أثار تصعيد التوتر بين السعودية والإمارات انزعاج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نظراً لتأثيره على سياساتها في المنطقة، مع انتقالها إلى تكثيف الضغوط على إيران في الملف النووي، وعلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإنهاء الحرب في قطاع غزة والمضي قدما لإيجاد حل للمشكلة الفلسطينية. ويُظهر التصعيد السعودي الإماراتي، مدى الترابط بين الأزمات المزمنة والمعقدة في المنطقة، ومدى الصعوبة التي تواجهها الولايات المتحدة باعتبارها اللاعب الرئيسي في سياسات الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن واشنطن تكيفت مع واقع الانقسامات والعداءات الحادة في المنطقة واستطاعت على مدى عقود أن تدير مصالحها المتعارضة والمتضاربة في المنطقة دون أن تواجه أزمة حادة في العلاقات بين حلفاء لها متخاصمين. فقد استطاعت واشنطن أن تعزز علاقاتها مع دول إقليمية رئيسية وأن تحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها الخاصة مع إسرائيل التي تعتبرها حليفًا رئيسيا في المنطقة، لأن لديها ما تحتاجه معظم دول المنطقة، الاستثمارات والنفوذ الاستراتيجي العالمي والسلاح، والاعتقاد بأن كسب دعم الولايات المتحدة وحمايتها يوفر للحكومات الأمن في مواجهة التهديدات. وتعزز هذا الاعتقاد لدى دول الخليج العربية بشكل خاص في أعقاب غزو الكويت عام 1990، إذ أدرك حكام تلك الدول أن الترتيبات والتحالفات الإقليمية لا توفر لها الحماية في مواجهة المخاطر الخارجية والداخلية.
إلا أن التصعيد جاء هذه المرة في وقت تواجه فيه إدارة ترامب أزمات مع الحلفاء الأوروبيين، فضلا عن صراعها الرئيسي مع الصين، التي باتت تشكل تهديدًا متزايدًا لمكانة واشنطن العالمية. وعلى الرغم من تمركز الصراع السعودي – الإماراتي، حول اليمن والسودان وملفات أخرى، إلا أن الموقف من الترتيبات الخاصة بقطاع غزة ومن إسرائيل يقف في قلب الخلاف بين الحليفين السابقين على الرغم من تجاوب السعودية المشروط مع جهود إدارة ترامب لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية لتشمل السعودية وبلدان عربية وإسلامية أخرى. وعلى الرغم من أن نذر الخلاف بين الرياض وأبو ظبي، كانت قد ظهرت إلى السطح قبل سنوات، وتحديداً مع صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وطموحاته لمستقبل المنطقة، إلا أن التنافس بين الدولتين، الذي يتحول شيئا فشيئا إلى صراع مفتوح وعلني، دخل مرحلة غير مسبوقة مع إقدام سلاح الجو السعودي على قصف سفينتين إماراتيتين تحملان شحنة أسلحة في ميناء المكلا في اليمن الخاضع لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، وفصائل عسكرية متحالفة مع الإمارات بدأت توسع مناطق سيطرتها في اليمن على حساب قوات حليفة للسعودية. فالقصف يشير إلى أن الرياض مستعدة للدخول في مواجهة عسكرية للتصدي لما تراه تهديداً لأمنها القومي ومصالحها الوطنية.
تداعيات إقليمية ودولية
من المستبعد تدهور الوضع بين السعودية والإمارات إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، لكن التطورات الأخيرة أظهرت تحولات في ميزان القوى في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، سيكون لها تأثير على السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، إذ يشير التوتر السعودي الإماراتي المتصاعد إلى تحوّل استراتيجي عميق، يعيد تشكيل البيئة الإقليمية ويؤثّر بشكل مباشر على الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، فيما يخص المواجهة مع إيران، ومسارات التطبيع مع الإمارات والدول العربية وتوازنات النفوذ في البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، خصوصًا مع توسع الدور التركي في تلك المناطق. وتسعى السعودية من خلال المواجهة مع الإمارات إلى إعادة ترسيخ دورها كقوة رئيسية قادرة على قيادة النظام الإقليمي، وقادرة على عزل من يتحداها، وتعتمد في ذلك على الدولة ومؤسساتها، وتحدي سعي الإمارات لتعزيز دورها الإقليمي اعتمادًا على أرصدتها المالية الضخمة في استثمارات تمكنها من السيطرة على الموانئ في المنطقة على طول الممرات البحرية، وبناء شبكات أمنية وعسكرية عابرة للحدود، الأمر الذي يمنحها نفوذًا غير مباشر. وتدرك الإمارات في ضوء رد الفعل الأمريكي على هجمات شنها الحوثيون في اليمن استهدفتها واستهدفت السعودية، أن اعتمادها على العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن لن يعوض الافتقار إلى المقومات الأخرى للقوة، خصوصًا أن هذه العلاقات معقدة وشائكة، خصوصًا في ضوء المخاوف التي كثيرا ما أبدتها واشنطن بسبب العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية المتنامية بين الإمارات والصين، منافس واشنطن الرئيسي في الهيمنة التكنولوجية والنفوذ الاستراتيجي العالمي. فعلى الرغم من عدم التكافؤ بين الصين والولايات المتحدة في الوقت الراهن، إلى أن واشنطن تدرك أن هذا الوضع يتغير.
