بنغلاديش ذلك الأفق النهري الوضاء، الذي تخلق عبر تعاقب التاريخ، وتراكمات الثقافة، ومسيرة حافلة بالكفاح يستقبل شهر رمضان كمن يستقبل ميلادا جديدا للروح والحياة. فما إن يطل هذا الشهر المبارك حتى تتبدل ملامح الوجود، وتتخفف النفوس من أعباء العام، وتلوذ بفضاءات الصفاء باحثة عن ذاتها التي أنهكتها صخب الأيام وتقلبات العيش.
وفي هذا الشهر الكريم، لا يعود الإنسان أسير رتابة الحياة وضغوطها، بل ينخرط في رحلة عميقة من المحاسبة والتزكية، يستعيد فيها توازنه الداخلي، ويجدد صلته بخالقه، مستضيئا بأنوار الإيمان، ومستنشقا عبير الطمأنينة.
وليس رمضان في بنغلاديش مجرد طقوس تؤدى أو شعائر تمارس، بل هو تحول حضاري شامل، تنصهر فيه أبعاد الحياة كلها في بوتقة من القيم السامية، حيث تتبدل أنماط السلوك، وتترسخ معاني التكافل، وتزدهر الروابط الاجتماعية، ويتجدد الحس الثقافي، في مشهد فريد تتناغم فيه الروح مع الواقع، ويولد فيه المجتمع من جديد على إيقاع الإيمان والإنسانية.
اليقظة الروحية: ثورة في أعماق النفس:
رمضان في حقيقته العميقة شهر مجاهدة النفس وترسيخ معاني التقوى في الوجدان. فالصيام من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو ارتقاء بالنفس في مدارج التزكية، وسعي دؤوب لتطهير السريرة، وإعادة تشكيل العالم الباطني للإنسان على ضوء الهداية الإلهية.
وفي بنغلاديش يتجلى هذا المعنى في صورة حية نابضة، إذ يقبل الناس على الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر، وسائر النوافل، إقبالا يعكس شوق الأرواح إلى منابع الصفاء، وحنينها إلى أنوار القرب من الله. فتغدو الأيام مشبعة بروح العبادة، وتتنفس الليالي عبير الخشوع والسكينة.
وتتحول المساجد إلى محاريب عامرة بالحياة، حيث يتزايد حضور المصلين من الفجر إلى العشاء، وتفيض أروقتها بأصوات التلاوة وأصداء الدعاء. ويترقب الناس صلوات التراويح بشغف بالغ، يستمعون فيها إلى ختم القرآن في أجواء يختلط فيها الخشوع بالرجاء، والدمع بالرجاء.
ومن القرى الوادعة إلى المدن الصاخبة تتكاثر مجالس ختم القرآن، ومحافل الدعاء، والندوات الإسلامية في مشهد يجسد يقظة إيمانية شاملة، لا تقتصر على إحياء الشعائر، بل تمتد لتوقظ الضمير الأخلاقي، وتنعش القيم الإنسانية، وتعيد صياغة الإنسان في أفق من الطهر والسمو.
تحولات الحياة الاجتماعية: تجليات ناصعة للتكافل الإنساني:
في رحاب شهر رمضان يشهد المجتمع البنغلاديشي انبعاثا متألقا لروح إنسانية سامية، تتوارى فيها الفوارق المادية، وتذوب الحواجز الطبقية ليغدو الناس جميعا في نسيج واحد تحكمه قيم التعاطف والتراحم. ففي هذا الشهر المبارك تتجلى معاني التكافل في أبهى صورها، حيث يهب الميسورون إلى أداء الزكاة وزكاة الفطر وبذل الصدقات، فتغدو الأيادي ممتدة بالعطاء، والقلوب عامرة بالإحسان، في مشهد يفيض إنسانية ويجسد عمق الانتماء القيمي للمجتمع.
وتبرز موائد الإفطار الموزعة على الطرقات كلوحة يومية نابضة بالعطاء، إذ تتسابق المؤسسات الاجتماعية، ولجان المساجد، بل والأفراد إلى إكرام الصائمين، فيقفون على جنبات الطرق، وفي ساحات الجامعات، وأروقة المكاتب، ومحطات الحافلات، يقدمون الطعام بروح من السخاء الصادق. وهناك، لا يقتصر النفع على المحتاجين فحسب، بل يشمل عابري السبيل، فيتجسد المعنى الأسمى للأخوة الإنسانية في أبهى تجلياته.
