- صحيح آنه في عهده اختفي صحفي مثير للجدل كرضا هلال، واقتيد عبد الحليم قنديل إلى مكان غير معلوم، وأوسِّع تنكيلا وتعذيبا ثم ترك عاريا في صحراء مجهولة! وصحيح أيضا أن أوامر صدرت بإهانة الكاتب الراحل جمال بدوي رئيس تحرير الوفد آنذاك، وتم صفعه في حادثة اقشعرت لها الأبدان! وصحيح أيضًا أن عماد الكبير تمت "خوزقته"، وخالد سعيد كسرت رأسه حتى فاضت روحه، وصحيح أن كثيرين تعرضوا للتنكيل والاختفاء في عهد مبارك، لكننا أُخبرنا عن هذه الجرائم، وقرأنا تفاصيلها وفضحت الصحف أسرارها، ورغم أن وجدان الرجل لم يهتز مثلنا، فهو لم يأمر ولّاته في أجهزته الأمنية بإيقافها، لكن صحافته كانت حرة، أو بمعنى أدق كان لديها هامش حرية يسمح بنشر تفاصيل هذه الجرائم السياسية ويفضح هذه الممارسات المشينة.
في عام ١٩٩٠ سمحت لنا صحافة مصر "الحرة وقتها" بانتقاد عنيف للفساد، والحقيقة أن هامش مكافحة الفساد في عهد مبارك ارتفع بدرجة مذهلة، مع تصدي صحيفة الوفد التي تأسست عام ١٩٨٤ برياسة تحرير مصطفي شردي له، فقد كان الفساد الذي يمارسه الحزب الوطني في أعلى درجاته، وطال وزراء وسياسيين واقتصاديين، ونواب مجلس شعب، وهنا تَلَقفتُ - كاتب هذه السطور - أول خيوط قضية الفساد النيابي الكبري التي أطلقت عليها اسم "نواب الكيف "، وأطلقت حملة صحيفة استمرّت عاما ونصف ضد خمسة من النواب، ممن دفعوا الأموال الطائلة لنيل الرضا والترشح على قوائم الوطني، مع أنهم متهمون بالاتجار في المخدرات وأحدهم يتعاون مع إسرائيل! بلغت تلك الحملة من الشراسة والقوة إلى الحد الذي جعل وزير الداخلية وقتها عبد الحليم موسي يكذب دفاعا عن الحزب الوطني، وينفي شبهة اتهامهم بالاتجار في المخدرات، رغم أن قضاياهم وصورهم كانت تزين متحف إدارة مكافحة المخدرات! كما استماتت وكيلة المجلس د. فوزية عبد الستار في مواجهة الحملة، وكمال بك الشاذلي الحاكم بأمره في الحزب والمجلس، وعدد آخر من النواب. حملاتهم الشرسة ضدي وضد الصحيفة والزملاء الذين ساعدوني في الحصول على بعض وثائق الحملة، وكذلك تهديد النائب الذي ركزنا عليه (عايد سليمان)، وإرهابه لي برفع قضايا سب وقذف لم ترهبنا إو تثنينا عن النشر، ولم نتوقف إلا عندما أذعن مجلس الشعب آنذاك لمناقشة الاتهامات الموثقة التي وجهتها للنواب الخمسة، وانتهى الأمر بإقصائهم من البرلمان!
بعد قضية نواب الكيف التي وثقتها في كتاب لي يحمل نفس العنوان، توالت القضايا التي فجرتها صحافة مصر الحرة ، فأصبح نواب القروض ونواب سميحة ونواب التأشيرات حديث الناس، وطالهم التحقيق والخزي والعار.
حتى بعد ثورة يناير بقليل كانت هناك إمكانية لمعاقبة الفساد والمفسدين في مصر بدرجة أو بأخرى. لكن هناك دائما مياه تجري تحت الجسور! صحيفة الوفد الآن - وكانت منذ صدورها فتحًا في الصحافة المعارضة - لم تعد كما كانت، فلم تخض أي معركة صحفية تذكر منذ العام ٢٠١٣! الرقابة على الصحف عادت، والصحفيون يلاحقون من الوزراء وغيرهم، وحتى موظفي المحليات، في فهم جديد لمهمة الصحافة الحرة!
