09 - 02 - 2026

تحرير الذات بين الموروث والوعي .. دراسة في رواية محمود عبد العليم"أوراق الشيخ أحمد"

تحرير الذات بين الموروث والوعي .. دراسة في رواية محمود عبد العليم

عندما يطرح النص الأدبي إحدى القضايا الفكرية الانسانية الشائكة التي تؤثر في مسار العقل البشري، فانه يصبح ضمن النصوص الهامة التي تستمر أجيالا وأجيالا، وربما تصطدم بعض تلك النصوص بالموروثات أو المُسَلمَات، ومع حدة  الصراع وشدتها تعاني الذات الانسانية الحيرة سعيا للوصول إلى موقف حياتي فكري يمكنها للتصدي لمثل تلك المُسلَمات المُتوارَثَة مما يفتح مجالا لصدامات بين النص وكيانات تحتفظ لنفسها بمكانات مقدسة، ولها فيها مآرب خاصة، هذا ما يجده القارئ في رواية محمود عبد العليم "أوراق الشيخ أحمد" الصادرة عن دار نفرتيتي، التي تسعى وتدعو إلى السلام والخير والجمال وتدين التعدي على ممتلكات الغير بسبب اختلاف العقيدة، وتثَمّن المحبة والتعاون  بين الناس وتجسد التآلف بين الجيران والأصدقاء رغم اختلاف ديانتهم.

1 - الأحداث/ بين التضافر والتناحر 

دون فصول أو أجزاء تنفتح أحداث الرواية عام 1925على الشيخ عبد العليم الحافظ  لكتاب الله وإمام الناس بمسجد قرية حجازة قبلي بمركزقوص بمحافظة قنا جنوب مصر، مستيقظا من قيلولته قبيل صلاة العصر محادثا ابنه أحمد سائله عن أمه التي خرجت إلى بيت أبيها، يذكر الكاتب على لسان الراوي العليم الذي يروي الأحداث أن الشيخ ينتقل للاقامة بقرية مير بمركز القوصية بمحافظة أسيوط جنوب مصر أيضا، بعدما أخذ ثأر أخيه إبراهيم، والتقي بالمقدس سمعان الذي سرعان ما ربطتْ بين أسرتيهما علاقة تجاور قوية من خلال التزاور والتهاني وقت المناسبات، يشب أحمد ويتولى دور أبيه في تعليم أبناء القرى المجاورة القرآن والحساب، في احدى زيارات أسرة الشيخ لأسرة المقدس ليلة رأس السنة  تمنح ماريان ابنة المقدس- التي تقرأ روايات وكتب علوم القرآن-  أحمد كتاب " لباب النقول في أسباب النزول" لمؤلفه جلال الدين السيوطي يقرأ أحمد فيه عن قصة الغرانيق - الأصنام - فيقرر أحمد البحث ليعرف الحقيقة فيخبر أباه أنه قرر الدراسة بالأزهر لدراسة علوم القرآن، كي يستزيد من العلم يتوتر الشيخ ثم يوافق على مضض، تُسمَع زغاريد من بيت المقدس فرحا بعودة ابنهم فريد من القاهرة الذي ترك حي الحسين ومقهى ريش ملتقى الثقافة والمثقفين، بعدما اعتذر لصديقته ايفا الممسكة في يدها كتاب "أصل الأنواع" لمؤلفه تشارلز يعتذر لها عن تأخره بسبب الأمطار.

يرتب الشيخ مع المقدس سفر أحمد مع فريد ليساعد أحمد في ترتيب شؤونه بالقاهرة ينطلقا للقاهرة، ويظل الشيخ بالقرية وزوجته أم أحمد تبيع بعض الخضار بمساعدة وترتيب ماريان تعاونا مع زوجها الشيخ، تتوفي الزوجة الحاجة سعدية، فيقرر الشيخ ترك القرية دون إخبار أحد فيذهب إلى محافظة المنيا شمال أسيوط يقيم بقرية الجبل الغربي بمركز مغاغة شمال المنيا، ثم يتزوج وينجب ابنه إبراهيم الذي ينجب ابنه مروان ويتوفى،  فتنتقل زوجته ايمان بابنها إلى مغاغة ثم تقفز الأحداث إلى عام 1973 في شقة ايمان أم مروان تزغرد فرحة بحصول ابنها على ليسانس دار العلوم، ثم تكشف الرواية عن انتماء مروان إلى جماعة الإخوان المسلمين منذ أن كان طالبا بالصف الثاني الثانوي عن طريق صديقه عاطف البرعي الذي جنده، يذهبا إلى بيت قائدهم الإخواني حسن يوسف ثم يتم تجنيد أم مروان لتعمل بقسم الأخوات بالجماعة، يطلب حسن يوسف إيمان للزواج بعد وفاة زوجته أم ابنته الشابة فاطمة، توافق ايمان مشترطة زواج فاطمة ومروان بعد فشل زيجة فاطمة من ابن العمدة يقبل مروان زواج أمه من قائده مُرغَمَّا مرحبا بزواجه من فاطمة.

يهيم مروان على وجهه غاضبا من قبول أمه الزواج من حسن يوسف، يذهب إلى مسجد محطة القطار يلتقي بجواره أستاذه سمير القماش يبيع المسك والكتب الدينية، في بيت الأستاذ يلتقي مروان وأستاذه الذي يخبره أن المجتمع كله كافر، وأن جماعة الإخوان لا تهتم بالدين أو الشريعة، لكنها تهتم بمصالحها في المقام الأول، وينجح الأستاذ في تجنيد مروان بجماعة "التكفير والهجرة" التي أسسها شكري أحمد مصطفى، في إحدى زياراته لشيخه القماش تداهم الشرطة بيته وتقبض عليه، بينما ينجو مروان متخفيا في نقاب وترجوه رقية زوجة القماش أن يبقى قليلا خشية القبض عليه، تحدثه عن نفسها بأنها حاصلة على ليسانس الفلسفة وتزوجت القماش الذي يكبرها بأعوام فهي في العشرينات من عمرها، ثم تروي له عن حرمانها من الحب بمرور الوقت، ترقص له وتسأله أايهما أفضل في الرقص صديقتها فاطمة التي تحبه وسيتزوجها أم هي، تنزع ملابسها وتستمر في الرقص حتى تمارس الجنس مع مروان.

