14 - 02 - 2026

كلمة حرة نزيهة

كلمة حرة نزيهة

لم يعد الإعلام في كثير من دولنا مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل تحوّل في أحيان كثيرة إلى أداة لإعادة تشكيله، تجميله، أو حتى دفنه. الحقيقة التي يجب أن تُقال دون مواربة أن ظاهرة طمس الحقائق لم تعد استثناءً عابرًا، بل أصبحت نمطًا متكرّرًا، خاصة في الدول النامية، وبالتحديد في عدد غير قليل من الدول العربية.

الإعلام، في جوهره، سلطة رقابية رابعة، ومرآة تعكس الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. لكنه في واقعنا العربي كثيرًا ما تحوّل إلى مرآة مشروخة؛ تعكس نصف الصورة وتُخفي النصف الآخر، تُكبّر ما يخدم سردية بعينها، وتُصغّر أو تتجاهل ما يُربكها. وهنا تكمن الحقيقة المُرّة: ليس كل ما يُعرض هو الحقيقة، وليس كل ما يُخفى غير موجود.

وجوه الإعلام المزيّف

الإعلام المزيّف لا يرتدي قناعًا واحدًا. أحيانًا يأتي في صورة مذيع يرفع صوته دفاعًا عن “الوطن” بينما يُقصي كل رأي مخالف. وأحيانًا يظهر في تقارير براقة تُغرق المشاهد في تفاصيل هامشية لتُبعده عن جوهر القضية. وقد يتجسد في عناوين مثيرة مصممة لجذب الانتباه لا لإيصال الحقيقة.

من أخطر وجوه هذا الإعلام هو “التسويق السياسي” الذي يُقدَّم في صورة تحليل موضوعي. تتحول البرامج الحوارية إلى ساحات تأييد، وتُختار الضيوف بعناية ليكونوا صدىً لرأي واحد. تُختزل القضايا المعقّدة في شعارات، ويُصوَّر النقد باعتباره خيانة، ويُقدَّم الصمت على أنه حكمة.

لماذا انتشرت الظاهرة في الدول النامية؟

في الدول النامية، تتداخل عوامل عدة تجعل الإعلام أكثر هشاشة أمام التسييس والتوجيه:

الاعتماد المالي: كثير من المؤسسات الإعلامية تعتمد على تمويل حكومي مباشر أو غير مباشر، أو على إعلانات شركات مرتبطة بالسلطة. من يملك المال، يملك التأثير.

ضعف التشريعات الضامنة للاستقلال: غياب قوانين واضحة تحمي الصحفيين وتضمن حرية تداول المعلومات يفتح الباب واسعًا أمام الضغوط والرقابة.

الخوف من المساءلة أو العقاب: في بيئات تُضيّق على حرية الرأي، يصبح الصحفي أمام خيارين: الصمت أو المجازفة. وكثيرون يختارون السلامة المهنية على حساب الحقيقة الكاملة.

الأمية الإعلامية لدى الجمهور: حين يغيب الوعي بكيفية تحليل الأخبار، يسهل تمرير الروايات الجاهزة، ويصعب كشف التلاعب.

تغليب الولاء على الكفاءة: في بعض المؤسسات، يُقدَّم الموالي على المهني، فيتحول الإعلام إلى وظيفة سياسية لا رسالة مجتمعية.

الحقيقة المُرّة

الحقيقة المؤلمة أن الإعلام حين يفقد استقلاله، يفقد ثقة الناس. وحين يفقد ثقة الناس، يفتح المجال للفوضى المعلوماتية، ولانتشار الشائعات، ولصعود منصات غير مهنية قد تكون أكثر جرأة، لكنها ليست بالضرورة أكثر دقة.

الواقع أن كثيرًا من الأزمات التي شهدتها بعض الدول العربية لم تكن وليدة لحظتها، بل سبقتها سنوات من التعتيم، وتزييف المؤشرات، وتجميل الأوضاع.

الإعلام الذي يُخفي الاحتقان لا يُلغيه، بل يؤجله.

والإعلام الذي يُغلق باب النقد، يفتح باب الانفجار.

لماذا لا يوجد إعلام حر بعيد عن التسييس؟

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يتكرّس لدينا إعلام حر مستقل بعيد عن التسييس؟

الإجابة معقّدة، لكنها تبدأ من طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام. في بيئات سياسية تعتبر النقد تهديدًا، لا يُنظر إلى الإعلام كشريك في الإصلاح، بل كخصم يجب احتواؤه أو السيطرة عليه. كما أن غياب نموذج اقتصادي مستقل للمؤسسات الإعلامية يجعلها دائمًا في حاجة إلى “راعٍ” سياسي أو مالي.

ثم هناك إشكالية الثقافة السياسية ذاتها؛ فحين يُربّى المجتمع على أن الاختلاف خطر، يصبح الإعلام الحر غريبًا عن السياق العام. الإعلام الحر يحتاج إلى بيئة تؤمن بالتعددية، وتحترم الحق في السؤال، وتقبل المساءلة.

بين المسؤولية والأمل

ورغم هذا الواقع، لا يمكن إنكار وجود صحفيين شرفاء، ومؤسسات تحاول أن تحافظ على قدر من المهنية، وتدفع ثمن ذلك من سمعتها أو مواردها أو حتى سلامتها. الأمل لا يزال قائمًا في جيل جديد أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا لكسر احتكار المعلومة.

الإعلام الحر لا يولد بقرار، بل يُبنى بثقافة، وتشريعات، واستقلال اقتصادي، وإرادة مجتمعية تدافع عنه. إنه مسؤولية مشتركة بين الصحفي، والقارئ، والمشرّع، وصاحب القرار.

في النهاية، تبقى الكلمة الحرة أمانة. قد تُحاصر، وقد تُشوَّه، وقد تُتَّهم، لكنها تظل الطريق الوحيد لبناء وعي حقيقي. أما الإعلام المزيّف، فقد ينجح مؤقتًا في طمس الحقائق، لكنه يعجز دائمًا عن إلغائها. فالحقيقة، مهما طال غيابها، لا تموت… بل تنتظر من يجرؤ على قولها.
----------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

كلمة حرة نزيهة