وعلى صعيد الأسرة تستعيد العلاقات دفأها وعمقها، إذ تلتئم القلوب حول مائدة الإفطار، وتنهض النفوس في أسحار السحر متآلفة على طاعة واحدة، فتغدو اللحظات العابرة جسورا للمحبة، وروابط متجددة للود. وهكذا يتجلى رمضان في بنغلاديش في صورة فريدة، حيث تمتزج روح العبادة بحرارة التواصل الإنساني لتنسج لوحة اجتماعية زاخرة بالإيمان، ومشبعة بمعاني الرحمة والتكافل.
الحراك الاقتصادي: تحولات السوق وثقافة الاستهلاك:
مع إشراقة شهر رمضان تدخل الحياة الاقتصادية في بنغلاديش طورا من الحيوية المتجددة، حيث تتبدل إيقاعات السوق، وتتسارع نبضات الحركة التجارية في تفاعل لافت بين روح العبادة ومتطلبات المعاش. فتشهد قطاعات المواد الغذائية، والأدوات الاستهلاكية، وصناعة الأزياء، نشاطا مكثفا يعكس خصوصية هذا الموسم الاستثنائي.
وتتصاعد وتيرة الطلب على أصناف الإفطار التقليدية كالحمص، والبغوني، والبياجو، والجلبي، والتمر تصاعدا ملحوظا حتى تغدو هذه المأكولات عنوانا يوميا للمائدة الرمضانية، ورمزا ثقافيا يعبر عن هوية المجتمع وذائقته. ومن دكا العاصمة إلى سائر المدن، تنبض الأسواق بالحياة، ويغدو الإقبال مشهدا مألوفا يعكس حرارة التفاعل الشعبي مع هذا الشهر الكريم.
ويحتل سوق شوك بازار بدكا مكانة متفردة في هذا السياق، بوصفه فضاء تراثيا عريقا تتجلى فيه ذاكرة رمضان البنغلاديشي، إذ تعرض فيه أصناف من المأكولات أعدت وفق وصفات متوارثة عبر أجيال، تمتد جذورها إلى أكثر من قرن، مما أكسبه شهرة واسعة وجعل منه وجهة يقصدها الزبائن من داخل البلاد وخارجها في تجربة تمزج بين الأصالة والذوق.
وعلى صعيد آخر، يتنامى النشاط التجاري مع اقتراب عيد الفطر، حيث تشهد مراكز التسوق والأسواق التقليدية والمنصات الرقمية ازدحاما لافتا في حركة استهلاكية تعكس البعد الاجتماعي والاحتفالي لهذه المناسبة. وهكذا يتحول رمضان إلى موسم اقتصادي بالغ الأهمية، تتقاطع فيه القيم الروحية مع ديناميات السوق في صورة متوازنة.
غير أن هذه الحيوية لا تخلو من تحديات تلوح في الأفق، كارتفاع الأسعار، وظهور بعض الأزمات المصطنعة في السلع الأساسية مما يفرض ضرورة تدخل الجهات المعنية بحكمة وفعالية، وتعزيز وعي المستهلك حفاظا على استقرار السوق، وصونا لروح العدالة التي يرسخها هذا الشهر الفضيل.
التنوع الثقافي: تلاقح الأصالة وروح الحداثة:
ليس رمضان في بنغلاديش مجرد موسم تعبدي عابر، بل هو تجربة ثقافية ثرية، تتجسد فيها ملامح الهوية، وتتعانق فيها جذور التراث مع آفاق الحداثة في تناغم بديع. ففي أسحار هذا الشهر، ما تزال بعض المناطق تحتفظ بإيقاعها القديم، حيث يصدح صوت الطبول لإيقاظ النائمين، في تقليد عريق يبعث في الليل روحا خاصة، ويستحضر ذاكرة جماعية تتوارثها الأجيال، رغم ما أتاحته الوسائل الحديثة من بدائل أكثر سهولة ويسرا.
وعلى موائد الإفطار تتجلى صورة زاهية من التعدد الثقافي، إذ تمتزج الأطعمة المحلية بنكهات قادمة من المشرق العربي وشبه القارة الهندية، فتلتقي التمور مع المشروبات، ويجاور الهليم والكباب أطباقا تقليدية أصيلة، وتختتم المائدة بحلوى الفرني، في مشهد يعكس انفتاح الذائقة البنغلاديشية واتساع أفقها الحضاري، حيث تتحول المائدة إلى فضاء جامع لثقافات متعددة في إطار واحد.
كما يسهم الإعلام بدور بارز في إثراء الأجواء الرمضانية من خلال برامج خاصة تتنوع بين المجالس العلمية، والمسابقات المعرفية، والأعمال الدرامية الهادفة، وبرامج الواقع في صيغة تجمع بين الإمتاع والإفادة، وتتيح للمتلقي أن يعيش تجربة رمضانية متكاملة، يتغذى فيها العقل كما تتزكى الروح.
