16 - 02 - 2026

أثر الأزمة الأوكرانية على العرب والأفارقة والشرق الأوسط

أثر الأزمة الأوكرانية على العرب والأفارقة والشرق الأوسط

يقصد بالأزمة الأوكرانية الحملة العسكرية الروسية على أوكرانيا فى اطار الصراع العالمى بين روسيا من ناحية والغرب من ناحية أخرى.

وبالطبع فإن المواجهة الشاملة بين الطرفين الروسى والغربى أثرت بدرجات متفاوته على العرب والآفارقة ودول الشرق الأوسط غير العربية. ويجب أن نفرق بين مواقف هذه الدول من الأزمة وبين أثر الأزمة عليها مع تعديل التحالفات والعلاقات بين هذه الدول وطرفى الصراع.

ويمكن دراسة هذه الآثار من منظورين المنظور الأول هو علاقة هذه الدول بكل من طرفى الأزمة ومدى تأثرها بالأزمة، والمنظور الثانى هو الآثار الإجبارية التى تحدثها الأزمة فى هذه المناطق الثلاثة، وكلما تعمقت المصالح الغربية والروسية فى هذه المناطق كلما كان أثر هذه الأزمة كبيرا.

أولاً: المنطقة العربية:

تحكم علاقات العرب بروسيا والولايات المتحدة عدة محددات وأهمها الموقف من إسرائيل على أساس أن واشنطن تعتبر إسرائيل الحليف الأوفى فى المنطقة، وهى التى توصى بفتح البيت الأبيض للحكام العرب ومادامت واشنطن قد مكنت إسرائيل من إختراق العالم العربى، فإن هذه الأزمة قد لا تؤثر على الموقف العربى من إسرائيل رغم أنها سوف تؤثر بالقطع على الموقف العربى من الولايات المتحدة والغرب عموما، ولدينا مثال أوضح هو العلاقات السعودية الأمريكية، فقد أدركت السعودية أن واشنطن تتظاهر بحمايتها من إيران كما كانت تتظاهر بحمايتها من الشيوعية، فأقدمت السعودية على الحوار مع إيران لكى تحرق هذه الورقة، وهذا التطور هو لصالح إيران، وقد أدركت السعودية أن واشنطن كانت تلعب فى اليمن نفس اللعبة التى سبق أن لعبتها مع صدام حسين فقد ورطته وورطت العرب جميعا معه بقمع الثورة الإسلامية فى إيران وأمدته بالأسلحة الكيماوية لضرب الأكراد، ثم أجهزت عليه واحتلت بلاده وحاكمه قاض كردى بأدلة أمريكية وقضى بإعدامه، وكانت القوات الأمريكية قد أعتقلت صدام حسين عدة أشهر ولم يشفع لدى واشنطن أن صدام حسين دخل فى حرب مع إيران لصالح أمريكا ولو بشكل غير مباشر، وكذلك فى اليمن حيث وجهت أمريكا المنظمات الدولية إلى اتهام السعودية بارتكاب جرائم حرب فى اليمن وذلك استمرارا لسياسة الابتزاز الأمريكى للسعودية، فقررت الرياض حرق هذه الورقة وذلك بأن دعت الحوثيين إلى مفاوضات مباشرة مع كافة أعضاء مجلس التعاون الخليجى فى الرياض حتى تتفادى المفاوضات المباشرة معهم وهى تعتبرهم ميليشيات إرهابية، ولكن الحوثيين يبدو أنهم يضغطون لكى تعترف السعودية بهم وتتفاوض مباشرة معهم، وهذا هو تفسيرى للهجوم الذى شنه الحوثيون مؤخرا على بعض المناطق العسكرية السعودية فى المنطقة الجنوبية القريبة من اليمن. كذلك تفكر السعودية فى توثيق علاقاتها بالصين وروسيا، حيث زار ولى العهد موسكو منذ أيام رغم أن السعودية صوتت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذى اعتبرته واشنطن ادانه للغزو الروسى لاوكرانيا، وننتظر أن تدرس الرياض استبدال الدولار بالعملة الصينية فى مبيعات البترول وتلك ستكون ضربة للولايات المتحدة، حيث تتحدث الصحف الغربية عن أن واشنطن فقدت السعودية التى اتجهت لتوثيق علاقاتها مع الصين العدو اللدود والمنافس الشرس للولايات المتحدة.

يرتبط بالموقف السعودى دعوة الرئيس بشار الأسد لزيارة الامارات والترحيب الحار به وكلمة محمد بن راشد بأن سوريا ركيزة أساسية فى العالم العربى، وبالطبع فإن الامارات كانت الأسبق إلى إعادة فتح سفارتها فى دمشق وهى تشكل رأس الرمح الذى يريد إعادة سوريا مرة أخرى إلى الجامعة العربية، وعلى كل حال فإن مجمل المواقف العربية من روسيا والولايات المتحدة سوف يتضح فى قمة الجزائر العربية بعد أـيام.