ويقوض احتدام الصراع السعودي الإماراتي الاعتقاد الذي ساد لعقود طويلة بين كثير من دارسي العلاقات الدولية للمنطقة بأن السبب الرئيسي للانقسامات فيما بين الدول العربية، أو داخلها، إنما يعود إلى تدخل القوى الكبرى، وهو اعتقاد تتشارك فيه التيارات القومية والتيارات الإسلامية، التي ترى أن واقع التجزئة في المنطقة العربية أو في العالم الإسلامي هو نتاج لاتفاقيات جرت في مطلع القرن العشرين بين بريطانيا وفرنسا وقوي أوروبية أخرى من بينها روسيا القيصرية وألمانيا على تركة رجل أوروبا المريض، في إشارة إلى السلطان العثماني الذي خرج مهزوما في الحرب العالمية الأولى، وترى أن السبب الرئيسي لاستمرار هذه التجزئة هو تدخل القوى الكبرى الطامحة للهيمنة العالمية، التي تخشى أن تؤثر وحدة الشعوب العربية أو الشعوب الإسلامية على مصالحها وعلى طموحاتها للسيطرة على العالم. وتمتد مثل هذه التحليلات لتفسير كثير من التطورات التي شهدتها المنطقة منذ مطلع الألفية، بما في ذلك التطورات التي وقعت في الأسابيع القليلة الماضية فيما يخص الصراع المحتدم بين السعودية والإمارات، في اليمن وفي السودان وحول ملفات إقليمية أخرى.
هذا التصور صحيح إلى حد ما، لكنه لا يكفي لتفسير التصعيد السعودي الإماراتي أو غيره من صراعات فيما بين دول المنطقة، أو لتفسير الانقسامات فيما بين القوى المتصارعة داخل الدولة الواحدة، على نحو ما رأيناه في حالات العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا. ففي حين أنه لا يمكن لأي دارس للعلاقات الدولية والسياسات العالمية إنكار تدخل القوى العالمية الكبرى في شؤون كثير من أقاليم العالم، لكن هذا التدخل قد يعمل أحيانًا لصالح تهدئة الصراعات والبحث عن حلول سلمية، وهذا الأمر صحيح في كثير من الحالات ومن بينها حالات في بلدان عربية. كذلك، لا ينبغي لمثل هذا التفسير أن يحول دون البحث عن الأسباب والعوامل الداخلية أو الإقليمية الكامنة وراء هذه الصراعات. وكان الاعتقاد السائد لدى دارسي العلاقات الدولية المختصين في دراسات الشرق الأوسط، حتى حرب أكتوبر عام 1973، أن المنطقة ساحة للتنافس فيما بين القوى العالمية الكبرى، إلى أن أعاد بعض الدارسين النظر في السياسات العالمية في منطقة الأوسط، مدفوعين بالبحث عن الأسباب التي تغري القوى الكبرى للتدخل في شؤون المنطقة، والتي قد يكون استدعاء القوى المحلية لهذه القوى سواء لعدم ثقتها في الترتيبات الإقليمية وما توفر من آليات يمكن من خلالها تسوية النزاعات التي قد تنشأ فيما بين الدول أو داخلها، أو بسبب عجز هذه الترتيبات عن التعامل مع التهديدات. ويكشف تزايد التوتر بين السعودية والإمارات الدور الذي يمكن أن للقوى الإقليمية أن في التأثير على سياسات القوى الكبرى، على المستويين الإقليمي والعالمي، ويكشف الحدود التي لا يمكن للقوى الكبرى تجاوزها في إدارة الملفات الإقليمية.