يتزوج مروان من فاطمة ويحملان حقائبهما متوجهين إلى القاهرة لتنفيذ تكليف جماعته - التكفير والهجرة - له بتفجير دار الأوبرا انتقاما لسجن وتعذيب قائد الجماعة شكري أحمد مصطفى، يفتح مروان حقيبة بين الحقائب كثيرا منعته أمه من قراءة ما فيها، فيجد فيها أوارقا بعنوان "أوراق الكافر" البالغ عددها 36 ورقة كتبها عمه أحمد قرأ فيها أن عمه ثارت لديه تساؤلات منذ أن طالع كتاب "لباب النقول" الذي منحته له ماريان ابنة المقدس سمعان فلجأ يبحث عن اجابات شافية لتساؤلاته من خلال الدراسة بالأزهر، ولم يهتم لتحذيرات صديقه الأزهري عبد الرحمن البحيري الذي له تساؤلات أيضا لكنه يخفيها من مغبة المجاهرة بتلك التساؤلات، لكن أحمد يصر على المواجهة فيشيع أمره بين المشايخ، خاصة بعدما علموا أن أحمد يحضر محاضرات أحمد لطفي السيد الزنديق من وجهة نظر شيوخ الأزهر، فيتم التحقيق مع أحمد وتنتهي محاكمته إلى طرده من الأزهر والحكم عليه أنه مرتد كافر، وسرعان ما ينتشر أمره أنه نصراني ملحد كافر، ويُزَج به في السجن فيضربه عساكر ونزلاء السجن حتى يدمون جسده وتنقذه زيارة صديقه فريد ابن المقدس سمعان وصديقه، متنكرين في ثياب شيوخ أزهريين، فيخرج إلى المستشفى وهناك يوصي أحد المعارف أحد الأطباء باخراجه من المشفى وسيتم تسوية الأمر مع البوليس السياسي.

يزور احمد والده الشيخ عبد العليم بقرية الجبل الغربي الذي يقدم ابنه القادم في ثياب أزهرية - ابتاعها أحمد بعد فصله وتجريده من زيه الأزهري - ليؤم الناس في الصلاة، يتحدث أحد الشباب إلى الناس بالمسجد أن لا يجب أن يبني النصارى كنائس، فيحاجه أحمد فيرد الشاب أن هذا رأي الإمام البخاري، يعترض أحمد أن البخاري بشر يخطيء ويصيب،  يغضب الشاب ويؤلب الناس ضد أحمد الذي يأخذه شخص يدعى خالد معلنا لأحمد أن الشاب ينتمي لجماعة الإخوان، ثم تنشأ صداقة بين خالد مدرس اللغة العربية بقرية الدير المجاورة لقرية الجبل الغربي وبين أحمد، يعترف خالد لأحمد عن حبه لمارثا ابنة القس وطلبه الزواج وعرضه عليها تغيير ديانته إلا أن القس يطرده، يعود أحمد للقاهرة فيعرف بمساعدة ماريان التي تركت الديرأنه  تم ترحيل مارثا إلى أحد الأديرة بمصر القديمة بالقاهرة لعلاج الفتيات اللائي تربطهن علاقات عاطفية مع رجال مسلمين، تستطيع المجموعة أحمد وفريد وايفا وماريان وهيلانة اخراج مارثا من الدير ويخبرون خالد الذي يأتي إلى القاهرة، يتعرف أحمد على يعقوب اليهودي صديق خالد كما يتعرف على ايزاك الغنوصي اليهودي صديق يعقوب، يعرض أحمد على القمص فادي والد هيلانة الزواج من هيلانة، لكن القس يرفض خوفا من سوء العواقب، فيرحل بابنته واسرته إلى انجلترا متقلدا منصبا دينيا عرضته عليه الكنيسة، بينما يتوه خالد ومارثا في الشوارع يبحث كل منهما عن الآخر، وقبض البوليس على فريد ضمن حملة واسعة للقبض على الشباب ويرحل يعقوب إلى فرنسا وايزاك إلى فلسطين بعدما حرق جماعة الإخوان منتديات وبيوت اليهود بالإتفاق مع الضباط الأحرار،  بينما ينام أحمد مريضا عليلا يتقيأ دما منتظرا الموت، يهب مروان من مكانه بعدما أنهى قراءة أوراق عمه أحمد  التي تسميها فاطمة زوجته الأوراق الملعونة متجها إلى مقهى ريش.

2- التقنية

أ - البناء والحبكة

رواية غير تقليدية في بنيتها وبنائها فهي لا تحوي فصولا أو أجزاء كما المعتاد والمعمول به في أغلب الروايات، وهو ما يعني - في رأيي - أنها كتبت متناثرة على طريقة اليوميات دون وضع مخطط مسبق شكلي لها، فالبناء الهندسي غير تقليدي والجانب السردي هو المتحكم الذي يوجه دفة الشكل البنائي، تحوي الرواية جزأين، يروي السارد العليم بدءا من عام 1925 بقرية حجازة قبلي بمدينة قوص بمحافظة قنا ثم ينتقل إلى محافظة المنيا عام 1973، ثم تنتقل الأحداث في الجزء الثاني المعنون بـ"أوراق الكافر" التي تحوي 36 ورقة إلى القاهرة ومقهى ريش ودور سينما ومسارح القاهرة عبر أوراق أحمد التي يتصفحها مروان ابن أخيه متنقلة بين السجن والأزهر والجامعة وقرية الجبل الغربي وحارة اليهود ومدرسة بقرية الدير المجاورة لقرية الجبل الغربي ومسجد القرية وديرا بمصر القديمة متخذة من الانتقال المكاني وسيلة لنمو الصراع الدرامي، فالملاحظ أن الانتقال الأساسي دائما يتجه من الجنوب إلى الشمال، فالشيخ عبد العليم اتجه من قنا إلى أسيوط بعدما أخذ بثأر أخيه ثم انتقل إلى المنيا شمال أسيوط بعدما توفت زوجته، وانتقل أحمد وفريد وماريان هربا من القرية أو الدير والأفكار الدينية التقليدية إلى القاهرة بحثا عن مخرج، وتم ايداع مارثا بدير بالقاهرة (إلى الشمال من المنيا) للعلاج من حب خالد المسلم وهو يشي بقيمة وأهمية الشمال في صراع الأحداث وكأن لسان حال الرواية أنه ربما يكمن الحل أحيانا أو غالبا في الشمال .

