الأوطان لا تُبنى على الإنكار، ولا يمكن لها أن تزدهر بالهرب من معاناة أبنائها، ولا تتحقق نهضتها إذا طُلب من الفقراء السكوت بدل المطالبة بالإنصاف.
الحقيقة المؤلمة التي لا يجوز طمسها هي أن ملايين أصحاب المعاشات في وطننا يعيشون اليوم على حافة العوز والفاقة، بعد أن أفنوا أعمارهم في العمل والكدّ والإنتاج، بعد أن سهروا على بناء هذه الدولة وخدمة مجتمعهم بأمانة وإخلاص.
أمهات وآباء قضوا حياتهم في خدمة الوطن، فقط ليجدوا أنفسهم في شيخوختهم وحيدين في مواجهة الغلاء المتصاعد، ومعاشات عاجزة عن توفير الحد الأدنى من حياة آدمية كريمة.
الحقيقة المؤلمة الأخرى أن اليد العاملة المصرية، التي تمثل عماد الاقتصاد وأساس أي نهضة حقيقية، تعاني اليوم من تدني الأجور في مواجهة ارتفاع الأسعار الذي أصبح فاحشًا وغير مسبوق.
عامل يعمل عشر ساعات وربما أكثر، ثم يعود إلى بيته مثقلاً بالهموم، عاجزًا عن تلبية أبسط احتياجات أسرته، ليس بسبب تقصير أو كسل، بل لأن الأجر لم يعد يعكس قيمته أو جهده.
لا يمكن طمس هذه الحقائق المؤلمة، وأهمها أن الغلاء لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح واقعًا يوميًا يمتص دخلاً بعد دخل، ويقضم حياة بعد حياة، حتى لم تعد المعاشات أو الرواتب الثابتة قادرة على مواجهة متطلبات المعيشة الأساسية.
أسعار الغذاء، والدواء، والمواصلات، والخدمات الأساسية ترتفع بوتيرة لا ترحم، بينما تبقى المعاشات حبيسة أرقام جافة لا تعكس الواقع الحقيقي للأسواق ولا قدرة المواطنين على مواجهة هذه الزيادات.
أيُّ عدالة اجتماعية يمكن الحديث عنها، وأمّ تضطر لاختيار بين علاجها وطعام أبنائها؟ وأي إصلاح اقتصادي يُطلب من المواطن تحمّله، بينما يتحمله الفقراء وحدهم دون حماية كافية أو تعويض عادل؟
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الفقر فحسب، بل الاعتياد عليه.
أن يصبح مشهد العجوز الذي يحسب الجنيهات، والعامل الغارق في الديون، والأم التي تكتم دمعتها، أمرًا طبيعيًا لا يحرّك السياسات ولا يدق ناقوس الخطر، فهذا هو الفشل الحقيقي لكل منظومة تُدعى “التنمية الاقتصادية”.
نحن لا نحرّض ولا نزايد، نحن نُذكّر فقط بأن الدستور كفل العدالة الاجتماعية، وأن كرامة الإنسان هي أساس الاستقرار الحقيقي لأي دولة.
وتجاهل معاناة أصحاب المعاشات والعمال لا يصنع دولة قوية، بل يؤجّل الانفجار الاجتماعي، ويضاعف الاحتقان بين الطبقات.
لا لطَمْس الحقائق المؤلمة، فالمكاشفة هي أول طريق الإصلاح.
الاعتراف بالخلل هو بداية العلاج، لا نهايته، وإعادة النظر في سياسات الأجور والمعاشات وربطها الحقيقي بالأسعار ليست منّة، بل هي حق أصيل لمن بنوا هذا الوطن بعرقهم وأعمارهم.
نحن نريد وطنًا لا يترك أبناءه بعد أن يشيخوا، ودولة تسمع أنين العمال قبل أن يتحول إلى غضب صامت.
نريد سياسات اقتصادية تحمي الضعفاء قبل أن تطلب منهم الصبر، وتوفير معاشات تواكب الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، وأجورًا عادلة تعكس قيمة العمل الحقيقي.
ومن لا يرى هذه الحقائق المؤلمة اليوم، قد يراها غدًا وقد أصبحت أشد قسوة.
فالألم حين يُطمس لا يختفي… بل يتراكم، ويصبح وحشًا أكبر في المستقبل، يصعب السيطرة عليه.
وحتى نُحقّق العدالة الحقيقية، يجب الاعتراف أولًا، والمحاسبة، والإصلاح، وإعادة توزيع الأعباء بما يحفظ كرامة المواطن ويضمن مستقبل الوطن.
--------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي






