15 - 02 - 2026

نقد أدبي | صلاح شعير في روايته "توتة محبوب" ارتقى الى العالمية

نقد أدبي | صلاح شعير في روايته

تُعد رواية "توتة محبوب" للكاتب المصري: د. صلاح شعير، من الروايات التي تندرج ضمن أدب المهمشين. وأدب المهمشين حسب الباحث داود جامع هو أدب  المضطهدين (فقراء/ مرأة/ أقليات..) وغير المرغوب فيهم والمتبرأ منهم ". ولعل بعض الأدباء ينخرطون في الكتابة في أدب المهمشين لأنه يجعل فيه ضمير الإنسانية يستيقظ يخاطبه مباشرة كإنسان، لا كأفكار مسبقة متجمعة في رأسه يحدثه عن فئات يتجاهل معاناتها في الغالب هذا ان كان يستذكرها أصلا. والحديث عن المهمشين يحيل القارئ الى ثنائية الهامش والمركز. وأن رواية "توتة محبوب" تستعرض العديد من الشخصيات المهمشة التي سلط عليها الكاتب الضوء في المجتمع المصري من ذلك (الفقر / المرأة/ الأقلية)

المرأة في الرواية: في هذا الاطار التحليل "الرواية وثنائية الهامش والمركز واكتمال الشخصية" سأحصر زاوية النظر في المرأة وهي الشخصية المحورية بالرواية وهي شخصية عائدة باعتبارها جمعت بين فقر مدقع وامرأة مستضعفة في المجتمع المصري. إن شخصية عائدة (عايدة) التي جمعت بين الفقر وبين الجمال والتميز في الدراسة والشباب قد جعلها الكاتب صلاح شعير تأخذ الكثير من الكتل السردية في الرواية بل جعلها تأخذ سلطة الحكي، بأن جعلها الراوية العليمة في صيغة المتكلم المفرد (أنا) وأحيانا  جعلها تتكئ على شخصية ذات خبرة ومعرفة، على نحو "أخبرتني أمّي". والكاتب يشي الى المتلقي حرْصه على ضرورة  إنْطاق شخصية عائدة المهمشة بفقرها وباعتبارها امرأة مستضعفة والإنصات الى هواجسها.

أثر الفقر والتهميش على بطلة الرواية: تبدو  تجليات التهميش لشخصية عائدة (عايدة) بالرواية في الآتي: الفقر المدقع اضطرّ (عايدة) عائدة الى العمل لتوفير مصاريف دراستها في أرض العمدة والد زميلتها التي تغار من جمالها وتكن لها الحسد. الفقر المدقع جنى على عائدة اضافة الى جمالها الفائق وجلب لها أطماع العديد من الرجال. الفقر المدقع وجمالها الفائق أثار شهوة الأستاذ الجامعي المحسوب على نبل الأخلاق ليراودها عن نفسها. وفي هذا السياق من التهميش يتدخل الكاتب لينتشلها من التهميش ليجعلها بالمركز:

انقلاب الموازين ودائرية الأحداث: لقد استطاعت عائدة (عايدة) مقاومة أطماع الرجال في جمالها بعفتها والترفع عنهم والتعالي. ابنة العمدة التي تتباهى بثروة والدها وتغار من عائدة (عايدة) تظهر على حقارة أصولها والثروة التي امتلكها والدها بطرق غير شرعية يخسرها، بل وتتمكن عائدة (عايدة) الفقيرة من شراء شيء من هذه الثروة وأكثر من ذلك فان الكاتب قد جعل هذه المهمشة أكثر إنسانية بمساعدة بنت العمدة التي تكنّ لها العداوة على علاج والدها القابع بالمستشفى وهي عاجزة عن دفع مصاريف العلاج.

الأستاذ الجامعي الذي يتبوأ المركز وأراد استغلال مركزه وحاول اغتصاب عائدة ومراودتها عن نفسها قد انتصرت عليه بالتبليغ عنه، فكانت سببا في فصله من التدريس وبذلك قد جعلها الكاتب في مركز الاخلاق بدلا عنه.

الفقر المدقع الذي قد يجعلها ضحية مهمشة قد انتصرت عنه وأصبحت فائقة الثراء بزواجها من حمدي دولار الذي تحبه  وهو صاحب الثروات الطائلة، وبعثورها على كنز جدها الاكبر.

وفي هذا الإطار فان الكاتب صلاح شعير  قد استطاع بامتياز أن يقلب الطاولة على المركز لصالح الهامش وأن ينتشل شخصية عائدة لتتحول من الهامش الى المركز، وفي المقابل جعل من في المركز ينزل الى الهامش .. إنها حركة هبوط وصعود في المجتمع.

والصعود يقتضي درجات، لذلك فإن الكاتب قد عمد إلى جعل شخصية عائدة (عايدة) شخصية متنامية لتكتمل في أعلى درجات الصعود: لقد تنامت شخصية عائدة من شخصية فقيرة الى شخصية متعففة، تثير أطماع الرجال بجمالها الى شخصية متميزة في دراستها الى شخصية ثرية وعاشقة، لتكتمل شخصيتها المتسامحة والانسانية حين تتسامح مع ابنة العمدة وتؤازر زميلها حسن الذي تشفق عليه. بسبب معاناته النفسية فتكون بذلك شخصية فاعلة كإنسان لا مفعولا بها مهمشة.أنها شخصية متحولة من الهامش الى المركز.

 وأختم لأقول بأن الكاتب صلاح شعير في روايته "توتة محبوب" قد سلب المركز سيادته وأنصت لصوت المهمش، فارتقى بروايته الى العالمية في"أدب المهمشين" فتقاطع مع أعمال سيمون دي بوفوار (فرنسا) وهي رائدة في أدب النسوية وقضايا المرأة (كتاب الجنس الآخر) وعانق شعراء وكتاب نقلوا معاناة البسطاء كمحمد الماغوط (سوريا) الذي كتب عن سحق الفرد العربي ومعاناته في مواجهة السلطة والمجتمع، وأحمد فؤاد نجم شاعر الشعب الذي نقل بصوته وصياغته هموم الطبقات الكادحة. شكرا للكاتب صلاح شعير الذي أتاح لي فرصة التفاعل مع روايته و متعة التأويل في قراءتي النقدية.، ومن الجدير بالذكر أن رواية "توتة محبوب" قد نوقشت في نادي "الساردون يغردون" عبر تطبيق زوم يوم الخميس 12/ 2/2026، في حضور مدير النادي الكاتب المصري رضا يونس،  وقد ناقش الرواية كل من: د مصطفى عطيه، ود جيهان الدمرداش، والناقد هشام العطار من مصر، ومن الناقد  العرب كل من د. أناهيد الركابي، والناقد حمد حاجي، أدارت الندوة الكاتبة منار السماك من البحرين.
-------------------------------
قراءة: جليلة المازني 
ناقدة تونسية