أما عن الحبكة بالرواية فهي متضافرة مع البناء منذ البداية، حيث يستخدم الكاتب أسلوب الراوي العليم الذي يروي الأحداث من الخارج دون أن يشارك فيها لتتحقق الرؤية من الخارج، ثم يستخدم أسلوب التداعي عبر يوميات أحمد في أوراقه مع بساطة وسهولة لغوية لا تعقيد فيها ولا تقعير، وهي مناسبة لما أراده الكاتب، إضافة إلى تحاور باللهجة العامية وحضور كبير للجانب التاريخي الثقافي الفكري مع اللجء إلى تقنية الكاميرا أو السينما التي تتداخل فيها المشاهد والتوازي بين مشهدين في آن واحد، فمثلا في ص 34 ينتهي الحوار الافتراضي بين سيدنا جبريل وأحمد ويختفي جبريل فتضيء أضواء الكنيسة احتفالا بعيد رأس السنة، ويتكرر المشهد في صفحات آخرى فأحمد وفريد بمنزل المقدس سمعان بالتوازي مع قداس العيد بالكنيسة وترديد المقدس سمعان كلمات وراء الكاهن، وفي ص 40 يصيح الديك في بيت الشيخ عبد العليم بالتوازي مع خروج الناس من قداس العيد بالكنيسة، وف ص 56 في سطور قليلة يصور الكاتب خروج الشيخ عبد العليم من قرية مير بمدينة القوصية التابعة لمحافظة أسيوط وقت صراخ طفل بجوار أمه وحمار أحمد يجفل في مكانه ثم مواء قطة في بيت مظلم، فعندما يصلي الشيخ أحمد بالناس إماما يتذكر محبوبته هيلانة ثم يركع ويتذكرها ثم يسجد ويتذكرها، وفي ذلك دلالة تقديس الحب الذي يتذكره وهو بين يدي الله تعالي "توجه الشيخ الوالد ناحيتي وقال مبتسما فخورا : اتفضل يا شيخ أحمد أنت الامام صلي بنا يا ابني. حاولت ساعتها أن أتراجع غير أن رغبة الناس كانت أشد . استقيموا يرحمكم الله وساوا الصف فإن تسوية الصف من تمام الصلاة . قلت لهم وأعطيتهم ظهري موليا القبلة رفعت يديَّ قائلا بصوت مسموع  الله أكبرارتج المسجد بالمأمومين خلفي قائلين: الله أكبر، في الركعة الثانية سيطر على روحي وجه هيلانة سوف أبحث عن تليفون وأتصل بها. وحشني صوتها! الحقيقة ليس صوتها فقط هو الذي وحشني في أوقات الغياب نكتشف أعمق محبتنا، الله أكبر..سمع الله لمن حمده..الله أكبر. انتهيت من صلاة العشاء وتعجبت كيف أديت الصلاة دونما خطأ".

ويلجأ الكاتب إلى أسلوب التوازي في بناء الشخصيات على المستوى السلوكي والفكري، فالتوازي له حضور هام وكبير في حبكة الرواية فنجد توازيات عديدة كما يلي:

- أسر متحابة متآلفة

أسرة المقدس سمعان= أسرة الشيخ عبد العليم، رغم أنهما ليس بينهما سابق تعارف إلا أنهما يجسدان التآلف والمحبة الانسانية، فهما نموذجا راق للود الانساني والتعاون، وهذا يعكس الطبيعة الشعبية للفطريين الذين يتحابون بالفطرة، فهما يتبادلان الزيارات الأسرية رغم تخوف زوجة المقدس سمعان في بادئ الأمر وفق اعترافها لزوجة الشيخ عبد العليم الذي منحه جرجس مفتاح بيته ليقيم فيه، وعلى المستوى الأسري تآلف الأبناء كما الأباء والأمهات ففي هذا السياق كانت علاقة أحمد مع ماريان وفريد ابني المقدس سمعان.  

- شخصيات نسائية تجسد الحب والرغبة

فاطمة= ايمان = رقية= هيلانة= مارثا، الأولى تحب مروان وتتمناه في نومها وتمارس معه الجنس الافتراضي وهي نائمة وتصرخ من النشوة وتضيع عليها صلاة الفجر فتصليه صبحا، وتتزوجه بالفعل في الواقع ولا تهتم بتشوش أفكاره، فالمهم عندها ان تشبع منه بعد فشل زيجتها من ابن العمدة، والثانية تتمنى الشيخ حسن يوسف وتمارس معه الجنس الافتراضي أيضا وتضيع عليها صلاة الفجر وتصليه صبحا وتتزوجه بالفعل في الواقع رغم ضيق مروان بزواجها فالمهم أيضا أن تشبع بعدما حرمت ذاك الشبع بوفاة والد مروان كما أنها لا تزال في الاربعينيات وتحتاج الجنس فهي ما زالت شابة وتتعلل لمروان بأن الشرع لا يمنع ذلك، ورقية الشابة التي تزوجت في سن العشرينيات رغما عنها من القماش كبير السن بعد وفاة زوجته تمارس برغبتها الجنس مع مروان تلميذ الشيخ تعويضا لما تفتقده، وهيلانة ومارثا تحب كل منهما مسلما رغم أنهما مسيحيتين وتمارس كل منهما الجنس مع حبيبها، هيلانة مع أحمد وتحمل منه بطفل ومارثا مع خالد وتعترف كل منهما أن هذا الجنس يمثل حبا مقدسا وليس خطيئة.