صراعات الشرق الأوسط: محاولات للفهم
السؤال الذي لا يزال يؤرق المختصين في شؤون الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، هو لماذا يتسم تاريخ المنطقة بسلسلة من النزاعات المستعصية على الحل والتي تتسبب في تكرار نشوب حروب دولية وأهلية، تؤدي إلى قتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، وتجعل المنطقة أشبه ببرميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة. كانت التفسيرات السائدة حتى مطلع ثمانينات القرن الماضي تركز على الصراع العربي الإسرائيلي، وجوهره المتمثل في الصراع التاريخي الممتد ومتعدد المستويات، بين إسرائيل والفلسطينيين، وما يرتبط بهذا الصراع من عداء مستعصي على الحل بين البلدان العربية وإسرائيل، إلى جانب تفسيرات أخرى، منها الأهمية الاستراتيجية لاحتياطات النفط الذي تعتمد عليه اقتصاديات القوى الكبرى وما يرتبط بذلك من استثمارات ومصالح تجارية واقتصادية، علاوة على التهديدات الذي تشكلها التيارات الأصولية الإسلامية بطبعاتها المختلفة، والتي واكبت تفجر صراعات أخرى، إقليمية وداخلية، شهدتها العقود التالية على ثمانينات القرن الماضي وأظهرت أن هناك مصادر وأسباب أخرى للصراع واستمراريته، وزادت المشهد تعقيدًا.
هناك العديد من الدراسات التي حاولت تقديم إجابات منطقية لأسباب استعصاء كثير من هذه الصراعات على الحل، وأخرى حاولت تقديم إطار تفسيري متماسك لفهم هذه الصراعات ومحاولة حلها أو إدارتها كي لا تهدد السلم والأمن الدوليين بإبقائها تحت سقف معين لا يهدد النظام الدولي بأسره، إذ يسود الاعتقاد بأن حربا قد تنشب في الشرق الأوسط قد تكون مقدمة لحرب عالمية نووية. هذا الاعتقاد ينطلق من واقع الارتباط الوثيق بين الشرق الأوسط والسياسات العالمية، وسياسات القوى الكبرى، وهو الارتباط الذي لم يتغير على الرغم من التحولات التكنولوجية الكبيرة التي غيرت من الجغرافيا السياسية (الجيوبولتيكا) للعالم في العقود القليلة الماضية، لاسيما تلك التغيرات التي طالت المجالات العسكرية والاستراتيجية وخريطة الموارد ومصادر القوة العالمية. فلم يتغير وضع منطقة الشرق الأوسط ومحيطها في الاستراتيجيات العالمية منذ أقدم العصور الإمبراطورية إلى اليوم، على الرغم من تلك التغيرات، الأمر الذي يعزز مكانتها في نظرية الجزيرة العالمية وقلب العالم، التي وضعها عالم الجغرافيا والسياسة البريطاني السير هالفورد جون ماكندر (1861-1947)، الذي يوصف بأنه أبو الجغرافيا السياسية في العالم، في مقال "المحور الجغرافي للتاريخ"، الذي نشرته مجلة الجمعية التاريخية البريطانية في عام 1904، والذي يعتبره دارسو الاستراتيجية العامة والجغرافيا السياسية والجغرافيا الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أَوَّلْ نظرية عامة في الاستراتيجية العامة والقوى العالمية.