وهكذا يغدو رمضان في بنغلاديش موسما فريدا، تتلاقى فيه أصالة الماضي مع نبض الحاضر في لوحة ثقافية نابضة بالحياة، تعكس عمق الانتماء، وثراء التجربة، وحيوية المجتمع في مسيرته بين الوفاء للجذور والانفتاح على العصر.
المدينة والريف: وحدة الشعور وتعدد التجليات:
على الرغم من تباين مظاهر رمضان بين المدينة والريف في بنغلاديش، فإن الروح التي تسري في القلوب تظل واحدة، تستمد وهجها من معين الإيمان ذاته. ففي المدن حيث تتسارع وتيرة الحياة وتتشابك خيوط التقنية يتخذ رمضان طابعا منظما تحكمه إيقاعات العمل ومتطلبات العيش. أما في القرى، فينبلج هذا الشهر في صورة أكثر صفاء وعفوية، تفيض بالألفة، وتنبض بصدق العلاقات وحرارة التواصل.
وفي فضاءات المساجد الريفية، لا تنتهي الروحانية بانقضاء صلاة التراويح، بل تمتد إلى مجالس ودية يلتقي فيها الناس، يتقاسمون الإفطار، ويتفقد بعضهم بعضا، في مشهد يجسد عمق الترابط الاجتماعي. وفي المدن، وإن خفتت بعض مظاهر هذه الحميمية، فإن المساجد الكبرى والمراكز المجتمعية تعيد إحياءها عبر موائد الإفطار الجماعي، وبرامج العبادة المشتركة لتبقى روح الجماعة حاضرة نابضة بالحياة.
الأزمات الإنسانية والتكافل: يقظة الضمير الإنساني:
يمنح رمضان الإنسان نافذة رحبة يطل منها على معاناة الفقراء والمحرومين، فمعايشة الجوع والعطش توقظ في النفس معاني الرحمة، وتعيد تشكيل الوعي بالآخر، فتتسع دوائر العطاء، وتزدهر أعمال البر والإحسان.
وفي بنغلاديش تتجلى هذه القيم في مبادرات متعددة تقودها المنظمات غير الحكومية، والهيئات الإسلامية، والجهود التطوعية حيث توزع المواد الغذائية، وتنظم شؤون الزكاة، وتطلق برامج خدمية تسهم في تخفيف وطأة الحاجة، وتؤسس لواقع اجتماعي أكثر توازنا وعدلا.
رمضان في العصر الرقمي: انفتاح التجربة على آفاق جديدة:
في زمن التحول الرقمي لم يعد رمضان محصورا في إطاره التقليدي، بل اتسعت دوائره بفعل التقنية، فأضحت التطبيقات الذكية دليلا يوميا لمعرفة أوقات السحور والإفطار، وغدت المنصات الإلكترونية جسرا لأداء الزكاة، فيما انتشرت الدروس والمواعظ عبر البث المباشر تصل إلى القلوب أينما كانت.
كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميم الوعي الرمضاني، وتعزيز ثقافة العطاء، ونشر الرسائل الإيمانية على نطاق واسع حتى تجاوز أثر هذا الشهر حدود الجغرافيا ليغدو حضورا عالميا تتلاقى فيه تجارب المسلمين.
التحديات والواقع: معادلة التوازن:
ورغم الصفاء الروحي الذي يميز هذا الشهر، فإن تحديات الواقع تظل حاضرة من ارتفاع الأسعار إلى الازدحام إلى تغير إيقاع الحياة اليومية. وقد يطغى أحيانا البعد الشكلي على الجوهر التعبدي، فتبهت المقاصد السامية خلف مظاهر الاستهلاك. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وعي متبصر يحقق التوازن بين الروح والمادة، ويصون جوهر رمضان من الانزلاق إلى القشور ليبقى موسما للإصلاح العميق لا مجرد طقس عابر.
إن رمضان في بنغلاديش ليس زمنا عابرا، بل هو مسار تحولي متجدد، يعيد صياغة الإنسان فكرا وسلوكا، ويغرس في قلبه معاني التزكية، والتراحم، والمسؤولية.
وإذا ما أحسن استثمار دروسه، واستصحبت قيمه في سائر أيام العام، تحول هذا الأثر إلى نهج دائم، يغدو معه رمضان ليس مجرد محطة زمنية، بل منطلقا لنهضة إنسانية وأخلاقية مستمرة، تتجدد بها الحياة، وتسمو بها القيم.
----------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي






