لم يعد الحديث عن نظام آموك شأنًا علميًا محضًا، بل تحول إلى ملف سياسي ثقيل الظلال في عالمٍ يعاد تشكيله تحت ضغط المناخ والجغرافيا معًا. نظام آموك (Atlantic Meridional Overturning Circulation) هو شبكة التيارات الكبرى في المحيط الأطلنطي التي تعمل كحزام ناقل حراري عملاق: تنقل المياه الدافئة من المناطق المدارية شمالًا، ثم تعيد المياه الباردة والكثيفة جنوبًا في الأعماق. هذا النظام هو الذي يمنح أوروبا الغربية دفأها النسبي، ويؤثر في أنماط الأمطار بأفريقيا والأمريكيتين، ويضبط مستوى البحار على السواحل الشرقية لأمريكا الشمالية. باختصار، استقرار المناخ العالمي يمر عبر نظام آموك، الذي تقوم آليته على توازن دقيق بين الحرارة والملوحة والكثافة. حين تصل المياه الدافئة إلى شمال الأطلنطي تبرد، وتزداد ملوحتها بفعل التبخر وتكوّن الجليد، فتصبح أكثر كثافة وتهبط إلى الأعماق. لكن تدفق كميات كبيرة من المياه العذبة نتيجة ذوبان الجليد في جرينلاند يخفّض الملوحة ويضعف عملية الغوص العميق، ما يهدد بإرباك الدورة برمتها. تحذيرات علمية متزايدة تشير إلى أن استمرار الاحترار العالمي قد يدفع نظام آموك إلى “نقطة تحول” خطيرة خلال عقود قليلة.
إذا ضعف نظام آموك أو انهار، فالنتائج لن تكون هامشية: برودة أشد في شمال أوروبا ما يجعلها تتحول لقارة جليدية غير صالحة للحياة، اضطرابات حادة في الأمطار الموسمية، ارتفاع ملحوظ في مستوى سطح البحر على الساحل الشرقي للولايات المتحدة وكندا وغرقها، ومخاطر جفاف وفيضانات في مناطق واسعة. لذلك يُنظر إلى نظام آموك بوصفه صمام أمان مناخي؛ أي خلل فيه يعيد رسم خريطة المخاطر العالمية.
هنا تتقاطع البيئة مع السياسة. فمنذ عودة ترامب إلي البيت الأبيض طُرحت فكرة شراء جرينلاند علنًا طوعًا أو كرهًا، وأثارت جدلًا واسعًا. التفسير الرسمي ركّز على الموقع الاستراتيجي والثروات والممرات القطبية، لكن ثمة بُعدًا أعمق يتصل بمعادلة المناخ، فالسبب الرئيسي في إصرار أمريكا على جرينلاند هو نظام آموك؛ فهذه الجزيرة الجليدية ليست مجرد أرضٍ نائية، بل نقطة ارتكاز حيوية في معادلة التيارات الأطلسية التي يمر عبرها توازن المناخ العالمي، وأي تغير في استقرار نظام آموك يمنح من يقترب من جغرافيته أفضلية استراتيجية في عالمٍ يتشكل تحت ضغط التحولات المناخية.
بهذا المعنى، يصبح الاقتراب من جرينلاند اقترابًا من عقدة جيوفيزيائية حساسة. صحيح أنه لا توجد أدلة علمية على قدرة أي دولة على “تشغيل” أو “إيقاف” نظام آموك بإرادة مباشرة، غير أن التموضع في محيطه يمنح صاحبه ( أمريكا مستقبلاً ) ميزة في زمن تتسارع فيه التحولات المناخية وتُفتح فيه ممرات بحرية جديدة في القطب الشمالي. الجليد الذائب لا يكشف عن طرق شحن وثروات فحسب، بل يكشف عن خرائط نفوذ جديدة.
في المقابل، تتحمل القوى الصناعية الكبرى نصيبًا تاريخيًا وافرًا من الانبعاثات الكربونية التي تدفع الاحترار العالمي. الجدل حول سياسات المناخ بين الالتزام والتباطؤ ليس تفصيلًا تقنيًا، بل عنصرًا في معادلة القوة. فكل تأخير في خفض الانبعاثات يزيد الضغط على نظام آموك، ويقرّب العالم من حافة عدم اليقين المناخي.
تتشابك هذه الخلفية مع توترات جيوسياسية أوسع، من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية. الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والملف النووي الإيراني، والتحالفات الإقليمية، كلها تجري في ظل تنافس دولي محتدم. تسعى إسرائيل إلى تثبيت وقائع جديدة على الأرض ضمن حسابات أمنية وإقليمية معقدة، بينما تظل إيران لاعبًا رئيسيًا في معادلة الردع. ورغم اختلاف الملفات، فإنها تتحرك داخل نظام دولي مضطرب تتداخل فيه الطاقة والممرات البحرية والأمن المناخي.
غير أن الحدة السياسية لا ينبغي أن تُغفل الأساس العلمي: الخطر الحقيقي على نظام آموك ناجم عن تراكمات الاحترار العالمي، لا عن “زر سري” لإطلاق الكوارث. الحديث عن “تشغيل الفيضانات” يعبّر عن حجم القلق، لكنه لا يغيّر من حقيقة أن التيارات البحرية تخضع لقوانين فيزيائية معقدة. ما يمكن التحكم فيه سياسيًا هو مسار الانبعاثات، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، والاستثمار في الطاقة النظيفة، والتموضع الاستراتيجي في المناطق القطبية.
يمكن القول أن نظام آموك ليس عنوانًا تقنيًا في كتاب علوم البحار، بل مفصلًا دقيقًا في توازن العالم. من سواحل أمريكا الشمالية إلى شتاء أوروبا، ومن أمطار إفريقيا إلى اقتصاديات الممرات القطبية، تتقاطع الخيوط عند هذا النظام. وبين العلم الصارم وحسابات القوة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتقدم السياسات بما يكفي لحماية نظام آموك، أم يسبقنا المناخ إلى نقطة اللاعودة؟
---------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيز بكير