صحيح أن الجغرافيا باعتبارها تاريخ ساكن تساعد على تفسير سياسات القوى الطامحة للسيطرة العالمية وبناء إمبراطوريات تجاه منطقة الشرق الأوسط، التي يرى ماكندر أنها تقع في قلب جزيرة العالم، المنطقة الأفرو-أوراسية، التي تربط بين قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا، والتي تعد من أكبر وأغنى وأكثر تجمعات الأراضي من حيث عدد السكان. وتكتسب نظرية ماكندر أهمية خاصة، بسبب نظريته عن الفضاء المقفل، مع وصول العالم إلى "الحقبة الكولومبية"، التي تشير إلى القرون الأربعة اللاحقة على الاكتشاف والتوسع الجغرافيين، إذ يرى أنه مع بداية القرن العشرين؛ اكتملت حدود خريطة العالم، والتي ما كان لها أن تكتمل إلا بعد تمام ثبوت الملكيات السياسية لجميع أجزاء اليابسة، والتي تحتم التعامل مع حقيقة النظام السياسي المقفل، والذي يعني أن كل انفجارٍ في القوى الاجتماعية، سيرتدُّ بحدة من الجانب البعيد للكرة الأرضية، محطما العناصر الضعيفة في الكيانَيْن السياسي والاقتصادي للعالم، ويعني هذا التحول انقضاء عصر القوة البحرية السائدة، الذي صاحب حركة الكشوف الجغرافية، والدخول في عصر القوة البرية، وانتقال المركز الطبيعي للحقبة الجديدة إلى كتلة الأرض العظمى من العالم، التي أطلق عليها اسم "المنطقة المحورية لسياسات العالم"، التي تقع شمال وداخل المنطقة الأورو- آسيوية، والممتدة من المنطقة القطبية الشمالية إلى الصحارى الوسطى، وغربًا إلى البرزخ العريض بين بحر البلطيق والبحر الأسود، وامتدادها في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من الدور المتعاظم للقوة الجوية في الحروب الحديثة، إلا أن نظرية ماكندر لم تفقد قدرتها التفسيرية لأن كل ما يمكن أن تفعله القوة الجوية هو تدمير القوى الممانعة أو المقاومة على الأرض، لكنها لا يمكنها تحقيق السيطرة على الأرض، الذي تلزمه قوات برية تعتمد على العدد الكبير للسكان، والتي لعبت دورا حاسما في تشكل الدول الحالية، وهو ما يكشفه تاريخ الإمبراطوريات التي تعاقبت على العالم.
وصاغ ماكندر هذه الحقيقة في صيغة شائعة على الألسن، نصها: "من يحكم شرق أوروبا يسيطر على قلب القارة الأوروبية، ومن يحكم قلب القارة يسيطر على الجزيرة العالمية، ومن يحكم الجزيرة العالمية يسيطر على الدنيا". وتنبأ في عام 1943، بينما كانت الحرب العالمية الثانية تدور في روسيا ومناطق كثيرة من أوروبا والعالم، بأنه إذا هزم الاتحاد السوفيتي ألمانيا في الحرب، سيكون أعظم دولة في العالم، لأنه سيكون القوة ذات المركز الاستراتيجي الأقوى من حيث الدفاع، لأنه حامية عسكرية كافية كما ونوعا تسيطر على قلب القارة، التي تعد أعظم حصن طبيعي على ظهر البسيطة. وفشل ماكندر في إدراك المركز القوي الذي تحتله الأمريكتان، وهو ما أدركه المفكر الفرنسي ألكسيس دي توكفيل في كتابه "مستقبل الديمقراطية في أمريكا"، بجزأيه الصادرين في عامي 1835 و1840، على الرغم أنه شاهد في الحرب العالمية الأولى استعراضًا لقوة أمريكا وعنفها، أثناء إعداد كتابه "المثل العليا الديمقراطية والحقيقية"، الصادر في عام 1942، ويظهر هذا الفشل قصور التركيز على بعد وحيد للتفسير وإغفال أبعاد أخرى تتعلق بدور الفعل البشر في التغلب على القيود التي قد تفرضها الجغرافيا أو التاريخ. إن أحد العيوب الأساسية التي قد تترتب على نظرية الجغرافيا السياسية تتمثل في الاعتقاد بحتمية السياسات والمسارات والمصائر، في حين أن تاريخ البشرية يكشف عن قدرة الإنسان على تطوير الوسائل والأدوات التي تمكنه من التغلب على كثير من الأوضاع التي كان يعتبرها قدرًا، وساهمت هذه الجهود في تغيير شكل الحياة على الكوكب، وتنبئ هذه الجهود بمزيد من التغيرات مع دخول البشرية مرحلة جديدة من التطور العلمي والتكنولوجي مع الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في جميع المجالات.