حرية الصحافة واستقلالها من مظاهر قوة الدولة، ومنح الحصانة للصحفي للعمل باطمئنان وملاحقته الأخطاء ونشر وقائع الفساد مظهر من مظاهر الدولة العفية.. وغياب الصحافة قسريّا يسهم في "انحراف العدالة".. فالصحافة الحرة وجه من أوجه الحق والخير والجمال والعدل.
تعيد قضية "انحراف العدالة" التي فجرتها صحيفة هيرالد ميامي بقلم جولي براون التذكير بآهمية دور الصحافة لأي مجتمع، ومهما كان حجم الأخطاء من جانب الصحفيين فإن المشكلة لا تحل بأن تختفي الصحافة والحرية قسريا، بذرائع مثل تعرض الأمن القومي للخطر! المجتمعات التي تتطلع للنهوض والنمو والقوة لاتخشى الصحافة الحرة، ولايجوز أن يستدعي رئيس تحرير موقع إلى التحقيق بسبب خبر نشره عن الفراخ، آو ماشابه ذلك! حدث ولاحرج عن ماجرى لزميل نشر خبرا عن سرقة إسورة أثرية من المتحف، وآخر صور كوم زبالة في قريته فقدمت رئيسة الوحدة المحلية بلاغا ضده! لقد حقق معهما وسجلت ضدهما قضايا!
مافعلته الصحفية الأميركية جولي بروان يجعلنا نعيد فتح ملف الصحافة على مصراعيه، فهو يعيد الاعتبار للمهنة، ليس في آوروبا وأميركا والدول الكبرى، وانما في دولنا التي تراجعت فيها بطريقة مؤسفة.
والحقيقة أنه ليست أميركا وحدها المستفيدة من فضح الرجل الذي أصبح حديث العالم اليوم.. جيفري ابستين.
العالم كله ومصر - ربما في قلبه - مستفيد من هذا الفضح، فكل يآخذ منه مايتوافق ونظرته للأمور.. هناك من يصوِّب نظراته على وقائع - أو إيقاع - الجنس والشذوذ، ومن يتوقف عند ممارسة طقوس بشعة لا يبلغ ذروتها أي خيال مهما بلغت خصوبته، كالتهام أمعاء الأطفال وتناول برازهم.. وهناك من يشمئزون من ممارسات التحرش والاسترقاق والاستغلال والدعارة.. ومن تصرخ ضمائرهم وتستغيث بالإله، عندما تقرآ في الوثائق المشفوعة بالصور الفوتوغرافية - وتشاهد أيضا في الفيديوهات - أميرًا إنجليزيا وهو يكاد ينام فوق إمرأة ما! (دفع ثمنها عرش إنجلترا طبعا).. وتعرف أن حاكم العالم اليوم دونالد ترامب فض بكارة صبية عمرها ثلاثة عشر عاما، وربما فعلها مع أخريات، وعاد من جزيرة "العهر الابستيني" قرير العين، ونام وشخّر بل أوصله شخيره إلى سرير البيت الأبيض المطرز بخشب القوة الأطغى في العالم، لمواصلة أحلامه السعيدة!
هناك اهتمام بالغ في دول العالم بمن وردت أسماؤهم في التحقيقات الأميركية المنشورة بموافقة قضائية، من السياسيين وكبار رجال الدولة ورجال المال والأعمال والشخصيات البارزة، وما خفي كان اعظم، فقد تبين أن القضاء أمر بحجب بعض الأسرار المشينة طبقا لاعتبارات السرية والآمن القومي.. وأشياء أخرى!
في مصر توقف الناس عند أسماء معينة، في مقدمتها آحمد أبو الغيط وعمرو موسى و.. خديجة الجمال زوجة جمال مبارك. كان ايميل استنجاد خديجة الجمال - أثناء محاكمة مبارك وأولاده - بسياسي نرويجي لتوصيل رسالة من أسرة مبارك إلى "أصدقائهم" (هكذا وردت الكلمة بالنص في المنشورات) لطلب الدعم والمساعدة، استشعارًا منهم بآنهم يواجهون أحكامّا قاسية قد تصل إلى حد الإعدام، وهذه الرسالة وصلت إلى إبستين نفسه! وتبين أيضا أنه - جيفري - اعتزم شراء أحد القصور من مبارك وأولاده!
يقينا أنا معني بكل ماقرأته من تفاصيل هذا العهر والفجور والانحطاط والممارسات اللا إنسانية، ومعني آيضا وعلى نحو كبير بالتفاصيل السياسية التي ذكرت بعضها، لكني في الحقيقة مهتم الآن بكيفية تفجر الآمور على هذا النحو. كيف استطاعت الصحافة أن تشق كل جدران السرية والصمت المطبق وتشرع نوافد الحقيقة على ضراوة وشراسة ونفوذ وتمكن الداعرين الذين تمتعوا بكل الموبقات والخطايا وكانوا يظنون آنهم في مآمن من التعرية والفضح!
قد يكون غريبّا ألا نقرا أن من بين الجوائز التي حصلت عليها الصحفية المحترفة بجريدة هيرالد ميامي جولي براون جائزة بوليتزر، أرفع جوائز الصحافة في الولايات المتحدة. قد تكون مرشحة لها، ولكنها فازت بجوائز عديدة (من بينها جائزة جورج بولك ثمّ جائزة سيدني ثم جائزتي نيل وسوزان شيهان وجائزة هلمان، وفي العام 2020 اختيرت ضمن قائمة مجلة تايم لأكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم. وبعدها في العام 2025 حصلت على جائزة إنجاز العمر من رابطة الصحفيين الاستقصائيين والمحرّرين (IRE)). حملة جولي براون العاصفة انتهت بحبس جيفري ايبستين، ثم كانت نهايته " الغامضة" في سجنه. الصحفية المهنية التي يهتم بها أمثالي في مقالاتهم وأبحاثهم هنا ربما ضاع اسمها واسم صحيفتها في زحمة أطنان المنشورات، فلم يتذكر الناس كم أنفقت من الوقت وبذلت من الجهد لمقابلة الضحايا، وكيف أقنعت هذه الأعداد بالتحدث - في ظل مانعرفه عن التهديدات التي يواجهها ضحايا التحرش إذا هم فكروا في الإبلاغ أو النشر - وكيف ناضلت ضد محاولات الطرمخة على القضية، حيث تشير المعلومات إلى ان القضاء والادعاء العام تسترا على القضية لنحو ١٥ عاما كاملة! وكان عليها أن تكافح من أجل إعادة فتح القضية للتحقيق بين عامي 2018-2019
نتحدث عن صحفية تبلغ من العمر ٦٤ عاما، ولم تفقد شغفها بمهنتها، وقررت مواجهة انحراف العدالة وهو العنوان العريض الذي عنونت به حملتها الصحفية، لم تخش أصحاب المال والأعمال والسلطة والثروة والنفوذ.. جولي براون وعلى مدى عام كامل انخرطت - كما تقول معلومات موثقة عنها نشرت في جميع المواقع - في "قراءة وتدقيق حوالي 10,000 وثيقة رسمية، موزعة على محاضر محاكم، وملفات الشرطة، وتأكدت بنفسها من صحة كلّ معلومة قبل النشر، ثم قابلت حوالي 60 ضحية من أصل 80 وجدت أسماءها في التحقيقات، وقد ظهرت للعلن منهن 8 ضحايا، أعطتهن الفرصة للحديث عن تجاربهن المريرة،".. كانت هذه هي المرّة الأولى التي يحدث فيها هذا النشر على نطاق واسع.. وهذه المعلومات الموثقة ثبت صحتها من تعدد المصادر التي تابعت الفضيحة.
واجهت جولى براون انحراف العدالة بشجاعة، وواصلت العمل من أجل تحقيقها، حتى ظفرت باعتقال جيفري إبستين في منتصف العام 2019، بعد سنوات من الحماية والدعم من جانب المتنفذين، حد آنه في إحدي المرات صدر بحقه حكم غريب بالسجن، أتاح له الخروج للعمل والذهاب إلى البيت! انحراف غير مسبوق للعدالة. نتيجة عمل وجهد الصحفية جولي براون أسفر أيضاً عن اعتقال رفيقته في الجرائم غيسلين ماكسويل، ولا أحد يعرف بشأن ترامب والبقية الباقية من المتورطين، وهل هناك مستقبل لأي منهم، سيما وأن الرئيس الأميركي نفسه كان ضد مواصلة التحقيقات والنشر الواسع بهذه الطريقة!
في أميركا وأوروبا - وحتى إسرائيل - يتمتعون بحرية الصحافة.. فماذا عنا ومتى ينتهي غيابها القسري؟!
-------------------------------
بقلم: محمود الشربيني







