت الأنقاض، ونهر مهدد بالسد، وفي الجزء الثالث والأخير، سنواجه التهديد الرابع والأبعد لكنه الأقرب: انهيار الساحل الإفريقي وتحوله إلى حاضنة إرهابية جديدة، ثم نختتم بتوصيات شاملة تمثل خريطة طريق متكاملة لمصر في عام الفهم الجديد.
الفراغ يتسع، واليقظة وحدها هي التي تصنع الفارق بين من يقرأ الخريطة قبل أن تبتلعه، ومن يكتشف أنه كان يقف على أرض تهتز.
----------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش
مقالات فوضى الفراغ