قد تقدم نظرية ماكندر افتراضات نظرية تساعد على تفسير اهتمام القوى العالمية الكبرى بمنطقة الشرق الأوسط لكنها لا تساعد على فهم الديناميكيات الإقليمية في المنطقة والتي تؤثر على التفاعلات فيما بين القوى الإقليمية في المنطقة ولا تفاعلات هذه القوى مع القوى العالمية المنطقة شكلت النظام الإقليمي، الأمر الذي يستدعي البحث في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمنطقة، وما قد يكشف عنه هذا البحث من ممكنات، والبحث عن تفسيرات للصراعات في المنطقة من خلال التاريخ الدبلوماسي وتبلور النظام الإقليمي لدول الشرق الأوسط. وربما يكون كتاب أستاذ تاريخ الدبلوماسية الأمريكي كارل براون "السياسات الدولية والشرق الأوسط: قواعد قديمة ولعبة خطيرة"، الصادر في عام 1984، والذي بدأت فكرته في أعقاب حرب أكتوبر 1973، عندما كان في منحة دراسية في القاهرة من أهم الكتب التي تقدم فهما للتفاعل بين القوى المحلية والسياسات العالمية تجاه المنطقة، والتي تفتح مجالات للتفكير في كيفية الخروج من المأزق الراهن والسعي لتغيير الوضع الراهن من أجل بناء نظام إقليمي أكثر أمنًا واستقرارًا يستطيع إدارة علاقاته بما يخدم شعوب المنطقة ورخائها.
يرى بروان أن النظام الإقليمي للمنطقة يتسم بعدم الاستقرار الشديد وكثرة الصراعات، ويرجع ذلك إلى التعددية المفرطة والتدخل الأجنبي المزمن، الذي يرجع إلى الحقبة التي شهدت تفكك الدولة العثمانية والتي أدت إلى ما يعرف في التاريخ الدبلوماسي لأوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بمصطلح "المسألة الشرقية"، الذي يشير إلى المناورات المعقدة التي رافقت التفكك التدريجي للإمبراطورية العثمانية المتداعية على يد أمراء الحرب المحليين والحركات القومية والقوى الأوروبية الصاعدة. وقد نتج عن هذه الصراعات المعقدة "ثقافة دبلوماسية" فريدة، صمدت بعد زوال "رجل أوروبا المريض"، وتعززت بفعل التدخل المتعدد الأطراف المستمر للقوى الأجنبية. ونظرًا للأهمية الاستراتيجية للمنطقة بين الشرق والغرب، وتنوعها العرقي والجغرافي الكبير، لم يتمكن أي منافس إقليمي أو قوة خارجية من توحيد المنطقة أو تنظيمها. فمحاولات الهيمنة الخارجية على المنطقة تواجه بالفشل، وكذلك كان مصير المحاولات الوحدوية، واستمر المتنافسون الداخليون في تصفية حساباتهم، بينما سعت القوى العظمى إلى تحقيق مخططات طموحة في المنطقة، ولم تنجح إلا في إحباط مخططات الآخرين. ونتيجة لذلك تعثرت جهود بناء الدولة الوطنية في المنطقة بسبب أزمتي الهوية والشرعية.
هذه الأزمة جعلت منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر الساحات الدبلوماسية الإقليمية "اختراقًا" في العالم، وهذا هو جوهر الأزمة التي تعاني منها المنطقة، لأن هذا الاختراق يؤدي إلى تلاشي "الفروق بين السياسات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية"، ويزداد الأمر تعقيدا نظرًا لواقع التعددية المتغلغلة، والتي تؤدي إلى تداخل القادة المحليين وصراعاتهم مع الجهات الفاعلة والتنافسات الوطنية والخارجية، والذي يؤدي إلى نمط دائم التغير من التعقيد المحير، وقابلية الدول للتأثر بحوادث تقع في أماكن أخرى في المنطقة أو في العالم. وهذا الاختراق والتعددية كانا كامنين في صميم "المسألة الشرقية" في القرن التاسع عشر؛ ومستمرة إلى الآن، ويفسر براون ذلك بتأثير "دروس الواقعية السياسية التي قدمتها القوى الأوروبية لنخب الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر" والتي رسخت في أذهان هذه النخب شعوراً مريراً بالعجز النسبي في عالم مضطرب ومتغير، كمما عزز لديهم إحساسا بالعبثية حاولوا التغلب عليه بالتلاعب بمضطهديهم واستغلالهم من أجل الحفاظ على النظام. لقد أوجد هذا الوضع نوعًا من الازدواجية السياسية لدى النخب الحاكمة في العالم العربي، عنوانه اختصار مسألة السيادة في حقهم في حكم شعوب المنطقة بالطريقة التي تقررها تلك النخب والسعي لكسب تأييد القوى الدولية في قمع شعوبهم التي يصورونها على أنها خطرهم على مصالح القوى الدولية يفوق خطرها على هذه النخب المحلية، لينشأ نوع من التحالف الموضوعي بين تلك القوى وبين النخب الحاكمة على حساب الشعوب.