شخصيات نسائية مُثَقفة   

رقية= هيلانة= ماريان= ايفا= ماريان، الأولى تدرس الفلسفة وتقرأ الكتب خلسة حتى تسجل للحصول على درجة الماجستير لولا رفض الأب الذي زوجها وهي شابة إلى سمير القماش العجوز، والثانية هيلانة تقرأ كتب الفلسفة والأدب والفكر، والثالثة لا تقف عند قراءة الكتاب المقدس فقط بل تقرأ كتب في علوم القرآن وأسباب نزول القرآن وروايات، وتعلن أن الانجيل به أشياء حلوة وخرافات كما أنها تخرج من الدير غير مقتنعة بالرهبنة، وايفا صديقة فريد المثقفة التي تقرأ وتناقش فريد في كتاب "أصل الأنواع "لمؤلفه تشارلز دارون.

رجال متقفون في الرغبات

مروان= أحمد = حسن يوسف = خالد، الأول يحب فاطمة ويتمناها ويراها في نومه ويمارس معها الجنس الافتراضي ثم يتزوجها، كما يمارس الجنس مع رقية زوجة شيخه سمير القماش وأحمد يحب هيلانة ويمارس معها الجنس واقعيا ويعرض عليها الزواج لكن والدها يرفض وحسن يوسف يحب ايمان وتزوجها وخالد يحب مارثا ويمارس معها الجنس ويعرض على والدها الزواج منها لكن أباها يرفض خوفا من العواقب. 

رجال فاشلون

أحمد بن العمدة = سمير القماش، الأول يفشل في اشباع وامتاع فاطمة فيضطر إلى طلاقها وتتزوج من مروان، والثاني يفشل في اشباع زوجته الشابة رقية مما يدفعها إلى اشباع رغبتها بممارسة الجنس مع تلميذه مروان.

 رجال حائرون فكريا ومثقفون

الشيخ أحمد = الشيخ عبد الرحمن البحيري = خالد= فريد= يعقوب= ايزاك، الأول لديه تساؤلات في بعض الأمور الدينية ويبحث مصرا على الاستمرار للوصول إلى اجابات لتساؤلاته، بينما الثاني يعلن أنه لديه نفس التساؤلات وطلاب آخرون بالأزهر لديهم نفس الأسئلة، إلا أن البحيري يكتم ذلك خشية من بطش الأزهر ولا يلقى مصير أحمد  الذي فصله الأزهر وحكم عليه بالكفر، وخالد مثل البحيري أيضا لا يعلن تساؤلاته أمام أحد، ولا يختلف فريد عنهم فمسألة الأديان لا تشغل باله وهي بعيدة عن تفكيره وفق ما يجسده من عدم ذهابه إلى الصلاة بالكنيسة ليلة رأس السنة، ويسايرهم اليهوديان يعقوب وايزاك في الوعي والتسامح وحب الله المطلق الخير والجمال ويختلفون مع الكهنة الذين يختزلون الله في تعليماتهم هم، فكل منهم يرى أن الله جميل لكن الكهنة قصروا الله ومعرفته على أنفسهم فقط، كما يعلن كل منهما اختلافه مع بعض نصوص التوراة فالوعي والتطلع نحو الصدق والجمال والخير هي السمة الجامعة والمشتركة بينهم.

المختفون مسلوبي الذات

أحمد = فريد= مارثا= خالد= هيلانة= ايزاك = يعقوب، جميعهم يوحدهم الاختفاء القسري، فالأول غيبه الموت وهو أشد وأعقد أنواع الاختفاء فهو بلا عودة، والثاني غيبه السجن بالقبض عليه ضمن حملة واسعة للقبض على الشباب وهو اختفاء غير معلوم المدى الوقتي، وهونفس نوع اختفاء خالد ومارثا اللذان اختفيا بشوارع القاهرة وافترقا بعد فشلهما في الزواج ولم يجدا حلا في قضية حبهما، وهو ما واجهه أحمد وهيلانة فاختفت هيلانة دون معرفة المدى الوقتي لعودتها فسافر أبواها بها إلى انجلترا، ولم يكن أمام ايزاك ويعقوب حل سوى الاختفاء حفاظا على حياتهما فطالهما التغيب القسري بعدما تعرض له اليهود من حرق منتدياتهم والتعدي على ممتلكاتهم من جماعة الإخوان المسلمين باتفاق مع الضباط الأحرار، تحقق كل هذه الاختفاءات فكرة سلب الذات فكل من اختفى مسلوبة ذاته مفقودة إرادته .

متعصبون يضطهدون الآخر ظلما

صالح البوسطجي = الشاب بمسجد قرية الجبل الغربي = أهل قرية الجبل الغربي = شيوخ الأزهر = السجين عبد المنعم = خليل= عساكر السجن، يجمعهم عدم الوعي والتعصب الجاهل، فصالح المنضم إلى جماعة الإخوان المسلمين يخون واجبات وظيفته ويفض خطاب الأزهر إلى والد أحمد ولم يحفظ السر وأذاعه بين أهل القرية، ويجسد أهل القرية التعصب ضد الآخر لاختلافه عنهم في العقيدة فيهاجمون يعقوب لأنه يهودي دون مراعاة أنه ضيف قريتهم فيقذفونه بالأحجار حتى تسيل دماء جسده، ولا يختلف رجال وشيوخ الأزهر في تعصبهم عن أهل القرية فيهاجمون الشيخ أحمد لأنه تجرأ وسأل أسئلة في الدين مستفسرا منهم عن بعض الأمور وبدلا من اعطائه اجابات أو البحث عن إجابات حاكموه واتهموه بالالحاد والارتداد وفصلوه من الأزهر، ويكمل السجين عبد المنعم حلقة من حلقات التعصب فرغم تعاطفه مع أحمد الذي يضربه عساكر وضباط السجن إلا أنه يجمع المساجين أثناء تناولهم طعاما شهيا أحضره الشيخ عبد الرحمن البحيري لأحمد ويضربون أحمد بقسوة بعدما نبههم أحد العساكر أنهم يأكلون مع شيوعي ملحد كافر نصراني، وأعجب المشهد عساكر السجن المتعصبين ضد أحمد فيتركون المساجين يضربونه بينما هم يتضاحكون متلذذين بما يحدث لأحمد مرددين التهم نفسها كافر ملحد شيوعي نصراني. 

