12 - 02 - 2026

الجريمة التي كشفت عُري السلطة

الجريمة التي كشفت عُري السلطة

لم تكن فضيحة جيفري إبستين مجرد قضية اعتداءات جنسية، بل كانت مرآة فاضحة لعالم تحكمه المصالح، حيث يمكن للمال والنفوذ أن يؤجلا العدالة، أو يفرغاها من معناها، أو يدفناها بالكامل.

إبستين، رجل أعمال أمريكي غامض المصدر المالي، بنى على مدار سنوات شبكة علاقات مع سياسيين، مليارديرات، أكاديميين، ووجوه مؤثرة في الإعلام والثقافة. في العلن كان “فاعل خير” وراعي أبحاث علمية، وفي الخفاء—بحسب عشرات الشهادات والدعاوى—كان يدير واحدة من أخطر شبكات الاستغلال الجنسي للقاصرات في العصر الحديث.

البداية: جرائم معروفة… وعقاب هزلي

في أوائل الألفية، بدأت بلاغات لفتيات قاصرات في فلوريدا تتهم إبستين بالاعتداء الجنسي والاتجار بهن. الأدلة والشهادات كانت كافية لتوجيه اتهامات جسيمة، لكن ما حدث عام 2008 صدم الرأي العام لاحقًا: صفقة قضائية سرية تقريبًا، سمحت له بالاعتراف بتهمة مخففة، وقضاء عقوبة قصيرة مع امتيازات غير مسبوقة، شملت الخروج اليومي من السجن.

هذه الصفقة لم تكن خطأً إجرائيًا، بل أصبحت لاحقًا رمزًا لكيفية تطويع القانون لصالح الأقوياء، على حساب الضحايا.

العودة والاعتقال… ثم الموت

في عام 2019، وبعد سنوات من الصمت، أعيد فتح الملف اتحاديًا. تم اعتقال إبستين في نيويورك بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات، وهي تهم كان من شأنها أن تقوده إلى السجن المؤبد، وربما تفتح أبوابًا مغلقة على أسماء نافذة.

لكن قبل أن تبدأ المحاكمة، وُجد إبستين ميتًا داخل زنزانته. الرواية الرسمية قالت: انتحار.

أما الواقع فترك وراءه سلسلة من الإخفاقات الأمنية “غير المسبوقة”، وتعطّل الكاميرات، وغياب الحراسة، ما حوّل الحادثة إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة للشك في تاريخ السجون الأمريكية.

السؤال الأخطر: من كان سيُفضَح؟

وفاة إبستين لم تُنهِ القضية، بل فجّرتها. لأن التركيز لم يعد على الجاني فقط، بل على من حماه، ومن استفاد من صمته، ومن كان يخشى شهادته.

وثائق قضائية وشهادات ضحايا أكدت أن إبستين لم يكن يعمل بمفرده. طائرات خاصة، جزيرة معزولة، تسجيلات، وسجلات أسماء… كلها عناصر تشير إلى نمط من التنظيم لا يمكن أن يكون فرديًا.

ورغم ظهور أسماء شخصيات معروفة في الملفات، فإن السلطات شددت مرارًا على أن ذكر الأسماء لا يعني الإدانة، وهو تأكيد قانوني صحيح، لكنه أخلاقيًا لا يبدد الشكوك.

الضحايا: الصوت الذي حاولوا إسكاتَه

الجانب الأكثر قسوة في هذه القضية هو مصير الضحايا. فتيات قاصرات تم استدراجهن بالمال أو الوعود، ثم جرى إسكاتهن بالتهديد أو النفوذ. بعضهن قاتلن سنوات في المحاكم ليتم تصديقهن، لا للانتقام، بل للاعتراف بما حدث.

شهاداتهن كشفت نمطًا متكررًا: الاستغلال لم يكن حادثًا عابرًا، بل نظامًا متكاملاً، استمر لأن كثيرين اختاروا أن ينظروا في اتجاه آخر.

ما الذي تعنيه فضيحة إبستين؟

فضيحة إبستين لا تقول إن “الجميع مذنب”، لكنها تقول شيئًا أخطر:

أن النظام قادر على الفشل المتعمد عندما يكون المتهم ثريًا بما يكفي، ومتصلاً بما يكفي، وخطيرًا بما يكفي على الآخرين.

هي فضيحة عن العدالة الانتقائية، عن الخوف من الحقيقة، وعن ضحايا اضطررن للقتال ليس ضد مجرم واحد، بل ضد منظومة كاملة.

الخلاصة

جيفري إبستين مات، لكن الأسئلة التي خلّفها ما زالت حيّة.

من حماه كل تلك السنوات؟

من كان يخشى المحاكمة؟

ولماذا يبدو أن الحقيقة، كلما اقتربت من القمة، أصبحت أبطأ؟

فضيحة إبستين لن تُغلق ببيان رسمي، لأنها لم تكن قضية رجل واحد، بل قضية عالم يسمح للجرائم أن تعيش طويلًا… طالما أن مرتكبيها من أصحاب النفوذ.
--------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي

مقالات اخرى للكاتب

الجريمة التي كشفت عُري السلطة