دعونا نُطفئ ضجيج التعليقات قليلًا، وننظر إلى المشهد كما هو: حافلة تمضي في طريقها، وداخلها وجوه عادية تحمل أثقال يومٍ طويل. لا بطولة هنا ولا مؤامرة… فقط بشرٌ في مساحةٍ ضيقة، يختبرون صبرهم كما تُختبر المعادن تحت الضغط.
في مثل هذه اللحظات لا يظهر الإنسان كما يريد أن يُرى، بل كما هو في لحظة عُريٍ نفسي.
تنفجر كلمة، يرتفع صوت، تمتد كاميرا… وفجأة يتحول الحدث من واقعةٍ عابرة إلى محكمةٍ مفتوحة، قاضيها الرأي العام، وشهودها مقطعٌ مبتور لا يعرف ما قبله ولا ما بعده.
ليست فتاة الأتوبيس
قصة فتاة، بل قصة سياق.
سياق اجتماعي متوتر، وسياق اقتصادي ضاغط، وسياق نفسي متراكم. نحن لا نرى الانفعال فقط، بل نرى ما تراكم تحته من صمتٍ طويل، من شعورٍ بأن المساحة تضيق… وأن الكرامة اليومية تحتاج دفاعًا مستمرًا.
وهنا يبدأ الخلط الخطير بين الانفعال والإدانة.
المجتمع الذي يتعجل الحكم يُشبه طبيبًا يشخّص المرض من عرضٍ واحد. قد يكون العرض صاخبًا، لكنه لا يحكي الحكاية كاملة. العدالة ـ كما تعلمنا من التجارب المؤلمة التي تناولتها في العدالة على المحك ـ لا تقوم على اللقطة، بل على السياق؛ لا على الانطباع، بل على الفحص.
الحافلة في رمزها أوسع من مقاعدها.
هي صورةٌ مكثفة لمجتمعٍ يسير بالجميع في اتجاهٍ واحد، لكن كل راكبٍ يحمل عالمه الخاص من القلق والرجاء. حين يتصادم العالمان، لا تكون المشكلة في المساحة فقط، بل في هشاشة الجسور بين الناس.
إن أخطر ما في هذه الوقائع ليس ما يحدث داخلها، بل ما يحدث بعدها.
حين يتحول الإنسان إلى عنوان، والعنوان إلى حكم، والحكم إلى قطيعة. عندها لا نخسر فردًا واحدًا، بل نخسر القدرة على الفهم… وهي أول درجات العدالة.
لسنا بحاجة إلى تبرير الخطأ، ولا إلى تقديس الانفعال، بل إلى شجاعة السؤال:
ماذا حدث قبل أن تُضاء الكاميرا؟
ماذا تراكم قبل أن يرتفع الصوت؟
وأي مجتمعٍ نريد… مجتمع اللقطة السريعة أم الحقيقة الكاملة؟
ربما لم تكن الحافلة ضيقة كما ظننا.
ربما الذي ضاق فعلًا هو المساحة بيننا… تلك المسافة الخفية بين الفهم والحكم، بين الغضب والإنصاف.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه المشاهد وتقل فيه الرؤية، يبقى الامتحان الحقيقي ليس في ما نراه… بل في كيف نراه.
-------------------------------------
بقلم: محمد عبدالحميد