3- بين المُسَلَمَاتْ والمَنسُوفَاتْ/ الحيرة 

يعاني الانسان الحيرة عندما يسعى إلى المعرفة إلا أنه يصطدم بمجموعة من الموروثات والمسلمات التي تقف عقبة أمام مسعاه للمعرفة وتفاعل الانسان معها يخلق حالة ضدية ربما تنسف هذه الموروثات فيصعب على الانسان اتخاذ موقف صريح ليخرج من حيرته مما يعرضه لصعاب لا يقدر على مواجهتها، تجسد مجموعة من الشخصيات هذه الحيرة أولها أحمد الذي تتملكه الحيرة حينما يطالع قصة الغرانيق في كتاب جلال الدين السيوطي "لباب النقول في أسباب النزول" وفكرة تدخل ابليس في الايحاء ببعض الآيات وتستمر حيرته حين يقرأ في موضوع الناسخ والمنسوخ وقصة زواج النبي محمد صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش زوجة ابنه بالتبنى زيد بن حارثة وأحمد ليس متشككا لكنه باحث عن التيقن فيقرر الدراسة بالأهر ليتعمق في العلوم الشرعية عله يجد اجابات للأسئلة التي تعمل داخل رأسه كالشواكيش، ولا يجد أحمد ولا الشيخ عبد الرحمن البحيري صاحبه بالأزهر اجابات لدى شيوخ الأزهر فيتم نسف صورة الشيوخ في ذهنه وذهن القراء، فالأزهريون ليس لديهم رغبة البحث بل يملكون الحكم على ملته "لما استفسرت عن معنى كلامي قلت لها: - أنا في رحلة بحث عن منتمى ديني..أو عقائدي عندي أسئلة لا أحد يريد أن يجيبني بالذي يروي عطشي المتزايدة مساحته كل يوم. * هل تشك في وجود الله؟! - سؤالها المباغت كان حادا أو صادما، قلت لها: لا اشك في وجود خالق ومدير لهذا الكون، غير أن الشك يدور في عقلي حول فكرة الأنبياء والأديان المتتابعة" ص 178حوار بين أحمد وهيلانة.

ويجسد أحمد وفريد وماريان قضية توارث الديانة  فأحمد وجد نفسه لأبوين مسلمين ورفض تهمة شيوخ الأزهر له بالمرتد فيرد عليهم في" قال الشيخ وإن كان لا يعجبك فاخرج من الدين وتصير مرتدا أيها الجاهل قلت: - المرتد كلمة تطلق على الذي اختار الاسلام بمحض ارادته ثم تركه بمحض ارادته وأنا وُلدِتُ لأبوين مسلمين ولم يعرض أحد عليَّ الاسلام كي أختاره أو أرفضه بمحض ارادتي" وفريد وجد نفسه مسيحيا لأبوين مسيحين إلا أنه غيرمقتنع بالقديسين والشفاعة ولم يذهب إلى الكنيسة وقت صلاة عيد رأ س السنة فالأديان لها عنده تفسير مختلف وفق ما يصرح به في حواره مع أحمد ص 37 و38 "- شوف يا أحمد شكلك بتقول وتسأل : هو فريد ده ايه ملته ايه بالظبط ؟! معتدلا في مواجهته يكمل فريد حديثه.

شوف يا مولانا أنا مش مقتنع بحكاية القديسين دي أصلا ولا الشفعاء ولا كل الكلام اللي انت تعرفه عن النصارى خالص ..وأديك شفت أنا ما رحتش الكنيسة معاهم".

وسارت ماريان بنفس الطريق الناسف للمتوارث رغم نشأتها بالدير وكونها ابنة مقدس تعلن رسميا عدم قناعتها بالرهبنة وترفضها مقتنعة بتعاليم الراهب الألماني مارتن لوثر كما أنها تنسف معلومات أحمد حين وجد معها كتاب السيوطي بل منحته له وسط ذهوله " بنت نصرانية ومعها كتاب في علوم القرآن".. وتؤكد ماريان عدم قناعتها في حوارها مع أحمد "تحكي ماريان : تركت الدير، نعم تركته نهائيا ولا رجعة في ذلك نهائيا" ثم تكمل مؤكدة وفق تعاليم مارتن لوثر" كان الكتاب لراهب ألماني معروف وقديم" مارتن لوثر" يتحدث فيه عن بدعة الرهبنة وكيف أنها هروب من العالم الذي أمرنا المسيح أن لا نهرب منه بل وجهنا وأمرنا أن  نكرز باسمه ونتلمذ العالم ونشتبك مع الخطاة".

وصراحة تعترف هيلانة ابنة القمص فادي لأحمد "على فكرة الكتاب المقدس فيه حاجات حلوة كتير وكمان فيه خرافات كتير"، فرغم تدين الأباء والأسر إلا أن الأبناء ينسفون فكرة التوارث والتنشئة فمن المنطقي وفقا لنشأة أحمد وفريد وماريان وهيلان في بيئة دينية أن يكونوا متدينين بلا أسئلة أو تساؤلات لكن ربما هذا يشير في دلالة هامة جدا إلى عقلية ووعي الأجيال القادمة التي ترفض المُسَلمَات وتبحث بعقلها عما يقنعها بعيدا عن الموروث والمُسَلَم به.   