ولكن التباعد العربى عن واشنطن لا يعنى بعدا عن إسرائيل، ولكنه قد يؤدى إلى هذه النتيجة فى المستقبل حيث ظهر للعرب تراجع النفوذ الأمريكى وفشل القوة الغربية فى وقف المخطط الروسى فى أوكرانيا، وهذه هى المرة الأولى التى تتأثر فيها العلاقات العربية الأمريكية لصالح استقلال القرار العربى وليس لصالح روسيا والصين، وهذه نتيجة نرحب بها ونأمل فى تطويرها.

ثانيا: أفريقيا

كانت أفريقيا تاريخيا فى قبضة النفوذ الغربى البريطانى  والفرنسى ثم الأمريكى، وبعد ذلك دخلت روسيا بديلا عن الاتحاد السوفيتى وإيران وتركيا والصين وهى الأكثر قبولا فى إفريقيا بسبب تركيزها على التنمية والاستفادة المتبادلة والبعد عن المسائل السياسية والمشروطية خلافا للمنهج الغربى الذى يركز على حقوق الإنسان والديمقراطية، يترتب على ذلك أن الأزمة الاوكرانية أضعفت الغرب وأظهرت قلة حيلته أمام روسيا، ولذلك فإن إفريقيا مطالبة بأن لا تنتظر نتائج الأزمة وانما تحاول أن تتحد على هدف واحد وهو ضمان موقع متقدم فى النظام الدولى الذى يتشكل، لأن النظام الدولى القائم اتسم بعدم الاتساق بين النظرية والتطبيق، والدليل على ذلك أن إثيوبيا تفرض على الاتحاد الافريقي منهجها فى اختراع قانون دولى جديد للأنهار الدولية لكى تنفذ مخططاتها ضد مصر تحت شعار التنمية لسد النهضة، وقد تراجع الاتحاد الافريقى كثيرا و نتوقع انهياره بالكامل خلال سنوات قليلة بسبب تهاونه أمام ظاهرة الانقلابات العسكرية وأمام الحزم فى تطبيق القانون الدولى وهذا الوضع لا يرشح إفريقيا لما يجب أن تهدف إليه.

ثالثاً: الشرق الأوسط

يقصد بالشرق الأوسط فى هذا السياق الدول غير العربية فى المنطقة وأهمها إسرائيل وإيران وتركيا، فما أثر هذه الأزمة فى أوكرانيا على المشروعات الاقليمية الثلاثة المتنافسة وأحيانا المتصارعة؟ من الواضح أن تقدم روسيا نحو هدفها فى مواجهة الغرب يعتبر انتصارا لايران وجزئيا لتركيا وهزيمة كاملة لإسرائيل، لأن إسرائيل مرتبطة بالغرب ارتباطا عضويا والدليل على ذلك أنها فسرت تصويتها إلى جانب قرار الجمعية العامة ضد روسيا بأنه دليل على أنها تتبع الغرب ولا تفرط فى الحليف الأمريكى.

أما تركيا فرغم أنها عضو فى التحالف الغربى العسكرى (النيتو) إلا أنها تدير علاقاتها مع واشنطن وموسكو بهدف واحد وهو المحافظة على مصالحها الحيوية، وهذا واضح فى مواقف تركيا من المعسكرين وبينما يمكن أن نحسب إيران جزءا من التحالف الروسى الصينى وأن إسرائيل جزء من التحالف الغربى إلا أنه يصعب اعتبار تركيا فى أحد هذين المعسكرين.

والخلاصة أن العرب والشرق الأوسط وافريقيا يستفيدون بأقدار متفاوتة من الأزمة، مع ملاحظة أن إسرائيل تتسم بالمرونة الكبيرة التى تسمح لها بالتقلب فى تحالفاتها جريا وراء مصالحها الذاتية، ولكن بصفة عامة فإن تغير النظام الدولى لصالح روسيا والصين سوف لا يكون لصالح إسرائيل.

رابعاً: أثر الأزمة على القضية الفلسطينية

 يمكن حساب أثر الأزمة على القضية الفلسطينية من زاويتين الزاوية الأولى أثر الأزمة على إسرائيل، والزاوية الثانية موقف المعسكرين من القضية الفلسطينية، وعموما يمكن القول أن أثر الأزمة على القضية الفلسطينية سيكون أثرا ايجابيا ولكن لا يتوقع أن تعادى روسيا إسرائيل أو أن يتماهى الموقف الروسى مع المشروع الإيرانى المعادى لإسرائيل ولا مع المشروع التركى الذى يميل إلى الحذر من إسرائيل.
-----------------------------
بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

مقالات اخرى للكاتب

أساطير ميتشل بارد