هذا الوضع المقلوب الذي يصادر السيادة من صاحب الحق الأصيل في ممارستها، الشعوب العربية، والذي لا يزال قائمًا في المنطقة، فالتحولات العاصفة التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الأخيرة والتي مكَّنت كثيرًا من الشعوب من استعادة سلطتها المصادرة من خلال موجات التحول الديمقراطي أو من خلال ثورات وانتفاضات شعبية، يجري إحباطها بإصرار في البلدان العربية، ويجري في سياق هذه العملية استغلال الصراعات الإقليمية والانقسامات الاجتماعية الحادة والعنيفة والحفاظ على صيغة الدولة ما بعد الاستعمارية بالحديد والنار، لتدور المنطقة في حلقة مفرغة بينما تحتدم التناقضات الداخلية والصراعات القومية والعرقية ويشتد التنافس على الموارد والثروات والحظوظ الاقتصادية فيما بين النخب الحاكمة ويجري تهميش الشعوب وإضعافها وإفقارها. إن حديث القادة الإيرانيين عن إشعال حرب إقليمية واسعة إذا تعرضت لهجوم أمريكي ليس هو ما ردع ترامب عن مهاجمة إيران وتلجيم نتنياهو، كي لا يقدم على شن هجوم على إيران بشكل منفرد، وإنما ردعهم أثبت حقيقة أن هذه الحرب محتملة بشدة في المنطقة، سواء تعرضت إيران للهجوم أم لم تتعرض.
يدرك كبار المسؤولين في إدارة ترامب كما أدرك المسؤولون في الإدارات السابقة، وكذلك في العواصم الأوروبية وفي روسيا وفي الصين أن صيغة الدولة الوطنية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية في المنطقة تواجه أزمة مستعصية على الحل وأن هذه الأزمة هي أساس كل الأزمات الأخرى في المنطقة، لكنها لا تملك شيئا سوى السعي لإطفاء الحرائق ووضع خطط إنهاء الحروب التي تنشب، في حين أن هذه الخطط ذاتها تحمل البذور الجنينية للحرب القادمة، وسيظل الأمر كذلك طالما جرى الهروب من مواجهة الحقائق والتعامل مع الأسباب الجذرية للصراعات في المنطقة. لم يدرك براون على ما يبدو أن الشعور بالعجز الذي تحسه النخب الحاكمة في المنطقة يساور أيضًا زعماء القوى العالمية الكبرى في سياساتهم في المنطقة. ولا مخرج من حالة العجز الشامل هذه أو الشعور به إلا بتحييد الطموحات الإمبراطورية الكبرى والصغرى عند التفكير في شؤون المنطقة ومستقبلها وفرض حلول عادلة لمشكلات المنطقة وتقييد قدرة حكوماتها على شن حروب عدوانية على الآخرين، بما في ذلك الحكومة الإسرائيلية.
قد يكون التصعيد السعودي الإماراتي الذي تزامن مع الاستعدادات للانتقال للمرحلة الثانية في خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، ومع تحركات سعودية ومصرية وأمريكية لإنهاء الحرب في السودان، مقدمة للتفكير بطريقة مختلفة في مشكلات المنطقة. فهذه التحركات وإن كانت تزيد الضغوط على الإمارات التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة في مواجهة التصعيد السعودي، ولا تملك في الوقت نفسه التراجع عن الاتفاقيات الإبراهيمية ولا المدى الذي وصلته علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل، إلا أنه قد تكون بداية تحرك واسع للتصدي لمساعي إسرائيل وطموحاتها التي تقوض الاستقرار الإقليمي وتهدد الأمن القومي لدول المنطقة الأخرى، بما في ذلك الإمارات نفسها. ورغم تراجع الإمارات ونفيها تلك الاتهامات وتأكيد أن دورها في اليمن يندرج ضمن استراتيجيتها الأوسع لمكافحة التطرف، إلا أن هذا لا ينفي حقيقة المأزق الذي تواجهه بسبب إقدامها على الانخراط في "ألعاب خطرة" على المستوى الإقليمي.
------------------------------
بقلم: أشرف راضي