ويدخل ايزاك اليهودي دائرة الناسفين للموروث فينسف في اعترافه لأحمد فكرة شعب الله المختار التي يرددها اليهود لأنها العنصرية في أوضح صورها كما يعلن في "الله نكتشفه بالوجد والكشف الصوفي لا بالاستدلال والفقه وغيرهما وقال لي فيما قال نظرية شعب الله المختار اخترعها اليهود ولا علاقة لها بالله بل هي بالأحرى العنصرية في أوضح صورها قلت له : - أنت يهودي وتقول هذا ؟! قال بيقين : نعم الغنوصي يرفض تعصب اليهود ،يجب أن نزيل صورة الله التي تكونت في أذهاننا نتيجة تعاليم الكهنة والفقهاء من كل الأديان"، فهو ينسف صورة الله المتوارثة عن الأباء ويدمغ الموروث أنه السبب في الكراهية بين البشر ويُحَمَّل الغنوصي الأباء وعدم الفحص لما نتلقاه المسؤولية عن تلك الكراهية، ففي موضع آخر بذات الصفحة ص 322 يقول "الحقيقة أن الصورة المترسخة في عقولنا عن الله نتيجة ايماننا بتعاليم ورثناها عن آبائنا وتلقيناه بالقبول دونما تمحيص لهي التي بثتْ الكراهية بيننا نحن البشر".

وفي سياق الحيرة تسير بعض الاحداث وفق سلوكيات تنسف افتراضات تتجلى في زواج أحمد ابن العمدة رمز السلطة من فاطمة ابنة القائد الإخواني حسن يوسف، فمن المفترض كراهية وخلاف كل منهما مع الآخر وله، إلا أن جسد فاطمة الذي يغري ابن العمدة أزال هذا الافتراض لدى العمدة وابنه الذي يفشل في إشباعها وامتاعها وفض بكارتها وهوما يعني فشل تمتع السلطة "ابن العمدة" بما تريده من الإخوان "جسد فاطمة"، كما أنه من المفترض والمتوقع أن يرفض والد فاطمة القائد الإخواني تلك الزيجة لكن ربما المصالح والفائدة  لدى كل طرف "الإخوان والسلطة" أعلى من الفكر والمبادئ ومع ذلك لم يفلح جسد فاطمة في التوحيد بين السلطة والإخوان بل كان الفشل الذريع هو المحصلة النهائية.

وفي سياق السعي إلى المتعة على حساب المبادئ يتغاضى حسن يوسف عن انتماء مروان إلى جماعة التكفير والهجرة ويوافق على زواج فاطمه منه طمعا في الزواج من ايمان أم مروان التي اشترطت زواج مروان وفاطمة لتوافق هي على الزواج من حسن يوسف فجسد ايمان له رونق الإغراء، مما جعل القائد الإخواني يقبل ارتباط ابنته بشخص كان ينتمي قبل إلى جماعة الإخوان وكان ذات يوم تحت قيادته لكنه تخلى عنها وانتمى إلى جماعة لدودة في منزلة العدو لجماعة القائد الإخواني فيبدو أن للجسد كلمته العليا فوق الأفكار والمبادئ.

وينسف أحمد الأزهري الحافظ للقرآن احدى الثوابت عندما يرفض الاغتسال من ممارسة الجنس مع هيلانة باعتبار ذلك ليس جنابة من وجهة نظره بل يعتبر - حبه لهيلانه وممارسة الجنس معها- طُهرٌ " فكرت وأنا أجهز ماء الاغتسال من الجنابة أن هذا لا يليق ب"هيلانة"! كيف أغتسل من الحب؟! لقد طهرتني بجسمها الخالي من الخطيئة، لن أغسل بماء الأرض ماء السماء 

وفي ذات السياق الناسف للمسلمات يأتي خالد مدرس اللغة العربية حبيب مارثا الذي يرى المسيح يشجعه على ممارسة الجنس مع مارثا ويراه يحفزه أن يكمل ويواصل ليكون في النعيم، في "صرخ المسيح ثانية قائلا " أكمل. .وبشر لص اليمين وقال له : اليوم تكون  معي في النعيم"، وترى مارثا أن ممارسة الجنس مع خالد ليس خطيئة بل حب مقدس بعدما يتساءل خالد لمن ستعترف مارثا ابنة الكاهن الذي من المفترض أن يعترف أمامه الخطاة فيصلي لهم كي يغفر الله لهم، في سياق آخر يقول والد مارثا لخالد "في سر الاعتراف يقوم الشخص الخاطئ بالاعتراف بكل أخطائه أمامي ككاهن وأنا بدوري أصلي له كيما يغفر الله له خطاياه، قلت في نفسي: لمن ستعترف مارثا بالذي حدث اليوم " وأنا أودعهم خارجا من البيت،همست مارثا في أذني: ما فعلته معك ليس خطية، إنه الحب ألا تتذكر سفر نشيد الانشاد"؟ 

4- السياسي، الثقافي، الاجتماعي/ ثالوث الوجع والخطر

 يحظى الحضور السياسي والثقافي والاجتماعي بحضور هام وتأثير في سير الأحداث فيما يسمى بالتأثير والتأثر، فالجانب الفكري الثقافي أحد أعمدة الرواية التي تتحرك الأحداث من خلاله منذ أن ذكرت ماريان قصة الغرانيق لأحمد الباحث عن إجابات لأسئلة كثيرة، فقرر الابحار إلى الأزهر ليعرف ويتعمق بعد أن يقرأ كتاب السيوطي الذي دفعه إلى مزيد من الأسئلة ومزيد من البحث عن الناسخ والمنسوخ، فيقرأ كتاب أبي جعفر النحاس "الناسخ والمنسوخ" مما كان له أثره العكسي على أحمد وقاده إلى محاكمة أزهرية طعنت في ملته وحكمت عليه الكفر والارتداد والالحاد.

ومروان مثل عمه أحمد يبحث عن تكوين عقلي يرضى به من خلال الفكر والثقافة الدينيتين فيقرأ كتاب سيد قطب "العدالة الاجتماعية" إلا أن شيخه الإخواني حسن يوسف ينصحه بقراءة كتاب سيد قطب "معالم على الطريق" وهو ما ينصحه به قائده التكفيري سمير القماش عضو جماعة التكفير والهجرة فالكتاب له تأثيره في فكر الجماعتين المتضادتين الإخوان والتكفير والهجرة، هذا الكتاب قاد مروان إلى ترك جماعة الإخوان والانضمام للجماعة المناوئة لها التي انتهت بالهجرة إلى القاهرة تنفيذا لأمر الجماعة بتكليفه بتفجير دار الأوبرا.

 ويمثل  الثالوث محاضرات أحمد لطفي السيد التي يحضرها أحمد بالجامعة وكتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" وكلمة الشك بؤرة خوف وذعر وهلع لشيوخ الأزهر الذين يحققون مع عبد الرحمن البحسري لمجرد سماع كلمة الشك منه فيتهمونه بالزندقة مثل طه حسين وأحمد لطفي في جلسة التحقيق مع البحيري"عنما سمع الشيخ كلمة الشك انتفخت أوداجه كأن عفاريت الدنيا امتطته ثم صرخ: أطه حسين من جديد؟! ..تاني..شك وزفت وقلة أدب ؟؟ثم محذرا ومنذرا - أنا مش عايز اسمع الكلمة دي تاني هنا..الشك مرض يصيب به الله المنافقين والفُسَّاق.." .

لقد أعلن الأزهر صراحة أن الشك مرض ولعنة مما دفع طلاب الأزهر إلى اخفاء الكتب بعناوين وأغلفة غير حقيقية خشية أن  يفتك بهم الأزهر، كما يخشى  الأزهر على طلابه ويمنعهم من محاضرات أحمد لطفي السيد، فينبه الشيخ البحيري أحمد أن احدهم وشى به لدى الأزهر بأنه يحضر تلك المحاضرات وأن الأزهر سيحقق مع أحمد بهذا الشأن كما يحذر البحيري أحمد في ص 158 " - لقد نما إلى علم فضيلته أنك تذهب إلى محاضرات أحمد لطفي في الجامعة الأهلية وأن أحد الوشاة شاهد معك كتاب في "الشعر الجاهلي" لطه حسين. وهل هي جريمة أن أحضر محاضرات الأستاذ أحمد لطفي السيد ؟ وما العجب في أن أقرأ كتاب في "الشعر الجاهلي" يا شيخ عبد الرحمن؟".

وتقود فجيعة النتائج التي انتهت باخراج أحمد من الملة إلى أن يردد مع الفسلسوف الوجودي مارتن هايدجر مقولته "وحده اله واحد جديد قادر على انقاذنا"، كما يجسد أحمد مأساته في سطور من شعر الشاعر الألماني هولدرين (1770- 1843)، واصفا حالته "كتب علينا/ ألا نستقر في مكان/ نحن أبناء الفجيعة/ نترنح..نسقط بشكل أعمى/ من ساعة إلى ساعة..."، هذه الحالة المستغرقة في الفجيعة جعلت أحمد يتذكر موقف الجعد بن درهم (666-724) الذي ذبحه خالد القسري صبيحة يوم عيد الأضحى .  

وتنتقل الرواية إلى جانب فكري ثقافي حيث يحضر نشيد الانشاد في صفحات متفرقة لتمجيد الحب ويمدح المحبوبة ويحفز المحب أن يقطف ثمار وعناقيد الحبيبة وهو ما يتماهى مع حالة الوجد للفيلسوف المتصوف المغربي الأسباني أبي مدين الغوث (1115م – 1195م) الذي يتحدث فيها عن سكر المحبين ويتماهى أحمد وخالد وأبي مدين الغوث مع الفيلسوف المتصوف بن عربي (1165م- 1240م) فيردد أحمد مع بن عربي في بعض أقواله شعرا "لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي/ إذا لم يكن ديني لدينه دان/ واليوم صارقابلا كل صورة فمرعى لغزلان وديرا لرهبان" وهذا ما جعل مروان يترك بيته وزوجته الجميلة فاطمة في آخر الرواية مسرعا إلى مقهى ريش باحثا عن سيرة عمه أحمد الذي يشبهه في الكثير.

وثاني الحضورات الثلاثة تأثيرا في الأحداث هو الحضور السياسي والكاشف لرد الفعل الفكري، فيذكر الكاتب فرحة واغتباط جماعة الإخوان المسلمين بهزيمة جيش مصر عام 1967 عندما يدخل عاطف البرعي مسرورا على أم مروان طالبا منها أن تزغرد وهو مايعني أن تلك الجماعة تشمت في هزيمة جيش دولتها وترحب بالهزيمة باعتبارها دولة الكفر من وجهة نظرهم 

" يدخل عاطف بيت مروان مهنئنا. مروان فين..؟..مبروك ..مبروك. ساعتها ظنت ايمان أنها مباركة وفرحة لنجاح مروان. - لأ يا خالتي لأ..لقد انهزمت دولة الكفر..جيش مصر انهزم..عبد الناصر انتهى. وهو مايؤكد الدستور الذي يضعه الإخوان نصب أعينهم كما يشرح عاطف البرعي في أحد اجتماعاتهم مع بعض كوادرهم فهم يقسمون الناس إلى حزبين حزب الله وحزب الشيطان ورغم ذلك لا يكفرونهم ويتعاملون معهم بذكاء" لا يجب أن نعامل الآخرين على أنهم كفار، يجب أن نشعرهم بأنهم مسلمون وإلا سوف نخسرهم جميعا ونثير علينا الدولة بأزهرها وأوقافها، يجب أن نكون ودعاء كالحمائم وحكماء كالأفاعي" .

رغم أن العلاقة بين عبد الناصر والإخوان – وفق الرواية - في مرحلة كانت قوية فبعد حريق القاهرة في 26 يناير 1952 تم القبض على فريد ضمن حملة اعتقالات واسعة استهدفت الشباب قام الإخوان بمساعدة بعض الضباط الأحرار بحرق بيوت ومنتديات اليهود مما شجع اليهود على الهجرة من مصر مع أهاليهم وأسرهم خوفا من البطش بهم فهاجر يعقوب وأسرته إلى فرنسا وفر يعقوب إلى فلسطين.

ولا تترك جماعة التكفير والهجرة ثارها وفق رؤيتها فترد على اعتقال الدولة لشيخهم شكري أحمد مصطفى  بعد أن اختطفت من قبل وزير الأوقاف الشيخ الذهبي بتكليفها مروان بتفجير دار الأبرا دون النظر لخسائر الأرواح والمباني التي ستحدث جراء الانفجار فالمهم عندها الرد دون مراعاة أية آثار آخرى لما سينتج عن تلك الأفعال.

والحضور الاجتماعي له أثر هام مكملا ومتلازما مع الحضورين السابقين - الثقاقي والسياسي - فالجانب الاجتماعي أو المجتمعي له أهمية لدى الأشخاص فهم يتفاعلون معه ولا ينكرونه فالشيخ عبد العليم الحافظ للقرآن يأخذ بثأر أخيه من قاتله ويدرك بحكمة السنين أنه لابد من تجنب بحر الدم، فيقرر الرحيل من قرية حجازة قبلي بمدينة قوص التابعة لمحافظة قنا ويبارك المقدس سمعان بعفوية فطرية هذه الخطوة - القتل والرحيل - معلنا أي يد الله كانت مع الشيخ عبد العليم " ده قدر ومكتوب وربنا كانت ايده معاكم أنت ومراتك وابنك". 

التآلف بين المسلمين والنصارى البسطاء فطري، فجرجس المسيحي يمنح بيته للشيخ عبد العليم يقيم فيه، كما تنشأ علاقة محبة بين أسرتي الشيخ والمقدس سمعان رغم توجس أسرة المقدس في بادئ الأمر حسب اعتراف أم مينا  زوجة المقدس لأم أحمد زوجة الشيخ،  "عارفة يا ام أحمد، يوم ما جيتونا هنا مير كنا قلقانين منكم بصراحة شويتين قالت أم مينا ثم أكملت: شيخ واسمه عبد العليم ومراته حاجة وابنهم  الوحيد اسمه أحمد هايقعدوا شوية ويمشوا على طول..مسلمين واحنا هنا يا أختي كلنا نصارى..ازاي يا ناس؟!".

وهذا يعكس طبيعة العلاقات إلى حد ما بين توجس وتآلف يؤكده تنبيه الشيخ ابنه أحمد ألا يتحدث مع ماريان في الدين "قال لي الشيخ ذات مرة: النصارى يا ابني بيزعلوا لما حد يكلمهم في دينهم، ولما تحترم عقيدتهم يحبوك واحنا هنا يا ابني أغراب" .

وعلى الجانب التوتري الاجتماعي الذي يرفض حب وزواج مسلم بمسيحية كما تنبه هيلانة حبيبها أحمد الذي عرض الزواج منها واستعداده لتغير ديانته لأنها مسيحية وفقا لقواعد العرف وخوفا من سوء العواقب

"اقترحت عليها الزواج فقالت: الديانة تمنعنا ! بابا رجل دين بابا قمص ومن أهم رجال الكنيسة في مصر قلت لها سوف أغير ديانتي. أنا سوف أذهب لوالدك وأعترف له بأنني أريد أن أعتنق الديانة النصرانية..

قاطعتني وقالت: مش ممكن يا أحمد. - ليه مش ممكن يا حبيبتي؟! -الدولة هتطبق عليك الردة ويقتلوك وإن لم تقتلك السلطة الناس هم اللي ها يقتلوك وساعتها أكون خسرت كل حاجة" ص 22 .

ويتكرر هذا الموقف بين خالد ووالد مارثا فيذهب خالد إلى أبيها طالبا الزواج من مارثا عارضا تغيير ديانته إلا أن والدها يفطن لخطورة الموقف محذرا خالد طاردا له من منزله "أجابني القس : أساعدك ازاي ؟! انت عايز الدنيا تولع والناس في بلدكم تحرقنا هنا! وكمان النصارى اللي هنا عايزهم يولعوا فينا بجاز وسخ؟! فجأة انتصب القس واقفا كالمحموم وقال بلهجة حاسمة مشيرا إلى الباب : اتفضل يا ابني على بلدكم وأرجوك مش عايز أشوفك تاني".

وعلى عكس التآلف ينشأ البعض على التعصب والكراهية دونما سبب وفق النسق الاجتماعي، كما ينشأ مروان وفق ما ربته أمه عليه فنشأ يكره النصارى دون سبب ونشأ أهل قرية الجبل الغربي على تلك الكراهية لمن هو مختلف عن ديانتهم فعندما عرفوا أن يعقوب يهودي اعتدوا عليه وقذفوه بالطوب حتى أدموا رأسه.

ويحظى رجل الدين بتقديس واحترام في القرى فيمنحونه مكانة اجتماعية عالية فهم ينحنون له ويقبلون يده ويرون فيه حلولا لهمومهم، فالرجل القروي بقرية الجبل الغربي صاحب البقرة المريضة يسعى إلى الشيخ أحمد ليبارك له بقرته لتشفى ويأمر زوجته وأولاده بتقبيل يد الشيخ أحمد والانحناء له، وفي المسجد يفسح القرويون والشيخ عبد العليم المكان لأحمد بزيه الأزهري ليؤمهم في الصلاة ويعرضون عليه أن يبارك بيوتهم بتناول الطعام، إلا أن العمدة يفوز بهذه الضيافة والزيارة من الشيخ أحمد، وفي السياق الاجتماعي يعلن الشيخ عبد العليم التبرؤ من ابنه أحمد بعدما طرده الأزهر وحكم عليه بالارتداد فكانت التبرؤ من أحمد شكليا ليحمي الشيخ نفسه من أي بطش مُحتَمَل، كما يقذف صاحب محل العطارة الذي كان يعمل به أحمد  ويطرده متعقبه مكيلا له الشتائم لأنه كافر وملحد وشيوعي ونصراني، بعدما وشى به أحد الوشاة عنده، لتطرح الرواية عدة قضايا ثقافية واجتماعية وتراهن على الوعي والحب وقبول الآخر .
--------------------------------
دراسة: رمضان أحمد عبد الله